أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد














المزيد.....

ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 03:40
المحور: قضايا ثقافية
    


هي عروقٌ تحمل أوراقًا خضراء، التفّت حول شجرةٍ عملاقة في بلادٍ تمتلك ثالث أعلى احتياطي من الغابات في العالم. في تلك الغابة التي أنعم الله عليها بأشجارٍ غرست جذورها عميقًا في الأرض، وامتدت فروعها نحو السماء، أدركت أن تلك العروق التي تحتضن الشجرة الكبيرة ليست ابنتها، بل عروقٌ مغتربة .. تشبهني .. كأن اغترابنا واحدًا.

راقبتُ ذلك التشابك العجيب بين شجرةٍ من الغرب ، وأخرى تتمنى الشرق. وسرّني أن كثافة الأوراق كانت تشير إلى أنها شجرة عنب، لكنها خلت من عناقيدها، وانشغلت فقط بالالتفاف، كأنها تحاول أن تكسر غربتها بالاحتضان.
حينها، عادت بي الذاكرة.
تذكرتُ كيف كانت هذه الأوراق جزءًا من مطبخ أمي، وأمهات بلادي، وهنّ يعددن واحدة من أشهر أكلات الشرق. سبقت يدي ذاكرتي، فمددتُها لأقطف بعض الأوراق، علّنا نستعيد طعم الشرق في بلادٍ تغيّرت مطابخها، قبل أن تغزوها عولمة الوجبات، فتجعل العالم مطبخًا واحدًا، تتوافر فيه كل الأطباق… لكنه يفتقد أمهاتنا إلى الأبد.

اعترضني رجلٌ كندي، أوروبي الجذور. شاركني القطف، ثم سألني مبتسمًا:
“أعرف أن هذه الأوراق تُسمى wine leaves… وقد عرفت أنك من الشرق فور رؤيتك تقطفها.”
ثم أضاف: “زرتُ الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، وتناولتُ وجبة لذيذة من الأرز الملفوف بهذه الأوراق… لكني نسيت اسمها.”
ضحكنا معًا، وقلت له: “إنها من طقوس المطبخ العراقي… اسمها الدولما.”
أشرق وجهه وقال: “نعم، تذكرت!”

تبادلنا حديثًا شيقًا عن المطبخ الشرقي، ودعوته أن يكون ضيفي يومًا، إن استطعتُ العثور على ورق العنب، رغم أن الخريف بدأ يزحف، ليجرد الغابة من أوراقها.
قال لي مطمئنًا:
“لا تقلق… أنت في بلادٍ يتوافر فيها كل شيء.”

مرت الأشهر. وبينما كنتُ أخوض طرقاتي وسط تلال الثلوج الكندية التي لا تهدأ، دخلتُ متجرًا يبيع كل ما يخطر على البال. سألتُ عن ورق العنب، فأشار البائع إلى رفٍ قريب، وجلب لي علبة زجاجية محفوظ فيها ورق العنب، كأنه مخلل.

دهشت هنا، حيث الشتاء يسبق الصيف، والثلج يسبق المطر، وحيث الأشجار تفقد أوراقها قبل أن تكتمل مواسمها… ويتوافر كل شيء.

اليوم، لم تعد هناك معاناة في العثور على ورق العنب. العلب الزجاجية تملأ الأسواق. لكن… أي ورق عنب هذا؟ مستورد أيضًا.

حزنت.
في شمال العالم، سرق الثلج القدرة على إنباته، وفي الشرق، لم يعد من أرضه. حتى في مطبخنا، صرنا نعدّ أكلاتنا بأوراقٍ ليست من بلادنا.
رحلت أمي… ورحلت جدتي… ورحلت معهما تلك الهمة في جمع أوراق العنب. أصبح الترف الاستهلاكي يقدّم لنا “الدولما” جاهزة، بلا تعب، بلا انتظار، بلا ذاكرة.
وذاكرتي أنا… تتعب.
تتآكل تحت ضغط عالمٍ استهلاكي، جعل من الزراعة، والعمل، والمطبخ، مجرد سلعٍ في سوقٍ معولم. سوقٍ ازدهرت فيه حقولٌ بعيدة في شرق المتوسط، تنتج وتصدّر، بينما حقولنا تراجعت، وجفّت، وفقدت أعنابها.
لم تعد بلادنا تغني لكرومها.
بل صارت تتغنى بحقولٍ داكنة…
تنتج شيئًا آخر.
شيئًا يتكالب عليه العالم، سلمًا أو حربًا…
انه النفط… بدلًا من ورق العنب.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم


المزيد.....




- طيور تنسج أعشاشاً من الألياف الضوئية للمسيّرات في أوكرانيا ا ...
- -الأكبر في تاريخها-.. إيران تبعث رسالة تحدٍ إلى ترامب عبر جن ...
- بوتين يهنئ لوكاشينكو بعيد استقلال بيلاروس
- الإعلام الأمريكي: ترامب يصنع الأخبار ويشتري الأسهم
- هانتر بايدن يرشح ترامب لجائزة نوبل للسلام: أنهى الحرب نفسها ...
- تقرير: الخدمة السرية أضاعت فرصا متعددة لمنع محاولة اغتيال تر ...
- ترامب: لا أعلم كم تبلغ ثروتي من العملات المشفرة!
- الجيش الإسرائيلي يعتقل 8 مشبوهين بضلوعهم في اعتداء على إسرائ ...
- مرض غريب يصيب ركاب سفينة سياحية ضخمة قبالة سواحل كاليفورنيا ...
- انطلاق مراسم تشييع خامنئي في مسار يمتد أسبوعا بين مدن إيراني ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد