أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي














المزيد.....

إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 22:40
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لم يكن التحول الذي شهده العراق، منذ أفول زمن الاستبداد الفردي إثر الغزو الأمريكي للعراق 2003، تحولًا مكتمل الأركان، بقدر ما كان انتقالًا متعثرًا بين صورتين للدولة: دولةٍ تُفكِّك إرثها القديم، وأخرى لم تكتمل شروط ولادتها بعد. فبقي الكيان السياسي معلقًا بين ديمقراطيةٍ في الشكل، وريعيةٍ في الجوهر، تُعيد إنتاج ذاتها وإن تغيّرت وجوهها.
وهكذا، لم تغادر الدولة مأزقها البنيوي، إذ ظل الريع أصل الحكاية وفصلها، ينسج خيوط السياسة كما تُنسج شبكات الولاء، ويُفرغ السوق من معناه، حتى غدا كائنًا هامشيًا في وطنٍ كان جديرًا بأن يكون فيه فاعلًا أصيلًا. وفي هذا الفراغ، تَمدَّدت الزبائنية، وترسّخت أوليغارشياتٌ لا تستمد قوتها من الإنتاج، بل من القرب من موردٍ لا ينضب إلا بقدر ما ينضب العقل في تدبيره.
غير أن رياح التحولات الكبرى ،من تقلبات أسواق الطاقة إلى ارتجاجات الجغرافيا السياسية،قد أصابت هذا البناء في صميمه، فكشفت هشاشته، ودفعت إلى التساؤل: أيمكن للدولة أن تستمر بلا سوق ، أو أن ينهض سوقٌ في ظل دولةٍ تُخاصمه في كل حين؟
من هنا، أخذت تتشكل ملامح أفقٍ جديد، تتلاقى فيه الدولة والسوق لا على سبيل التنازع، بل على قاعدة الشراكة، ضمن ما عُرف في الفكر الاقتصادي بـ اقتصاد السوق الاجتماعي، وهو تصورٌ لا يُقصي الدولة ولا يُطلق السوق من عقاله، بل يُقيم بينهما ميزانًا دقيقًا، كما نظّر له فالتر أوكن WEcuken في تقاليد( الأوردوليبرالية Ordoliberalism )بكونه المؤسس لها ،حيث الحرية الاقتصادية لا تستقيم إلا بنظامٍ قانوني صارم، والعدالة لا تتحقق إلا ضمن سوقٍ منضبط.
فالأوردوليبرالية التي نشأت في ثلاثينيات القرن الماضي هي ليست دعوة لاقتصاد حر بلا قيود، بل هي
فلسفة تقول إن الحرية الاقتصادية تحتاج دولة قانون قوية كي لا تتحول إلى فوضى أو احتكار.
كما أن هذا التحول لا يُختزل في تبديل الأدوات، بل هو انقلابٌ في المعنى: انتقالٌ من دولةٍ توزّع إلى دولةٍ تُنظّم، ومن سياسةٍ تُدار بالغنيمة إلى سياسةٍ تُدار بالعقل. وهنا يلوح دور “صنّاع السوق”، لا بوصفهم بديلًا عن الدولة، بل بوصفهم حاملي ثقافةٍ جديدة، تُعيد وصل الاقتصاد بالأخلاق، على نحوٍ يذكّر بما ذهب إليه آدم سميث حين رأى في السوق فضاءً للأخلاق قبل أن يكون ميدانًا للمصالح.
غير أن الحذر واجب، إذ ليس كل ما يُولد من رحم السوق محمود العاقبة؛ فقد نبّه كارل ماركس إلى أن رأس المال، إذا تُرك لسطوته، أعاد تشكيل الدولة على صورته، كما شدد جون رولز على أن العدالة لا تُستعار من السوق، بل تُفرض عليه من خارج منطقه.
لذا تتطلب معالجة اختلالات الدولة الريعية في العراق حزمة من التحولات المتداخلة:التي من بينها إعادة بناء الدولة القانونية وتعزيز سيادة القانون.
تحرير السوق ضمن إطار تنظيمي يمنع الاحتكار.كذلك
تفكيك شبكات الزبائنية السياسية
وربط رأس المال الوطني بمسار تنموي إنتاجي.
كذلك تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية
لذا فان استمرار التناقض بين البنية الريعية والديمقراطية التمثيلية في العراق سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة. وعليه، فإن تجاوز هذا المأزق يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والسوق ضمن إطار حوكمة رشيدة.كما ان المستقبل
لا يقوم على إقصاء أحد الطرفين، بل على إعادة ضبط العلاقة بينهما وفق قاعدة أساسية قوامها :
دولة قوية بالقانون، وسوق فعّال بالقواعد، وتنمية تستند إلى الإنتاج لا التوزيع.
ختاما،فإن العراق يقف على تخوم منعطفٍ فلسفي، لا يغيّر فيه أدوات ادارة الحكم فحسب، بل يعيد تعريف غايته: أهي دولةٌ للريع أم دولةٌ للحق؟ أهي سلطةٌ لتوزيع الامتياز أم نظامٌ لإنتاج الفرص؟
إن ما يُبشَّر به من “لحظة ولادة” جديدة ،كما يُشار إليها في 27 نيسان 2026، ليس حدثًا يُقاس باليوم والشهر، بل وعيٌ يتخلّق، وإرادةٌ تبحث عن صورتها. فإن أحسنَت الدولة قراءة لحظتها، وأحسن السوق إدراك حدوده، أمكن أن تقوم بينهما معادلةٌ طال انتظارها:
دولةٌ يُقيمها القانون، وسوقٌ يضبطه النظام، وديمقراطيةٌ لا تُختزل في التمثيل، بل تتجسد في الكفاءة والعدالة معًا.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...


المزيد.....




- تباين أداء البورصة المصرية مع اقتراب مؤشرها الرئيسي من مستوي ...
- البحرية الأمريكية تشدد الخناق على الموانئ الإيرانية.. والاقت ...
- كولومبيا تستضيف مؤتمر التخلي عن النفط وسط أزمة عالمية
- مصير الذهب في خزائن القرض الحسن
- الإمارات خارج -أوبك- و-أوبك بلس-.. هل يؤثر على أسواق الطاقة ...
- وداعا أوبك.. محطات في مسار الإمارات داخل أكبر تكتل نفطي عالم ...
- من هرمز إلى قطارات الصين.. كيف تعيد الحرب رسم طرق التجارة؟
- الصين تقرر استئناف صادرات الوقود في مايو لتخفيف أزمة الطاقة ...
- رويترز: العراق لا يعتزم الانسحاب من -أوبك- أو تحالف -أوبك بل ...
- المحافظ الأسبق للمركزي الإيراني: كبح سعر الصرف يهدد إعادة ال ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي