أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - من سرق رخامنا؟














المزيد.....

من سرق رخامنا؟


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 20:48
المحور: قضايا ثقافية
    


دارَ صراعٌ فكريٌّ مزدحمٌ في ردهات البحث، حيث تُصنع السياسة النقدية في قلب بغداد. كان الماركسيون، من خرّيجي الجامعات البريطانية، يجادلون الليبراليين، من خرّيجي جامعاتنا العراقية، في نقاشٍ امتدّ تاريخه بين خمسينيات القرن الماضي وسبعينياته، وكان محور الجدل يدور حول مفهوم “السلعة العامة- (Public Good)" تلك المنفعة التي خُلقت للناس جميعًا، فلا يُقصى عنها أحد، ولا ينتقص انتفاعُ فردٍ منها من حق الآخرين فيها، كالأمن والجسور والحدائق والإنارة العامة. وكان اسم بول ساملسون Paul Samuelson يتردد كثيرًا بوصفه أحد أبرز من نظّر لهذا المفهوم في الاقتصاد الحديث، حين رأى أن الدولة لا تُقاس بثروتها وحدها، بل بقدرتها على حماية ما يخص الجميع.

لكن السؤال الذي ظلّ يطفو فوق كل ذلك الجدل كان أكثر قسوةً من النظريات نفسها:
هل كان الناس بحاجة فعلًا إلى ذلك البذخ الحضاري الذي مثّلته السلالم الكهربائية في نفق ساحة التحرير في سبعينيات القرن الماضي؟

ذلك النفق الذي شُيّد بوصفه علامةً على بغداد الحديثة ،تحيط به المحال التجارية في تشكيلٍ دائري أنيق، وتعلوه تفاصيل معمارية آسرة، حتى غدت جدرانه وأعمدته مكسوّة بالرخام الإيطالي اللامع، وكأن المدينة كانت تريد أن تمنح مواطنيها شيئًا من كرامة المدن الكبرى وجمالها.
كان الماركسيون يرون في ذلك انتصارًا لفكرة الحق العام .
فالجمال، في نظرهم، ليس امتيازًا للأغنياء وحدهم، بل حقٌّ للناس جميعًا. وكانوا يستعيدون أفكار كارل ماركس Karl Marx ، عن اغتراب الإنسان حين تُنتزع منه ثروته المشتركة، ويتحوّل نتاج المجتمع إلى ملكيةٍ خاصة للقلة. أما الليبراليون فكانوا يعدّون الأمر ترفًا لا ينسجم مع اقتصادٍ مثقلٍ بالفقر والتفاوت، ويرون أن الدولة ينبغي أن تنفق على الضرورات لا على الرخام والسلالم المتحركة.

ثم مرّت السنوات، وتعاقبت الحروب، وانطفأت الكهرباء، وتعطلت السلالم، وتهالكت منظومات الصيانة، ودخل العراق زمن الحصار الطويل كحرب خرساء ،ذلك الزمن الذي لم يحطم الاقتصاد وحده، بل حطم معه المعنى نفسه، حتى غدت “السلعة العامة” كائنًا يتيمًا لا يجد من يحميه.

وبقي الرخام وحده.
يلمع بصمتٍ حزين في نفقٍ خاوٍ، يعكس بياضه على واجهات محالّ فارغة، كأنما يحاول أن يتذكر بغداد التي كانت هنا يومًا.

إلى أن أفاقت المدينة ذات صباحٍ على همسٍ ثقيل يدور في دوائرنا البحثية:
لقد اختفى الرخام.

اختفى الرخام الإيطالي الذي كان يزيّن نفق ساحة التحرير، واستُبدل بحجارةٍ باهتةٍ كئيبة اللون، أفقدت المكان آخر ما تبقّى فيه من ذاكرة الجمال. وقف الجميع مذهولين ،الماركسيون والليبراليون معًا، وقد سقطت فجأة كل المسافات الفكرية بينهم أمام حقيقةٍ جارحة:
لقد هُرّب رخام “السلعة العامة” ليُكمل زينة أحد القصور.

