أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - مظهر محمد صالح - المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي














المزيد.....

المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 18:48
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


أدهشتني براءةُ الاختلاط، لا بوصفه خرقًا للتقاليد، بل بوصفه تحوّلًا هادئًا في بنية المجتمع ووعيه بذاته. كان المشهدُ يشي بانتصار الإنسان على مخاوفه القديمة، وبقدرة الحياة على إعادة صياغة فضاءاتها الاجتماعية دون أن تخدش حياءها العام أو تنقض منظومتها الأخلاقية.

في المقهى، ذلك المكان الذي ظلّ طويلًا حكرًا على الرجال، جلست النساء بثقةٍ ووقار، بأزيائهن المحتشمة وأناقة حضورهن، كأنهن يستعدن حقًّا مؤجلًا في الدفء الاجتماعي، وفي المشاركة الرمزية بحياة المدينة اليومية. حتى النرجيلة، التي كانت تُعدّ يومًا من طقوس الرجولة الشعبية، غدت امتدادًا عاديًا لمشهدٍ اجتماعي جديد، لا يحمل التحدي بقدر ما يحمل معنى الألفة وتحوّل العادات.

لقد تبدّل المجتمع العراقي، ولا سيما البغدادي، خلال العقود السبعة الأخيرة تبدّلًا عميقًا. كان الاختلاط قد بدأ بخطواتٍ مترددة في الأسواق وأماكن التبضع، يوم كانت العباءة السوداء تُخفي النساء أكثر مما تُظهر حضورهن، قبل أن تنسحب تلك العباءة تدريجيًا إلى فضاءات الزيارات الدينية والمراقد المقدسة، بينما أخذت المرأة تدخل المجال العام بوصفها شريكًا لا ظلًّا.

ولستُ هنا بصدد الحديث عن حضور النساء في الجامعات أو مؤسسات العمل أو الأندية الثقافية، فذلك صار من بديهيات الحياة الحديثة، لكنّ أكثر ما يلفتني هو ذلك التحوّل الرمزي العميق: صرخات النساء في ملاعب كرة القدم، وهي ليست مجرد هتافات رياضية، بل إعلانٌ اجتماعي عن تحرّرٍ لم يُسقط القيم، ولم يُلغِ أصالة العائلة العراقية، بل أعاد تعريف العلاقة بين الحرية والانتماء.

في طفولتي، قبل سبعين عامًا، كانت المدن المحيطة ببغداد تعيش تناقضًا اجتماعيًا غريبًا. نساء القرى يدخلن الأسواق بحرية كاملة، يبعن ويشترين ويتفاوضن بثقةٍ نابعة من دورهن الحيوي في الاقتصاد الزراعي ،من الحقول إلى تربية الماشية وتسويق الإنتاج. كنّ جزءًا أصيلًا من دورة الحياة والعمل.

أما نساء المدن، وخصوصًا نساء الطبقة الوسطى، فكنّ يعشن عزلةً اجتماعية قاسية، كأن المدينة وضعت حولهن أسوارًا غير مرئية من التحريم والخوف. ولم أفهم يومًا كيف سُمح للمرأة الريفية بما حُرمَت منه المرأة المدنية، سوى أن الاقتصاد، حين يكون فاعلًا ومنتجًا، يفرض منطقه الاجتماعي، ويمنح المرأة شرعية الحركة والحضور.

ولا تزال في ذاكرتي حادثة موجعة، تختصر قسوة تلك المرحلة.
عائلة بغدادية انتقلت للعمل في مدينتنا المحافظة، فخرجت ابنتهم الشابة ذات صباح إلى السوق سافرة الوجه، تتبضع بعفوية المدن وانفتاحها الطبيعي. لم تكن تدرك أنها دخلت منطقة محرّمة على نساء المدينة. فجأةً، استنفرت السلطة الاجتماعية المتشددة غضبها، وجُنّدت الجموع الصغيرة بعقلية القطيع، لترشق الفتاة بالحجارة حتى أُدميت.

