أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مظهر محمد صالح - الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام الاحتياطي الفيدرالى














المزيد.....

الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام الاحتياطي الفيدرالى


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 00:16
المحور: مقابلات و حوارات
    


كانت ظهيرة واشنطن باردة على نحو خفيف، لكن شيئًا ما في داخلي كان يشتعل بقلق المعرفة وأنا أتسلق مع زميلين من فريق السلطة النقدية العراقية درجات مبنى مارينر إكلز
Marriner Eccles
Building
الشهير
وهو المقر الرئيس للنظام الاحتياطي الفيدرالي
،ذلك المبنى الحجري الصامت الذي يقف في قلب العاصمة الأمريكية كأنه معبدٌ حديث للمال العالمي، أو كقلعةٍ خفية تتحكم بإيقاع الدولار وأسعار الفائدة وحركة الذهب في أصقاع الأرض.

هناك، خلف الجدران الثقيلة لمقر النظام الاحتياطي الفيدرالي ،كانت تُصاغ قرارات قادرة على تحريك اقتصادات، وطمأنة أسواق، وإسقاط أخرى في هاوية الذعر.

لم يكن دخولي إلى ذلك المكان حدثًا بروتوكوليًا عابرًا.
كنت أشعر أنني أعبر حدودًا غير مرئية بين عالمين:
عالم الاقتصاد كما ندرسه في الكتب، وعالم الاقتصاد حين يصبح قدرًا يوميًا للشعوب.

كان ذلك في الأيام الأخيرة من عام 2007 ،و العالم لم يكن قد سمع ببعد الانفجار الكامل للأزمة المالية العالمية، لكن رائحة القلق كانت تتسلل بهدوء إلى الأسواق الأمريكية، كريحٍ باردة تسبق العاصفة.

وفي تلك اللحظة التاريخية، كنا على موعد مع الرجل الذي جلس يومها في قلب العاصفة المقبلة: بن بيرنانكي - Ben Bernanke رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية.

كنت أعرفه قبل اللقاء بسنوات عبر كتبه وأبحاثه ومحاضراته ، بكونه الأكاديمي القادم من جامعة برنستون وستانفورد و MIT و المتأثر بالفكر النقودي الحديث وبمدرسة -ملتن فريدمان -التي ترى أن التضخم، في جوهره الأخير، ابنٌ للنقود.

لكن المعرفة الأكاديمية شيء، والجلوس أمام رجل يحمل على كتفيه استقرار الاقتصاد العالمي شيء آخر تمامًا.

دخلنا مكتبه الواسع.
كان المكان يحمل مهابة السلطة، لكن الرجل نفسه بدا أقرب إلى أستاذ جامعي هادئ منه إلى حاكم لإمبراطورية نقدية.

تحدث بصوت منخفض، بلا استعراض، وبثقة تشبه ثقة الجرّاح الذي يعرف موضع المشرط بدقة.
كان يشرح أكثر مما يخطب، ويحلل أكثر مما يطمئن.

قال لنا إن نجاح السياسة النقدية يبدأ من القدرة على تثبيت توقعات الناس، وإن المعركة الحقيقية ضد التضخم ليست في الأرقام وحدها، بل في كسب ثقة المجتمع بأن الأسعار لن تفلت من عقالها.

كان العراق يومها يخوض معركة نقدية صعبة، والتضخم قد تجاوز في سنوات سابقة مستويات خطيرة قاربت متوسطاتها السنوية 50%.
ولهذا تحدث برنانكي بإعجاب عن أهمية تمسك البنك المركزي العراقي ببرنامج الإصلاح النقدي، والسعي لخفض التضخم إلى مستويات مستقرة تقارب 5%.

ثم التفت إليّ فجأة وسألني عن المؤشر الذي نعتمده لقياس التضخم.

أجبته بحماسة الباحث الذي يريد أن يثبت أنه تعلم الدرس جيدًا:

“نعتمد الرقم القياسي الأساس لأسعار المستهلك Core CPI، مع استبعاد المواد الغذائية شديدة التقلب، و الوقود ضمن السلة على الرغم من الاخير مدعوم بالاسعار الادارية ومستقر السعر نسبيًا.”

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال بهدوء العالم الذي يفتح نافذة جديدة في ذهن تلميذه:

“أما نحن، فننظر إلى التضخم بطريقة مختلفة قليلًا.”

