زيد نائل العدوان
كاتب
(Zaid Aladwan)
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 21:05
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
من قديم الزمان، وفي مختلف الأمكنة والحضارات، كانت المجتمعات عادةً ما تقوم على أسس مختلفة ومتعددة ومتباينة؛ بحيث تتابين هذه الأسس والقيم بناءً على العوامل الطبيعية/ الاقتصادية/ الاجتماعية التي ترافق تكون المجتمع ذاته.
وهذا المجتمع كثيرًا ما يكون في غالب الأحيان قائم على تصور منحه الإنسان لنفسه؛ أي قيمة أعطاها الإنسان لنفسه كي يستطيع أن يعيش في هذا المجتمع، فمثلًا، في الحضارات القديمة، كانت قيمة الإنسان من الناحية الاقتصادية تكمن في كونه فلاحًا أو صاحب أرض، من هذه الأرض يقتات ويعيش ويجني دخله، وكونه صاحب أرض أثر عليه وعلى نظرته لنفسه؛ بحيث قام باختراع "قوانين" تضمن عدم تعرض الآخرين له بخصوص أرضه وعدم تعرضه للآخرين في الوقت ذاته.
وليس هذا فقط، بل كذلك يمكن القول أن قيمة الإنسان القديم كانت موجودة بوصفه أبًا/ زوجًا/ عضوًا سياسيًا في المجتمع -والتي بالمناسبة ما زال الإنسان يحتفظ بهذه الأوصاف في العصر الحديث-، هذه الأوصاف كلها أعطت للإنسان قيمة معينة في المجتمع، بناءً عليها يتصرف هو داخل هذا المجتمع، وبناء عليها كذلك يتصرف المجتمع تجاهه بطريقة معينة، فلو كان مثلًا مجرم ستختلف حقوقه وواجباته مع المجتمع عن كونه ملكًا أو أميرًا، وهكذا، فإن هذه العلاقة التبادلية وُجِدَت من خلال قانون ينظمها ويصنفها ويؤسس دعاماتها المختلفة.
إذًا، فالقانون، منذ قديم الزمان، هو من كان يقوم بتنظيم هذه المجتمعات، فهو الأساس الذي قامت عليه المجتمعات، سواء أكان قانونًا اقتصاديًا أم اجتماعيًا أم دينيًا، وسواء أكان مكتوبًا أو عرفيًا؛ ذلك أن كل فرد بالمجتمع احتاج لحقوق وواجبات معينة، وهذا ما كان يعمل القانون عليه، إذ من خلال القانون كان يضمن الفرد حقوقه ويلتزم بواجباته أمام الغير.
وهذا ما أكده علماء الأنسنة القانونية (الأنثربولوجيا القانونية)، ففي كتبهم المختلفة، نراهم يذكرون أنه من خلال الحقوق والواجبات، قام المجتمع على إعطاء الإنسان معنى للحياة البشرية التي من حوله؛ فكانت هذه الحقوق مقدسة وغير قابلة للتلاعب؛ لإن التلاعب بها أو حذفها أو تهميشها تعني تهميش ذات الإنسان؛ لارتباط ذات الإنسان بهذه الحقوق والواجبات.
إلا أنه، ورغم ذلك، فإن دراسة هذا الجانب من الإنسان لا يقتضي دراسة الحقوق والواجبات بحد ذاتها؛ أي لا يقتضي دراسة التشريعات القديمة الموجودة في الحضارات القديمة مثل شريعة حمورابي دراسة تأخذ الإنسان بوصفه حقًا/ واجبًا، وتتعامل معه بوصفه ذاتًا قانونية لها ما لها وعليها ما عليها.
بل للوصول إلى مكانة القانون في الحضارات القديمة ولتفكيكه تفكيكًا منهجيًا وللتعامل معه بمنهج عقلاني واضح، يجب أن نقوم بدارسة الإنسان من الناحية العلمية؛ أي إخضاعه لمنهج العلوم الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، فندرسه بوصفه كائنًا ذو نزعة مالية، وهذا هو علم الاقتصاد، وندرسه بوصفه كائنًا ذو نزعة للحروب والاحتلال والتوسع السياسي، وهذا هو علم السياسة، وندرسه بوصفه كائنًا يتمتع بعلاقات اجتماعية مع الآخرين، وهذا هو جوهر علم الاجتماع.
كل هذه الأمور ندرسها في الإنسان ونخضعها له لكي نستطيع فهمه قانونيًا؛ لإن القانون مرتبط بكل هذه العوامل المختلفة والمتعددة، فمن يدرس القانون يعلم أنه مرتبط بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والجريمة والزواج والمعاملات المالية...الخ من جوانب الإنسان المختلفة.
ونسمي دراسة الجانب القانوني في الإنسان بالجانب الذاتي؛ ذلك أننا نتناول الإنسان نفسه كظاهرة لها حقوق وعليها التزامات في تعاملها مع الغير، بينما إذ درسنا الإنسان بوصفه شيئًا ماليًا/ سياسيًا/ تاريخيًا، فنحن ندرسه من الجانب الموضوعي؛ من ناحية كونه متعلقًا بأشياء وليس بذاته.
ولكن، هذين الجانبين والذين هما الجانب الموضوعي والذاتي؛ مرتبطين أيما ارتباط بالإنسان، فالإنسان لا يمكن التفريق بين جوانبه الذاتية وجوانبه الموضوعية؛ ذلك أن الجانب الذاتي ينشأ عنه الموضوعي، فمثلًا، الحقوق التي يكتسبها الإنسان في الأمور المالية، والتي يعطيه القانون/ المجتمع إياها، ستحدد كون الإنسان "شيئًا ماليًا" وستحدد تعاملات الإنسان المالية في المستقبل، وهذا ينسحب لباقي الأمور المختلفة.
ومن الممكن أن نستخرج من خلال الاطلاع على تاريخ القانون؛ أن الإنسان كائن مفكر ذو قدرة على التحليل والاستنتاج والربط؛ فمن خلال التشريع، يعمل الإنسان على تنظيم حقوق الأفراد والجماعات كما يعمل على توضيح مراكز كل "فرد" في المجتمع المعني الذي يُنظَم بالقانون، وهذه الخاصية تميز الإنسان عن غيره من الكائنات، وتجعل له خطًا واضحًا من السمات والخصائص، منها مثلًا:
1. أن الإنسان كائنٌ اجتماعي: فمن خلال رؤيتنا للتشريعات والقوانين القديمة، ندرك أن هنالك ما يسمى بالآخر في القانون؛ وهو الفرد الآخر الذي ينظم مركزه القانوني عند تنظيم المركز القانوني للفرد نفسه؛ بمعنى، لو تعامل الشخص (س) مع (ص) ماليًا، فقام بشراء بضاعة منه، فإن (س) هو مدين لـ(ص)، فالقاعدة التي سمحت لـ(س) بأن يكون مدينًا؛ أي نظمت المركز القانوني للفرد ذاته، جعلت بالوقت نفسه (ص) دائنًا، وبالتالي هي نظمت علاقة الفرد ومكانته وبالوقت ذاته وفي نفس السياق نظمت علاقة الآخر أثناء تعامله مع الفرد؛ ولذلك، فالقانون ينظم المركز للقانوني للفرد/ الآخر في السياق ذاته، فنتوصل إلى أن القانون أداة اجتماعية، وأن الإنسان اجتماعي.
2. أن الإنسان كائن منظم وتحليلي: فمن خلال تصفح التشريعات القديمة، نكتشف أن الإنسان كائن يحب التصنيف والتنظيم والتمييز بين الآخرين باختلافات؛ وهذا التمييز والتصنيف ليس لغايات عنصرية أو تمييزية، بقدر ما هو لتنظيم مركز الإنسان بين الآخرين، فمثلًا، عندما تنص القوانين الجزائية على منح بعض الحقوق للمجرمين؛ فليس غرضها من ذلك أن تميز بين المجرمين وغيرها تمييزًا ينطوي على تفرقة عنصرية؛ بل الغرض من ذلك هو تصنيف البشر وفق ما قاموا بفعله وارتكابه؛ بغية وضعهم في فئات لسهولة معرفة حقوقهم والتزاماتهم.
3. أن الإنسان يميل بطبعه لمعرفة الغير والذات من خلال "الحقوق/ الالتزامات": فالبشري أو الإنسي شخص يعيش في مجتمعات كبيرة، وهو كي يعرف الآخر يقوم بإلصاق عدة حقوق والتزامات له، هذه الحقوق والالتزامات تجعله يعرفه بمنصب معين، فمثلًا، من يملك حق تسيير أمور الجماعة قديمًا وحق إعلان الحروب ومن عليه التزام حماية المدينة...الخ من الالتزامات الأخرى هو تلقائيًا يُعرَف بـ(الحاكم)؛ وهكذا فالحاكم عرفه الإنسان القديم من خلال الالتزامات والحقوق التي كان يمارسها، وذات الأمر يُطبَق على الحداد والنجار والعسكري والمعلم؛ فكلٌ لديه حقوقه والتزاماته المختلفة التي تعرف الجماعة به وتعرف ذاته بين الجماعة وبين نفسه.
وينبغي القول، أن الغلو في النظرة إلى الإنسان كـ(شيء) جعلت القانون يعامل الإنسان كـ(شيء) ، فلو لمحنا معظم القوانين، لرأينا أنه يوجد قوانين تنحو نحو اعتبار الإنسان كشيء، مثل القوانين المدنية، والتي تجعل الإنسان شيئًا ذو مركز مادي دون النظر إلى حالته النفسية والشخصية، فالإنسان بالنسبة للقانون المدني هو عبارة عن (دائن/ مدين) أو بالأحرى عبارة عن (ذمة مالية يترصد لها أو عليها التزامات)، هذه النظرة تجعل القوانين تتطرف في اعتبار الإنسان شيء فيصير يخضع لأمور غير منطقية، من مثل حبس المدين، فالحبس كان بالقانون الروماني عندما كان يُنظَر للإنسان بوصفه شيئًا لا إنسانًا له ذاتيته الخاصة وكينونته ونفسيته المختلفة.
وهذا على عكس بعض العلوم التي تنظر للإنسان بوصفه ذاته التي له شخصيته الخاصة وكينونته المستقلة، مثل العلاج السلوكي المعرفي، والذي ينظر للإنسان بوصفه ذاتًا وشخصًا له مشاعر وكينونة، على عكس القانون.
#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)
Zaid_Aladwan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