زيد نائل العدوان
الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 10:03
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
كان ولا يزال الفكر الديني منذ أقدم الأزمان وحتى الآن من أعقد أنواع الفكر التي حيرت كافة العقول البشرية حتى الآن، كما كانت المواضيع الدينية من أكثر المواضيع البشرية والإنسانية إثارةً للجدل؛ بحيث تختلف الآراء في هذه المسألة وتتعدد الفرق التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
ولكن، وبين كل القضايا والمسائل الدينية، هنالك مسألة أريد أن أتعرض لها وهي مسألة (الفكر الديني) أو ما يسمى بـ(العقلية الدينية)، وهي مسألة في غاية الأهمية؛ لإنه يترتب عليها كافة المسائل الدينية الأخرى في تخصص علم الأديان بنظري.
وها هنا، أنا لا أبحث في العقلية الدينية من حيث ذاتها؛ أي لا أبحث في العلوم الدينية نفسها كعلم الفقه الإسلامي أو علم اللاهوت المسيحي...الخ من العلوم الدينية في الحضارات المختلفة، بل ما أبحث به هو في صميم نقد الفكر الديني، كما فعل فيورباخ وأمثاله من الفلاسفة المختلفين.
وهذه المسألة تعد في غاية الأهمية بنظري؛ ذاك أنه كما أسلفت يترتب عليها مختلف المسائل، فالفكر الديني يندرج تحته قضايا كثيرة من مثل التعامل مع النصوص الدينية أو اليقين الديني لدى المؤمنين أو السلطة الدينية وصلاحياتها...الخ من المسائل المثارة في النقد الديني.
ولذلك، سأعرض لهذه المسائل نقطة نقطة، موضحًا تعريفها وأهميتها ووجه النقد الذي يوجه لها، ولنبتدأ مع أول قضية، وهي قضية الفهم الدوغمائي للنصوص الدينية
بحيث أنه من المعروف أن النص الديني يشكل أهمية كبيرة لدى أتباع أي دين؛ بحيث يعتقد المتدين أن نصه الديني مطلق الصحة والصلاحية، وأن كل ما أتى به صحيح، ويفترض فهمًا معينًا لهذا النص، دون محاولة تحديث هذا الفهم بتاتًا؛ حتى أنه لتمر القرون على التفسيرات التي فُسِرَ بها النص الديني دون محاولة تحديث لهذا النص، إذ سيتهم المتدين أي شخص يحاول أن يقدم تفسير جديد لنصه الديني بأنه عبارة عن نوع من الخروج على التعاليم الدينية المستوجبة للعقاب الديني.
وفي هذا نوجه نقد للمتدينين الذين يعتقدون صلاحية نصهم الديني وصحته، فأقول لهم أنه ما الذي يجعلكم تصدقون أن نصكم الديني صحيح والنصوص الدينية الأخرى خاطئة؛ هل لمجرد أن رجال الدين الخاصين بطائفتكم يقولون ذلك فتصير أقوالهم صحيحة؟ أليس من الواجب على الإنسان أن يستعمل عقله وفهمه الواضح لفهم النص الديني بشكل منهجي، هذا أولًا.
ثانيًا، ما الذي يجعلكم أيها المتدينون تصدقون أن القصص التي وردت في نصوصكم الدينية صحيحة وغير خاطئة، إن قلتم أن العلم يثبتها قلنا أن العلم لا يتعامل مع الأمور الميتافيزيقية والماورائية ولا يثبتها بأي صور من الصور؛ ذلك أن العلم نطاقه التجربة والملاحظة وليس الماورائيات القائمة على التأويل والغموض، إذ كيف تتأكدون من أن قصصكم الواردة في نصوصكم الدينية المقدسة قد حدثت فعلًا مع أن أحدكم لم يراها ولم يشاهدها، ومع العلم أن العلم يثبت استحالة وقوع مثل هذه الأمور؟!
أيضًا، إن قلتم أن من قاموا بتفسير نصوص الدين عندهم معرفة كبيرة وعميقة بالنص الديني، قلنا: وما يمنع أن يكون للأشخاص المعاصرين فهمًا عميقًا للنصوص الدينية كذلك؟! إذ بالعكس، من الممكن أن يكون للأشخاص المعاصرين فهمًا أعمق للنصوص الدينية، ذلك أن الإنسان في العصر الحديث تقدم فهمه بكافة المجالات وتطور تفكيره بشكل واضح، فيصبح قادرًا على فهم كافة القضايا العلمية والإنسانية والميتافيزيقية بشكل أفضل.
وكذلك، فإن رجال الدين القدماء هم بشر مثلنا مثلهم، يخطؤون ويصيبون، فلماذا نعتبر أقوالهم ذات عصمة ومن الممنوع انتقادها أو الاقتراب منها؟!، ولماذا لا يتم وضع نصوصهم في ميزان النقد والتساؤل؟!، إن ما يقوم به بعض المتدينين في العصر الحديث هو أمرٌ غير منطقي، إذ لا يُعقَل أن نعتمد على أفهام وإدراك رجال عاشوا بالعصور القديمة لفهم النص الديني ومحاولة تفسيره.