ساد الصمت في الغرفة.

ثم بدأ يشرح لنا فلسفة الاحتياطي الفيدرالي في اعتماد مؤشر يسمى :

‏Core Personal Consumption Expenditures Price Index
أو ما يُعرف بـ Core PCE.وهو رقم قياسي للاسعار يركز على اسلوب الانفاق للفرد المستهلك..!

كان يتحدث ببساطة مدهشة،كأن أعقد الأفكار الاقتصادية يمكن أن تُروى بلغة إنسانية هادئة.

قال إن المستهلك لا يعيش فقط (بما يدفعه من جيبه مباشرة)، بل أيضًا (بما يُدفع عنه ) دون أن يشعر:
-كالتأمين الصحي الذي تتحمله الشركات
-وبرامج الرعاية الحكومية
-والخدمات التي لا تظهر مباشرة في فاتورة المواطن اليومية

ولهذا فإن الاحتياطي الفيدرالي يفضل النظر إلى الاقتصاد من زاوية أوسع، زاوية ترى “الإنفاق الكلي للحياة” لا مجرد أسعار السلع على رفوف المتاجر.

كنت أستمع إليه، بينما كانت الأسواق العالمية، في مكان ما خلف تلك الجدران، تتحرك ببطء نحو الهاوية.

بعد أقل من عام، انفجرت الأزمة المالية العالمية.

انهارت بنوك عريقة، وتبخر تريليونات الدولارات، وتحول الخوف إلى اللغة الرسمية للأسواق.

لكن أكثر ما أتذكره عن برنانكي ليس القرارات وحدها، بل نبرة صوته.

في زمن الذعر العالمي، كان يتحدث بهدوء غير عادي، كأن مهمته الأولى لم تكن فقط إنقاذ البنوك، بل منع الخوف من ابتلاع العالم.

وحين أطلق الاحتياطي الفيدرالي سياسة “التيسير الكمي”، لم تكن مجرد عملية ضخ سيولة أو شراء سندات، بل كانت محاولة لإعادة بث النبض في شرايين اقتصاد متجمد.

كان يقول للأسواق، بطريقة غير مباشرة:

“لدينا أدوات… وسنمنع الانهيار.”

وربما لهذا السبب بدا الرجل، بعد سنوات، وكأنه يعود بهدوء إلى عالمه الأكاديمي في معهد بروكنز للابحاث بعدما أدى واحدة من أعقد المهام في التاريخ المالي الحديث، قبل أن يتوج لاحقًا بـ جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية في العام 2022 لابتكاره ادوات التيسر الكمي في سياسة الاحتياطي الفيدرالي،التي اسهمت في تجاوز الازمة المالية العالمية .
واليوم، بعد ما يقارب عقدين من تلك الظهيرة البعيدة في واشنطن، ما زلت أستعيد ذلك المشهد كلما اضطرب العالم، واهتزت الأسواق، وارتفعت خرائط القلق في منطقتنا.

أتذكر الرجل الهادئ الذي كان يرى العاصفة قبل الجميع.

وأتساءل بصوت داخلي لا يسمعه أحد:

كيف ستعبر سياستنا النقدية العراقية صدمة هرمز الجديدة..؟.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام
- من سرق رخامنا؟
- نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية
- المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة


المزيد.....




- هل حوّلت الأزمة التونسية المؤسسة العسكرية إلى ورقة صراع سياس ...
- 71 منهم تُوفوا وهم ينتظرون.. إغلاق المعابر يحرم آلاف الغزيين ...
- أوراق هافانا.. 4 ملفات قد تستخدمها كوبا لمواجهة أمريكا
- ترمب يفقد ثلث فريقه.. استقالة غابارد تُعمق نزيف المناصب الرف ...
- هوليود في قبضة البنتاغون.. كيف تُهندَس عقول المشاهدين بالترف ...
- -إيغاد- تفتتح أول مكتب لها في الخرطوم
- الولايات المتحدة تلوح بتقليص انتشارها العسكري في أوروبا
- الجيش الإسرائيلي ينذر بإخلاء مبنيين في مدينة صور اللبنانية
- ترامب يتحدث مجدداً حول غيابه عن زفاف نجله.. ماذا قال؟
- بريطانيا: الأمير السابق أندرو يواجه تحقيقًا قد يشمل مزاعم سو ...


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مظهر محمد صالح - الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام الاحتياطي الفيدرالى