زيد نائل العدوان
الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 23:23
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
مع ظهور التخصصات الأكاديمية الحديثة، وانتشار تدريس التخصصات الإنسانية في الجامعات، برز تخصص القانون كإحدى أبرز التخصصات الإنسانية، وبرز مع هذا الأمر البحث العلمي الذي يعد أساس تطوير النظريات والأفكار القانونية، والتي تُستَعمل في تشريع القوانين والأنظمة.
فلو أتينا لتعريف البحث العلمي القانوني، لقلنا أنه عبارة عن مجموعة من الطرق والأساليب والمناهج التي تُتَبَع للوصول إلى نتيجة معينة كانت مجهولة لنا قبل البحث، وأصبحت معلومة بعده؛ وذلك في مجال القانون.
بمعنى، أن هذه الطرق عبارة عن تمحيص وتدقيق وتناول واستكشاف، وذلك لكي نصل إلى هدف ما، مثل أن يقوم شخص على سبيل المثال بالبحث في شركة المحاصة، فيدقق في بطون الكتب وينبش ويبحث في القرارات القضائية وغيرها من الأمور، وذلك حتى يصل إلى نتيجة مفادها أن شركة المحاصة يجب أن يُخصَص لها قانون مستقل، فهذه النتيجة كان يجهلها هذا الشخص الباحث قبل بحثه، وأصبح بعد بحثه يعلمها بالضرورة.
وهذا البحث تحقيق؛ بمعنى أنه لا يُسلَم بأي نتيجة تكون موجودة أمامه، إلا بعد الاستقصاء والتأكد منها 100%؛ بحيث يتأكد منها بالوسائل العلمية المتاحة، فمثلًا، لو كان البعض يقول أن الدواء الفلاني مضر ويجب سحبه من الأسواق، حينها يأتي الباحث ويجري أبحاثه على الأدوية ويتوصل مثلًا إلى أن آثارها الجانبية خفيفة وأن ليس لها أضرار، فيوصي بأن لا يتم سحبها من الأسواق، فهذا البحث يعد بمثابة تحقيق.
وهو "منهجي"؛ بمعنى أنه يتبع طريقة معينة بخطوات معينة مرتبة؛ وذلك لكي يصل لها، فمثلًا، لو افترضنا أن هناك بحث حول شركة المحاصة، فبدايةً يجب على الباحث أن يرى ما هي شركة المحاصة، ثم يدرج إلى تعريفها، ثم إلى خصائصها فمميزاتها فالنصوص التي تتناولها في القانون، وذلك لكي يستطيع فهمها، فإذ فهمها فهمًا بدائيًا حينها يتناول النصوص التي تتحدث عنها بعين المتأمل، ثم بعين الناقد، ثم بعين الكاتب والباحث؛ فيتوصل بذلك لنتائج معينة يوصي بها في فقرة الخاتمة والتوصيات، فيكون بذلك قد أشبعها بحثًا بطريقة منهجية ومرتبة لا عشوائية متخبطة.
وهذا البحث يكون لزيادة المعارف الإنسانية؛ بمعنى أن النتائج التي يصل إليها هذا البحث تكون غير معروفة قبل إجراء البحث، لكنها تصير معروفة بعده، فبالتالي، يكون الباحث قد أضاف لمخزون المعرفة الإنسانية رصيدًا يساهم به في تنمية الجنس البشري وتطويره.
وليس كل الأبحاث يكون بها زيادة المعارف الإنسانية، فإن بعض الأبحاث تكون مجرد ترتيب وتصنيف لمعرفة سابقة، مثال ذلك الأبحاث الوصفية التي تصف ظاهرة معينة دون الأخذ في تحليلها/ انتقادها/ تجزئتها بشكل تأملي، كبحث عنوانه "شركة المحاصة في التشريع..."، فالباحث ها هنا لا يعمل على تناول مشاكل شركة المحاصة في التشريع المقصود، ولا يعمل على انتقاد الأمور الخاطئة والتشريعات الغير صحيحة بخصوص شركة المحاصة، بل فقط يسرد تعريفها وخصائصها والنصوص التي تناولتها فلا يضيف للمعرفة الإنسانية شيئًا مهمًا.
ثم بعد ذلك، يكون البحث العلمي عبارة عن عملية؛ أي لها خطوات منهجية ولها أسلوب معين يمشى به حتى يتم الوصول إلى الحقيقة، فبالتالي هي عبارة عن منهج، وتكون الخطوات كالتالي في هذا المنهج:
1. تحديد الموضوع العام: فبدايةً، يجب على الباحث أن يتصفح قائمة المواضيع التي يمكن الكتابة عنها، مختارًا منها موضوع معين يلفت انتباهه ويطلق طاقاته الإبداعية.
2. تحديد الموضوع الخاص: فبعد اختيار المظلة الواسعة، يتم اختيار موضوع خاص من بين المواضيع العامة، وذلك ليتم الكتابة عنه، وهذا الموضوع الخاص يكون أدق وما سبق الكتابة به إلا قليلًا.
3. اختيار المشكلة: فبعد اختيار الموضوع العام والخاص، يجب على الباحث أن يضيق نطاق البحث فيعطي مشكلة معينة لم يتناولها المشرع بشكل كافي أو بشكل قاصر، ويعمل على حلها أو بيان أوجه النقد فيها.