ومن ثم، إن قال بعض المتدينين أن رجال الدين القدماء كان معاصرين للنص الديني حين وجوده، وبالتالي فإنهم يفهمون الظروف التي أتى بها النص الديني فيكون تفسيرهم دقيق لهذا النص، نقول ردًا عليهم، أنه إن كان الأمر كذلك، وإن كان النص الديني واضحًا بالنسبة لهم، فلما اختلفوا في فهم النص الديني؟! ولماذا ظهرت الفرق والمذاهب الدينية المختلفة والآراء والاجتهادات المتعددة المتباينة في تفسير النص الديني؟!، فعليًا، لو كانت النصوص الدينية واضحة للقدماء في الأزمان الغابرة، لِما كانت قد اختلفت تفسيراتهم لهذه النصوص.
ومن النقاط التي يثيرها رجال الدين وبعض المتدينين كذلك بخصوص النصوص الدينية، هي أن هذه التفسيرات جزءٌ من النص لا يمكن فصلها عنه؛ ولا يمكن فهم النص بدونها، فعليًا، أرد على هذه النقطة بقولي أن النصوص الدينية لمن قرأها واضحة وليست بحاجة إلى تفسير إلا بأضيق الحالات، إلا أن بعضًا من المتدينين عقدوا التفاسير وأضافوا أشياء كثيرة للتفاسير ليست موجودة بالنص الأصلي؛ اعتقادًا منهم أن هذه الأشياء مرتبطة بهذا النص، وهي بالحقيقة تكون من أبعد الأمور عنها.
هذا غير أن هذه التفاسير غالبًا ما تكون مختلفة ومتباينة الآراء، فإن كان الأمر كذلك فأي التفسير هو أصح؟! وأي التفاسير تمثل حقيقة النص الديني؟! فإذ كان المتدينون أنفسهم لا يعتمدون تفسير موحد فيما بينهم، فهل يعتقدون أن الآخرين سيصدقونهم عندما يكشفوا تناقضهم وتهاترهم فيما بينهم.
وبالطبع، فإن هذه التفاسير تسبب خلافًا كبيرًا فيما بين المتدينين أنفسهم، فهم يختلفون حول حقيقة النص الديني وطريقة تفسيره، وهذا بحد ذاته أكبر طعن بخصوص فهمهم لهذه النصوص، فإن كانت النصوص الدينية واضحة، وإن كانت النصوص الدينية بيّنة وجلية للأفهام كما يدعون، فلماذا يختلفون حولها؟!
وبالتأكيد، فإن هنالك الكثير من النصوص الدينية التي تدعو لما يخالف روح التسامح والتعاون بين البشر، فنجد أن كثيرًا من النصوص الدينية تتحدث عن إقصاء الآخر أو إيذائه أو اعتباره بمرتبة أدنى من الإنسانية، وأظن أني لست بحاجة إلى أمثلة لتوضيح ذلك، فهذه النصوص واضحة موجودة في كتب كل فرقة من الفرق الدينية المتطرفة، وهذا بحد ذاته خطير ولا يمكن التهاون بشأنه.
وفي هذا أوجه نقد لهذه الفرق فأقول أنه لماذا تعتبرون الأشخاص الآخرين لمجرد تباينهم معكم في العقيدة أشخاصًا منبوذين وأدنى منكم مرتبة؟! أليس هذا مخالف لقيم الإنسانية والمساواة مع الآخر؟!، أليس أنتم يا من تدعون أن مذهبكم عادل ويجلب للبشرية الرخاء تقومون بالتفرقة بين بني الإنس بصورة واضحة؟! فكيف ستحققون العدالة إذا كان مذهبكم يقوم بالتفرقة بين الآخرين؟، إن هذه بعض الأسئلة النقدية التي توجه لهذه المذاهب ولبعض هؤلاء المتدينين، والتي حتى الآن لم أجد جوابًا منطقيًا عليها.
أيضًا، من الممكن أن نقول أن هذه النصوص الدينية تختلف من فرقة ومذهب لآخر، فكثير من المذاهب في بعض الديانات تدعي أن نصها الديني هو النص الحقيقي بينما النصوص الدينية للطوائف الأخرى مزيفة وغير صحيحة، فإن كان الأمر كذلك، على ماذا اعتمد رجال الدين في التأكيد بأن هذا النص الديني صحيح؟ فعليًا، سيقول رجال الدين أن هنالك سلسلة من الرجال الموثوقين الذين نقلوا لهم هذه الروايات الدينية.
لكن، النقد الذي يوجه لهم هو أن موثوقية هؤلاء الرجال قائمة على موافقة معتقداتهم لأتباع مذهب معين، يعني، لإن هؤلاء الرجال "الموثوقين" يعتقدون بـ(س) بينما الآخرين يعتقدون بـ(ص)، صارت أقوالهم موثوقة بينما أقوال (ص) غير موثوقة، وهذا يعد من أغرب ما سمعتُ ورأيتُ، إذ أن الموثوقية لا علاقة لها بمعتقد الإنسان، فكثيرًا ما تجد أشخاصًا معتقدهم يوافق معتقدك لكنهم غير صادقين، وقد تجد الكثير من الأشخاص معتقدهم يخالف معتقدك لكنهم صادقين معك، فلا ينفع إذًا اعتماد (المعتقد) كمعيار للصدق والموثوقية.
وبالتالي، نصل لنتيجة في ختام هذا المقال أن بعض المتدينين يجب أن ينظروا في فهمهم للنص الديني مرة أخرى، ويجب عليهم أن يقوموا بالرد على الإشكالات المثارة حول هذه النصوص، كما ينبغي عليهم أن يفهموا أن النصوص الدينية يجب أن يتم وضعها في ميزان النقد والتساؤل، كي يستطاع التأكد من صحة هذا النص الديني دون أحكام مسبقة ومتحيزة.
#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