وهكذا تحوّل ما صُنع للناس جميعًا إلى ملكيةٍ خاصة لفردٍ واحد.

ولم تتوقف الحكاية عند النفق. فبعد أيامٍ قليلة جُرّد واحدٌ من أكبر المباني الحكومية المغلفة بالرخام الإيطالي نفسه، ليُستبدل بصخورٍ قاتمة تبعث على الكآبة، بينما كانت الهمسات الخائفة تتناقل الحقيقة ذاتها:
رخام الدولة التحق برخام النفق، واستقر هناك… في القصور ذاتها.

عندها فقط بدا وكأن بغداد تستعيد تحذيرات الفلاسفة جميعًا دفعةً واحدة. في وقت كان جان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau يرى أن خراب العدالة يبدأ حين يُستولى على ما هو مشترك بين الناس، لأن العقد الاجتماعي نفسه يقوم على صيانة الحق العام لا اغتصابه.اما هانا ارندت Hannah Arendt فكانت ترى أن خراب المجال العام يبدأ حين تتحول الأشياء التي تجمع الناس إلى أدواتٍ للهيمنة والامتياز، وعندها لا تفقد المدن جمالها فحسب ، بل تفقد قدرتها على أن تكون وطنًا للجميع. وعندها فأن انهيار المجال العام يعني تراجع السياسة نفسها وتحولها إلى هيمنة أو خوف.
وهكذا لم يكن الرخام المسروق مجرد حجرٍ ابيض غادر جدارًا إلى جدار، بل كان قطعةً من ذاكرة المدينة وهي تُقتلع بصمت ،كان إعلانًا موجعًا عن تحوّل “السلعة العامة” من حقٍّ مشترك إلى غنيمة، ومن جمالٍ يخص الناس إلى زينةٍ تخص السلطة. وأن خراب الدولة يبدأ حين تتحول الشؤون العامة إلى أدوات بيد السلطة أو الخوف.

ويبقى السؤال، بعد كل هذه السنوات:
متى يعود رخامُ الناس إلى الناس؟
ومتى تستعيد الدولة معنى المنفعة العامة قبل أن تفقد حتى ذاكرتها؟



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية
- المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين
- إشكالية الدولة الريعية في العراق والتحول نحو اقتصاد السوق ال ...
- القوطية: من لاهوت الحجر إلى قلق الإنسان
- حين يشتعل الثلج على خط الاستواء
- وردة البابونك: ربيع الروح وسكينة الأرض
- رواية Z: درس في تاريخ نضال الطبقة الوسطى ضد الهيمنة الثقافية ...
- ما لا تقوله الحروب… تقوله دموع الأمهات
- في العراق ..لا يُشرب الشاي… بل يُعاش
- فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب
- زمنٌ مثقل بالحرب: فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطربة
- النفط ونقطة التعادل المالي في ظل الجغرافيا السياسية المضطرب
- دمعة زهراء: طفولة الحصار التي صنعت طبيبة


المزيد.....




- حوّله إلى جمر مشتعل.. حريق -هانغيت- يلتهم جسراً كاملاً ومنشآ ...
- نتنياهو يعلن السيطرة على 60% من قطاع غزة متجاوزًا حدود اتفاق ...
- إيران تحشد -دلافين الخليج- في هرمز.. ماذا نعرف عن غواصات -غد ...
- أبو شادي في بلا قيود: لا حل أمام واشنطن وطهران سوى التفاوض
- باش صوتك يوصل وكلمتك تكون مسموعة
- بين الحراك وترقب خطاب الملك.. ما حل الفجوة بين الشارع وحكومة ...
- الطريق نحو العرش بالمغرب.. كيف يُعدُّ ولي العهد لتولي مقاليد ...
- -مأساة كبرى-.. 40 بالمئة من السودانيين يعانون من الجوع الشدي ...
- لماذا يحاول أبو مازن فرض ابنه ياسر عباس داخل حركة فتح الفلسط ...
- يورانيوم إيران.. بين -تصفير التخصيب- و-تصفير التخزين-


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - من سرق رخامنا؟