أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين














المزيد.....

صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 02:45
المحور: سيرة ذاتية
    


كانت متعتي، في أيامٍ أسميتها الاغتراب القسري، أن أقتنص عطلةً جامعية أفرّ فيها من سطوة التفكير والبحث، هاربًا "ولو مؤقتًا"من عالمٍ اسمه العلم. كنت معلّقًا بين صراع الدراسة وأفق حياةٍ مؤجلة، وبين وطنٍ ينزف في حربٍ بلا ذاكرة، حرب تسحق بلدين دون معنى يُبرّر هذا الفيض من الدم.
كانت ذاكرتي تطلب خلوتها كلما سنحت الفرصة. ولم أجد رفيقًا سوى صخرةٍ صمّاء، استقرّت على ساحل قناة بريستول عند تخوم الأطلسي، في كاردف .
هناك ، حيث كان شريط الماضي يمرّ كوميض برق عبر بوابات قصرٍ شامخ، خالٍ إلا من ضوءٍ باهت. وكنت أتساءل: لمن هذا القصر الذي يجاور صخرتي، صخرة الإصغاء الصامت لوجعي؟
في عمق الصمت، كان الصدى يجيب: هنا سكن رجلٌ حكم بريطانيا، رجلٌ حمل ذاكرة أمة بأكملها. عندها تتجلى مفارقة ما أشار اليه هنري بيركزون: الذاكرة ليست ماضيًا منقضيًا، بل حضورٌ حيّ يتجدد. فالقصر، رغم فراغه، مثقلٌ بما لا يُرى، بينما الصخرة، في صمتها، تبدو أكثر حياة لأنها تشارك الإنسان وجدانه.
قلت في سرّي: يا جيمس كلهان، أوجاعك أوجاع أمة، وأوجاعي أوجاع وطنٍ تكدّست في داخلي. ومع ذلك، تبدو هذه الصخرة"في بساطتها" أقدر من هذا القصر على انتزاع الألم منا معًا. هنا تستعاد فكرة فريدريك نيتشه :الألم ليس عبثًا، بل علامة على عمق المعنى. غير أن الإنسان يظل يبحث عن هيئةٍ يُحتمل بها هذا المعنى.
كلما اشتدّ وجع الذاكرة، لجأت إلى الفلسفة، لا لأهرب، بل لأفهم.
كنت أغادر صخرتي وقد خفّ شيءٌ في داخلي، وأراها تواجه أمواج البحر كأنها تبتسم ابتسامة من يعرف سرّ النسيان ،ذلك النسيان الذي رآه فيلسوف فرنسا بول ريكور ضرورةً لا تقلّ شأنًا عن التذكّر ،فبدونه تتحول الذاكرة إلى عبءٍ لا يُطاق.
أبتعد قليلًا، فأرى القصر يزداد ثِقلاً، بلا هدنة. هنا يتضح الفرق: مكانٌ يكدّس الذاكرة حتى تختنق، وآخر يتركها تنساب في أفق البحر. القصر مستودعٌ للألم، أما الصخرة فوسيطٌ بين الإنسان والطبيعة ، تمتصّ وجعه وتعيده سكونًا.
ومع اقترابنا من خريف العمر، لا تعود الذاكرة مجرد استرجاعٍ لما كان، بل تغدو طريقةً للعيش بما تبقّى. نكتشف متأخرين قليلًا، أن ما ظننّاه ماضيًا منتهيًا لم يكن إلا شكلًا آخر للحضور ،حضورًا يخفّ حينًا، ويثقل حينًا آخر.
في هذا الخريف، لا نعود نبحث عن انتصارٍ على الألم، بل عن مصالحةٍ معه ، نصغي إليه كما نصغي لموجٍ بعيد، لا لنوقفه، بل لندرك إيقاعه.
وهنا تستعيد أفكار بول ريكور معناها الأعمق: فالتوازن بين التذكّر والنسيان لم يعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. نحتفظ بما يمنحنا معنى، ونترك ما يثقل أرواحنا دون جدوى.
فنحن في خريف العمر، لا نقف بين صخرةٍ وقصر، بل نصبح "على نحوٍ ما" كليهما: نشيّد داخلنا قصورًا من الذاكرة، ونتمنى لو امتلكنا صلابة صخرةٍ تُحسن الإصغاء، ثم تُحسن الإفلات.
ما زالت الذاكرة تحنّ إلى تلك الصخرة، حيث كان الألم يجد طريقه إلى الخفوت. أما قصر كلهان، فيبقى شامخًا، لكنه مثقل بذاكرةٍ لم تتعلم كيف تتحرر.
وهكذا تنكشف فلسفة الوجع:
ليست في ما نحمله من ماضٍ،
بل في الكيفية التي نسمح له أن يسكننا بها.
فالصخرة، على حافة البحر تُشبه علاجًا صامتًا،
تأخذ منّا ما يثقلنا، وتُعيده إلى العالم خفيفًا كالموج،
أما القصر"رغم فخامته" فليس إلا ذاكرةً مغلقة،
يتردد فيها الصدى دون أن يجد طريقه إلى النسيان.
وفي خريف العمر، لا ننجو من الذاكرة، بل نتعلّم كيف نعبرها بخفّة، نُهذّب ظلّها ونصالح وجعها. وكأن صدى كلمات الكاتب الروسي ديستوفسكي يرافقنا: لا يمكث في الذاكرة إلا ما حاولنا نسيانه، فيتحوّل إلى ذلك الوجع الصامت الذي يذكّرنا بأن بعض الذكريات لا تُمحى، بل تُروى برفق.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن

- الحرب والسلام بين ضفّتي مضيق هرمز
- جذور شجرة طيبة تحترق: الطفولة والحرب والزمن المنهار
- حمامة بيضاء من رماد الحرب: كيف رسم بيكاسو سلام العالم
- لمن تُقرَع الأجراس: الحرب، الحب، والسلام
- الاقتصاد الليلي: سُحُبٌ إيجابية في رياحٍ اجتماعية داكنة


المزيد.....




- اصطدام قطار شحن بحافلة مكتظة في بانكوك يخلف قتلى وجرحى.. وفي ...
- تعثر المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران واستمرار المواجهات ...
- شاهد: بلغاريا تستقبل الفائزة بيوروفيجن دارا بالكأس
- تقرير إسرائيلي يفجر مفاجأة.. لماذا اضطر نتنياهو للكشف عن زيا ...
- -قلعة حصينة-.. كوريا الشمالية ترفع مستوى الجاهزية العسكرية ق ...
- لا اختراق في زيارة ترامب الى الصين وشي يؤسس لعلاقات جديدة مع ...
- كوريا الشمالية: كيم جونغ أون يأمر بتحويل الحدود الجنوبية مع ...
- وزير العدل الفرنسي يزور الجزائر والأولوية لتعزيز التعاون الق ...
- أستراليا.. رجل يقتحم عرض أزياء عن طريق الخطأ في سيدني
- موسكو وكييف.. معارك مستمرة وتمسك كل طرف بمطالبه


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين