أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان














المزيد.....

القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8681 - 2026 / 4 / 18 - 04:54
المحور: قضايا ثقافية
    


(تأملات في تحولات الجمال بين الماضي والحاضر)
في مدينة نيوكاسل أبون تاين، حيث تلتقي ذاكرة الثورة الصناعية بنبض الحداثة، لا يبدو التاريخ مجرد ماضٍ ساكن، بل طبقات متراكبة من المعنى.
هناك تقف كاتدرائية نيوكاسل شامخة، كأنها استعارة حجرية لعصرٍ كان يرى في العلو اقترابًا من السماء، وفي الضوء المتسلل عبر الزجاج الملوّن وعدًا بالخلاص.

لم تكن القوطية Gothic، في نشأتها، مجرد فن عمارة ، بل كانت كما يمكن أن يُفهم في ضوء فلسفة توما الأكويني، تجسيدًا لنظام كوني متكامل، حيث يتناغم الجمال مع الحقيقة، ويتكامل الحسّي مع العقلي والروحي في بنيةٍ واحدة
فالارتفاعات الشاهقة لم تكن زخرفة، بل لاهوتًا مرئيًا، ومحاولة لرفع الإنسان من ثقله الأرضي نحو أفق الماوراء.

لكن المفارقة التي تستوقف الزائر اليوم لا تكمن في بقاء الحجر، بل في غياب المعنى الذي كان يسكنه.
فالكاتدرائية التي كانت يومًا فضاءً للخشوع، تحولت إلى فضاءٍ للمشاهدة ، خلت من حضور العبادة والنص المقدّس، ولم يبقَ فيها سوى الزجاج الملوّن، والخشب، وانعطافات الحجارة التي تعود في بنيانها في الأصل الى سنوات القرن الثاني عشر الميلادي، و تحديدًا بعد عام 1091، عندما أمر النورمان (بعد غزو إنكلترا) ببناء كنيسة في الموقع نفسه، وتطور بنائه مع نهضة الهندسة و الفن المعماري القوطي.
ولكن لم المس في زيارتي لتلك الكاتدرائية التي خلت من اية طقوس سوى صوت واحد خافت ، يتسلل بين الجدران وهو يقول : لقد انسحب الإيمان… وبقي الشكل ايها الرجل القادم من شرق المتوسط.

هذه اللحظة من هفوت الصوت التي وجب على مخيلتي قراءتها فلسفيًا، بوصفها انتقالًا من “عالم المعنى” إلى “عالم الصورة”، وهو ما تنبأ به فريدريش نيتشه حين أشار إلى أن الإنسان الحديث سيواجه فراغًا بعد أفول المرجعيات الكبرى.
في هذا الفراغ، لا تختفي القيم، بل تتحول… تتشظى… وتبحث عن أشكال جديدة للظهور.

ولعل القوطية الحديثة هي أحد هذه الأشكال.

خارج الكاتدرائية، لا نرى أقواسًا حجرية، بل أجسادًا بشرية تعيد إنتاج القوطية بطريقة أخرى:
ملابس داكنة، ملامح مشبعة بالغموض، ونزوع واضح نحو كسر المألوف.
هنا، لم تعد القوطية عمارة، بل صارت “جمالية وجودية”.

إنها، بلغة ميشيل فوكو، شكل من أشكال “تشكيل الذات” (Self-Formation) حيث يعيد الفرد كتابة هويته خارج الأطر المعيارية للمجتمع.
وهي في الوقت ذاته تعبير عن قلق عميق، وعن بحث مستمر عن معنى في عالم فقد يقينياته.

ليس من قبيل المصادفة أن تتغذى هذه الثقافة على أدب الظلال، كما في أعمال إدغار آلان بو، أو مثل سرديات دراكولا، حيث يمتزج الجمال بالرعب، والحياة بالموت، والحضور بالغياب.
فالقوطية هنا ليست تمجيدًا للظلام بقدر ما هي محاولة لفهمه.

وفي العصر الرقمي، حيث تتسارع الصور وتذوب الحدود، وجدت هذه القوطية الجديدة بيئتها المثلى.
فمنصات مثل Instagram وTikTok لم تكتفِ بنقل الظاهرة، بل أعادت تشكيلها محوّلة إياها إلى هوية مرنة، قابلة للتبنّي والتخلي، وقابلة للتداخل مع أنماط ثقافية أخرى.

غير أن هذا التحول يثير، في السياقات غير الغربية، نوعًا من القلق المشروع.
فحين تنتقل القوطية من سياقها التاريخي إلى بيئات مختلفة، قد تُفهم بوصفها اغترابًا أو قطيعة مع القيم المحلية.

لكن هذا القلق، وإن كان مفهومًا، يحتاج إلى إعادة تفكير.
فكما يشير زيغمونت باومان في حديثه عن “الحداثة السائلة” فإن الهويات لم تعد ثابتة، بل أصبحت في حالة سيولة دائمة، يُعاد تشكيلها باستمرار عبر التفاعل مع العالم.

من هذا المنظور، لا تكون القوطية تهديدًا بقدر ما تكون عرضًا لتحول أعمق:
تحول من هوية مُعطاة إلى هوية مُختارة.

ومن الطريف أن الذاكرة العراقية تحمل بدورها مفردة “القوطية”، لكنها تشير إلى شيء مختلف تمامًا:
علبة صغيرة تُجمع فيها النقود المعدنية، رمز للادخار والانضباط، وطقس طفولي بسيط يربط الحاضر بالمستقبل.

هنا تتقاطع كلمتان متشابهتان لفظًا، متباعدتان معنى:
قوطية الحجر، وقوطية الطفولة.

الأولى تعبير عن سموّ روحي،
والثانية عن اقتصاد أخلاقي صغير،
أما الثالثة "قوطية الحاضر " فهي تعبير عن قلق الإنسان المعاصر.

وهكذا، لا تعود القوطية سؤالًا عن الذوق أو المظهر، بل تتحول إلى سؤال فلسفي أعمق:
كيف يعيد الإنسان تشكيل ذاته في عالم يفقد معانيه الكبرى؟

ربما لا تكمن الإجابة في رفض هذه الظواهر أو القبول بها، بل في فهمها بوصفها علامات على تحولات أعمق في بنية الوعي الإنساني.
ختامًا، فالقوطية في نهاية المطاف ليست ظلامًا، بل لغة أخرى للبحث عن الضوء.
ولعل تلك الخيوط اللونية التي تسللت يومًا عبر زجاج كاتدرائية نيوكاسل لم تكن مجرد أثرٍ بصري عابر، بل بقايا معنى لم ينطفئ بعد، معنىً ظلّ معلقًا بين الحجر والإنسان، بين الإيمان القديم وأسئلة الحاضر.

فالقوطية، في تحولها من بناءٍ يشير إلى السماء إلى حالةٍ تبحث عن ذاتها في الأرض، لا تفقد جوهرها بقدر ما تغيّر لغتها.
وهكذا، يبقى الإنسان في كل تجلياته، كائنًا يبحث حتى في أكثر عتماته عن خيط ضوءٍ يعيد وصل ما انقطع بين الشكل والمعنى.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة
- البحيرة التي أحببتُها كما يُحب الوطن سرًّا : (إلى بحيرتي، أو ...
- طراز الحياة الريعية وفقدان وزن اقتصاد المنزل


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان