أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مظهر محمد صالح - بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941














المزيد.....

بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 16:49
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كانتا أثمن ما يضمّه بيتنا من مقتنيات مادية عالية القيمة: سجادتان من صناعة بلاد فارس، نادرتان في نسجهما، غاليتان في ثمنهما، تمثلان في ذاكرة والدتي أيقونة الدفء والاعتزاز في بيت أبي.
كانت والدتي، وهي تبني عالمها الصغير كسيدة لبيت من الطبقة الوسطى، تنظر إلى السجادتين بوصفهما أكثر من مجرد قطعة أثاث ،كانتا رمزًا للاستقرار والهيبة والجمال، وموضع فخرٍ لا تخفيه أمام الزائرات والقريبات.
لكن الحروب لا تعترف بذكريات البيوت الصغيرة.
مع اقتراب نذر المواجهات فيما عُرف لاحقًا بـ الحرب الأنكلو-العراقية، أو ما كان الناس يسمونه آنذاك “حرب سنّ الذبان”، بدأ والدي يستشعر الخطر مبكرًا. وكانت الحرب قد اندلعت رسميًا في الثاني من أيار عام 1941، إثر المواجهات التي بدأت قرب قاعدة الحبانية غرب بغداد، لتتحول سريعًا إلى معارك مفتوحة بين الجيش العراقي والقوات البريطانية.
كان على والدي أن يُسرع في مغادرة المدينة قبل أن تمتد نيران الحرب إلى بيوتنا الهشّة. سبقتنا والدتي مع أشقائي الصغار إلى بغداد، حيث احتموا ببيت جدتي في محلة قنبر علي، تلك المحلة البغدادية القديمة التي كانت تفتح أبوابها للفارين من الخوف والحرب.
أما والدي، فلم يكن أمامه وقت لينقذ شيئًا من البيت قبل أن تبدأ الطائرات بالقصف، سوى أن يلتقط أثمن ما فيه: السجادتين الفارسيتين. وضعهما بعناية فوق سطح الحافلة التي أقلّته قبيل انبلاج الفجر، بينما كانت السماء تضج بأزيز الرصاص والطائرات البريطانية التي راحت تقصف مواقع جيشنا على ضفاف الفرات.
سلكت الحافلة طريقًا ترابيًا طويلًا صوب العاصمة، في صباح اختلطت فيه غبرة الصحراء بخيوط الليل المنسحب وبداية نهار مرتبك بالحرب.
وحين توقفت الحافلة أخيرًا في بغداد، رفع والدي نظره إلى سطحها، فلم يجد السجادتين.

اختفتا.

لا أحد يعلم متى سقطتا، ولا في أي منعطف رملي ابتلعتهما الصحراء، تحت وطأة المطبات العنيفة والرياح المغبرة التي كانت تبتلع الطريق والحرب معًا.
وفي الوقت نفسه، كان بيتنا قد دُمّر تحت القصف. احترق الأثاث، وسقط السقف، وتحول المكان الذي احتضن طفولتنا إلى ركامٍ أسود.
لكن أكثر ما آلم والدتي، على قسوة الحرب وفقدان البيت، كان ضياع السجادتين.
بكت بيتنا، نعم… لكنها أدمعت بحرقة أكبر على تلك الأيقونة المنزلية النادرة التي ابتلعتها الصحراء، كما ابتلعت قنابل الحرب سقف بيتنا بعد الثاني من أيار 1941.
ظلت تعاتب والدي أحيانًا، وتعاتب الحرب والزمن أحيانًا أخرى، وكأن السجادتين لم تكونا مجرد متاعٍ ضائع، بل جزءًا من عمرٍ كامل انهار دفعة واحدة.
ولم نستطع تعويضهما إلا بعد سنوات طويلة، حين صار والدي شيخًا أثقلته الحياة، وفقدت الأشياء مذاقها القديم، حتى الفرح نفسه بدا متأخرًا، كأنه يصل بعد انتهاء الحكاية.
لم تكونا مجرد خيطين من صوفٍ فاخر، ولا زينةً لبيتٍ متواضع من بيوت الطبقة الوسطى في عراق الأربعينيات، بل كانتا تختصران معنى الأمان نفسه.
كانت أمي تمشي فوقهما كما تمشي امرأة فوق عمرها، تخاف عليهما من الغبار ومن عيون الزمن. وحين جاءت الحرب، لم تأخذ الجنود وحدهم، بل أخذت الأشياء الصغيرة التي يتكئ عليها البشر كي يحتملوا الحياة.
ظل أبي يتذكر قسوة الليلة التي سبقت القصف، ثم يبكي مدينة تتشقق تحت هدير الطائرات. لم يحمل ذهبًا، ولا وثائق، ولا مؤونة طويلة، بل حمل السجادتين، كأنه كان يحاول أن ينقذ ما تبقى من روح البيت.
وما أقسى أن يفقد الإنسان بيته مرتين:
مرة حين تهدمه القنابل،
ومرة حين تضيع آخر الأشياء التي كانت تمنحه رائحته.
سقطت السجادتان في الطريق الصحراوي المظلم وقتذاك، بصمتٍ يشبه سقوط الأعمار. لا أحد رآهما تهويان عن سطح الحافلة، ولا أحد التقط خيوطهما المبعثرة بين التراب والعتمة. كأن الصحراء كانت تعرف أن الحروب لا تكتفي بالمدن، بل تسرق أيضًا ذاكرة الأمهات.
وحين وصل أبي إلى بغداد، ونظر إلى سطح الحافلة الفارغ، شعر لأول مرة أن الحرب ليست أصوات مدافع فقط، بل ذلك الفراغ الصغير الذي يتركه شيءٌ نحبه حين يختفي إلى الأبد.
أما أمي، فلم تبكِ السجادتين لأنهما غاليتان، بل لأنها رأت فيهما بقايا أيامٍ كانت تظن أن العمر سيحفظها لها. كانت تبكي العالم الذي كانت ترتبه بيديها كل صباح، ثم جاء زمنٌ أعمى فبعثره في ليلة واحدة.
ومنذ ذلك اليوم، صار الحزن يسكن حديثها عن البيت القديم. كانت تتذكر لون السجاد أكثر مما تتذكر شكل الجدران، لأن البشر لا يتألمون دائمًا من خسارة الأوطان الكبيرة فحسب، بل من فقدان الأشياء الصغيرة التي كانت تجعل الوطن بيتًا.
الحروب، في حقيقتها، لا تقتل الناس فقط…
إنها تقتل النسخة البريئة منهم، تلك التي كانت تؤمن أن الأشياء الجميلة يمكن أن تدوم.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة
- الترمّل الرقمي : الوجه الخفي لانهيار الأسرة الحديثة
- أضحية في أرياف أونتاريو: ذكريات في أرض بعيدة
- السياسة المكتبية: مرارات وظيفية قبل نصف قرن



المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مظهر محمد صالح - بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941