ومثال ما قلته بالثلاثة خطوات السابقة، أن الباحث يختار موضوع تشريعات الشركات لكي يبحث فيها، ثم مثلًا يختار شركة التضامن، ثم بعد ذلك يختار موضوع أضيق ويحدد مشكلة لم يتناولها المشرع مثل المدى الزمني لمسؤولية الشركاء المتضامنين.
4. المقارنة أو التحليل: وهي مقارنة النصوص القانونية في تشريع ما بنصوص قانونية في تشريع آخر، مثال ذلك أن يقارن شخص النصوص التي تناولت شركة المحاصة في التشريع الأردني بالنصوص القانونية التي تناولت شركة المحاصة في التشريع المصري، ومن ثم يحلل هذه النصوص ويفهمها وينتقدها ويجزأها لأجزاء معقولة متناولًا كل جزء على الاستقلال، والتحليل يكون بالخطوات التالية:
أ. عرض النصوص القانونية التي تتناول الظاهرة المتناولة.
ب. تجزئة هذه النصوص القانونية.
ت. تناول عناصر كل نص بنفسه.
ث. الانتهاء من التحليل والانتقال للعنصر الثاني.
5. التوصيات والنتائج: بعد التحليل والمقارنة، يأتي دور التوصيات والنتائج؛ بحيث يقوم الباحث بعرض أهم ما توصل إليه وأهم ما يحتاجه التشريع المطروح أمامه من تعديل أو إضافة أو حذف أو غير ذلك، والتوصيات عادةً ما تكون محايدة غير متأثرة بالرأي الشخصي أو تحيزات الباحث السياسية والدينية، فإن كان كذلك كان البحث كله معيبًا لإن التوصيات بمثابة الثمرة التي إن كانت فاسدة كانت الشجرة كلها فاسدة، كما أن التوصيات يجب أن تكون صحيحة ومبنية على تفكير علمي ومرتبطة بالبحث لا منفصلة عنه؛ وذلك مثلًا كأن يكون البحث عن شركة المحاصة والنتائج عن شركة التضامن فهذا لا يجوز.
أيضًا، من الأمور المهمة بالتوصيات أن تسهم في إضافة رصيد علمي قيم للتخصص المطلوب؛ بأن تقترح شيئًا جديدًا لا مكررًا، فمثلًا، يقترح باحث إفراد قانون ما سبق لأحد أن اقترح إفراده من قبل أو يقترح حذف أو تعديل نص تشريعي ما قام أحد باقتراح تعديله أو حذفه، وهكذا دواليك... إذ يجب أن تكون التوصيات جديدة ولم يسبق أحد إليها.
ثم، من الأمور التي يجدر ذكرها، أن البحث قائم على الشك، فهو غالبًا ينبع من الاستفسار والفضول، فمن لم يكن له فضول لن يبدع في البحث؛ لإن البحث عماده أن يستكشف الباحث مواضيع مختلفة فيختار منها موضوع ثم يبدأ بالكتابة به، والاستكشاف يحتاج لفضول واسع وذهن ثاقب ونظر حاد.
ثم، الباحث يتطلب منه أن يبحث في الأنظمة والتعليمات والقرارات القضائية والقانون نفسه وآراء الفقهاء وغير ذلك؛ ليكون على دراية واطلاع بموضوعه فيكتب شيء ذا جودة وإتقان، فيضيف شيئًا قيّمًا لرصيد المعرفة البشرية.
والبحث في القانون يكون للبحث في النقاط الأساسية والعامة التي يدور حولها القانون، مثل البحث في مسؤولية الشركاء في شركة المساهمة العامة، أما البحث في الأنظمة والتعليمات فهي تكون للنقاط الصغيرة التي لا يمكن للقانون أن يحتويها ولا يفصل بها، بينما البحث في القرارات القضائية فهو يكون إما لتأكيد نقطة قانونية أو للاستطلاع حول نقطة قانونية لا يوجد لها تفصيل في الأنظمة والتعليمات والقوانين، وأخيرًا، فإن البحث في الفقه القانوني يكون لتوضيح نقطة ما وفهمها أو رؤية تفاصيلها من كافة النواحي، فالفقهاء عادةً ما يكون لديهم أسلوب جيد في الشرح والتفصيل، وهم يرفقون أساليب شرحهم بقرارات قضائية ونصوص قانونية وتوضيحات من عندهم، فيسهل على القارىء فهم القانون واستيعابه بشكل سلس ومبسط حتى وإن كان أحيانًا يغلب على أسلوبهم التعقيد وتشعب الأفكار.
والبحث القانوني يتعرض فيه الباحث إلى المبادئ الأساسية للقانون، فالقانون مهما تفرع تبقى به مبادئ أساسية تنطبق على كل التفرعات القانونية الأخرى، مثال ذلك العقد التجاري الالكتروني ينطبق عليه أركان العقد القانوني من رضا وأهلية ومحل وسبب، وكذا الأمر بالنسبة للشروط الموضوعية والشكلية للتحكيم، إذ ينطبق عليه الشروط الموضوعية والشكلية للعقد العادي التجاري.
وبالتالي، فإننا نتوصل إلى أن البحث القانوني العلمي له أهمية كبيرة في البيئة القانونية التي تحكم المحامين والقضاة وكافة المشتغلين بالأمور القانونية؛ لذلك، وجب الاهتمام بها والعمل على تطويرها وتحسينها، خصوصًا في الدول العربية؛ عملًا على زيادة التشريعات القانونية كفاءةً وموائمةً لاحتياجات العصر الحديث.
#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