كان ذلك المشهد إعلانًا لانتصار الخوف على البراءة، وانتصار الأيديولوجيا على الإنسان. وفي اليوم التالي، رحلت العائلة مكسورة، بينما بقيت المدينة غارقة في صمتها، كأن شيئًا لم يحدث.
قبل أيام، دخلتُ مقهى مختلطًا للمرة الأولى. تصاعد دخان النراجيل من بين أيدي النساء والرجال معًا، في مشهدٍ اعتيادي لا يثير ضجيجًا ولا فضيحة. عندها، عادت إليّ صورة تلك الفتاة التي أُدميت بالحجارة قبل سبعين عامًا.
تساءلتُ بحزن:
كم احتاج المجتمع من الزمن، ومن الصراع الصامت، ومن التحولات العميقة، كي يكتشف أن المرأة ليست تهديدًا للأخلاق، بل مرآة لتحضّر المجتمع نفسه؟
وربما، يا للمفارقة، كانت بعض الجالسات في ذلك المقهى من حفيدات أولئك الذين رشقوا الفتاة بالحجارة يومًا ما.
فالمجتمعات، كما أشار ميشيل فوكو، لا تُدار بالقوانين وحدها، بل بشبكاتٍ خفية من السلطة الاجتماعية تُحدّد ما يجوز وما لا يجوز، قبل أن يأتي الزمن نفسه ليعيد التفاوض على تلك الحدود.
وكأنّ المجتمع يعيد إنتاج ذاته بهدوء، على نحوٍ يشبه ما وصفه بيير بورديو، حيث تتغيّر العادات والرموز لا بالصدام دائمًا، بل حين يتحوّل المستغرَب إلى مألوف، والمحرَّم إلى جزءٍ عادي من الحياة اليومية.
هكذا تتبدّل البُنى الاجتماعية؛ لا بالعنف وحده، بل بتآكل الخوف، وتحوّل الوعي، وانتصار الحياة على الجمود. فالإنسان، في نهاية المطاف، لا يكفّ عن إعادة تعريف الحرية والكرامة ومعنى الحضور في الفضاء العام.
واخيرا ، لعلّ ما نراه اليوم لم يكن انتصارًا للمرأة على الرجل، بقدر ما هو انتصارٌ للمجتمع على خوفه القديم ،ذلك الخوف الذي جعل حجرًا صغيرًا يومًا ما ،أقوى من قلب فتاةٍ بريئة، ثم جعله الزمن نفسه مجرّد ذكرى تتلاشى وسط دخان النراجيل وضجيج الحياة.
وربما في هذا ما يذكّر بما ذهب إليه زيغمونت باومان حين رأى أن المجتمعات لا تهدم تقاليدها دفعةً واحدة، بل تذيبها ببطء داخل تحوّلات الحياة اليومية، حتى يغدو ما كان محرّمًا بالأمس جزءًا اعتياديًا من المشهد الإنساني.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة


المزيد.....




- العراق: من هي الطفلة “كوثر بشار الحسيجاوي” التي احتفلت عائلت ...
- “إبستين عمان”.. القبض على طبيب اعتدى جنسيًا على 3 قصّر
- “بذريعة الشرف المزعوم!”.. احتفالات في بغداد بعد مقتل طفلة عل ...
- “رنين العبيد”.. عن تقاطع الذكورية مع الاحتلال على تصفية النس ...
- مليحة نصار.. امرأة تواجه وحدها جيشاً من المستوطنين
- إسرائيل تهاجم نيويورك تايمز لكشفها اغتصاب أسرى فلسطينيين
- أفيون وسائل التواصل الاجتماعي.. حين تُختطف الأسرة بصمت
- حرب السرديات.. كيف حاصرت شهادات الاغتصاب رواية إسرائيل؟
- كاتب أمريكي يوثق جرائم العنف الجنسي الممنهج في سجون الاحتلال ...
- المغني المغربي سعد لمجرد يمثل أمام القضاء الفرنسي بتهمة الاغ ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - مظهر محمد صالح - المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي