أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - زيد نائل العدوان - الاتزان النفسي في الفلسفة الرواقية














المزيد.....

الاتزان النفسي في الفلسفة الرواقية


زيد نائل العدوان
كاتب

(Zaid Aladwan)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 00:27
المحور: قضايا ثقافية
    


تُعَدّ الفلسفة الرواقية واحدة من أبرز المدارس الفكرية التي سعت إلى تحقيق الحكمة النفسية والانسجام الداخلي لدى الإنسان، من خلال التمييز الدقيق بين ما يقع ضمن قدرته وما يخرج عن نطاق سيطرته، ومن هذا المنطلق، تنبثق إشكالية إنسانية عميقة تتمثل في معاناة الفرد من القلق والاضطراب بسبب انشغاله المفرط بأمور لا يملك التحكم بها، وهو ما يؤدي إلى توتر دائم وفقدان للسكينة، فكيف يمكن للإنسان أن يحقق الاستقرار النفسي في ظل هذا التعقيد؟ وهل يكفي الإدراك العقلي لضبط النفس، أم أن هناك حاجة إلى منظومة أوسع تشمل الدين والفلسفة معًا؟
تقوم الرواقية على مبدأ أساسي مفاده أن هناك أشياء تقع تحت إرادتنا، مثل أفكارنا ورغباتنا وسلوكياتنا، وأخرى خارجة عن سيطرتنا، كالجسد والممتلكات والسمعة والمناصب، هذا التمييز ليس مجرد فكرة فلسفية، بل هو قاعدة عملية للصحة النفسية؛ إذ إن انشغال الإنسان بما لا يملك تغييره يولّد لديه الإحباط والقلق، بينما التركيز على ما يستطيع التحكم فيه يمنحه شعورًا بالراحة والاتزان ، ومن هنا تتجلى المشكلة: كثير من الناس يخلطون بين هذين المجالين، فيحملون أنفسهم أعباءً لا طاقة لهم بها، كالسعي للسيطرة على نتائج لا تتوقف عليهم وحدهم، مثل النجاح في وظيفة أو قبول اجتماعي.
ولا تقف الرواقية عند هذا الحد، بل تربط بين الأفكار والمشاعر والسلوك؛ فالأفكار تولّد نوازع داخلية، وهذه النوازع تتحول إلى أفعال، وإذا لم يضبط الإنسان هذا التسلسل، انعكس ذلك سلبًا على حياته، وهنا يظهر دور الأنظمة الأخلاقية الكبرى، وعلى رأسها الفلسفة الرواقية، التي جاءت لتنظيم سلوك الإنسان وضبط رغباته، فالرواقية، بوصفها نظامًا شاملًا، لا تشمل الطقوس، بل تتضمن منظومة أخلاقية تهدف إلى حماية الإنسان من السلبيات، وتوجيهه نحو الخير.
وبالتالي، فإن الفلسفة تقدم نهجًا مختلفًا يقوم على الالتزام الداخلي بالقيم؛ انطلاقًا من قناعة عقلية بأنها حسنة في ذاتها، وهذا يمنح الإنسان استقلالية فكرية، لكنه يواجه تحديًا يتمثل في ضعف الثبات عند الأزمات؛ إذ إن الالتزام العقلي قد يتزعزع أمام الضغوط، بخلاف الالتزام الديني الذي يستند إلى إيمان قلبي قد يتزعزع مع مرور الزمان.
ومع ذلك، لا يمكن تعميم هذا الحكم، فالتاريخ يثبت وجود فلاسفة حافظوا على مبادئهم رغم الشدائد، مما يدل على أن قوة الالتزام، سواء كان دينيًا أو فلسفيًا، تعتمد في النهاية على قوة القناعة الداخلية.
إن جوهر المشكلة يكمن في غياب التوازن بين هذه المسارات الثلاثة: الوعي الرواقـي، والوعي الروحاني والتأمل الفكري، فالاكتفاء بأحدها دون الآخر قد يؤدي إلى خلل؛ فالرواقية وحدها قد تبدو جافة إن لم تُدعَم ببعد روحي، والفلسفة قد تضعف إن لم تُسنَد بالتزام عميق، لذلك، فإن الحل يكمن في تكامل هذه الأبعاد، بحيث يدرك الإنسان حدود قدرته، ويضبط نفسه من خلال منظومة أخلاقية، ويعزز ذلك بالتفكير والتأمل المستمر.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المراجعة الذاتية اليومية، حيث يقوم الإنسان بتقييم أفكاره وسلوكياته؛ ساعيًا إلى تحسين ذاته وضبط نزعاته، فهذه الممارسة تمثل نقطة التقاء بين الدين والفلسفة وعلم النفس، وتُعدّ أداة فعالة لتحقيق الاتزان الداخلي، كما أن إدراك الإنسان لمسؤوليته عن ذاته، وعدم إلقاء اللوم على الظروف الخارجية، يعزز من قدرته على التكيف مع الحياة ومواجهة تحدياتها.
ختامًا، يمكن القول إن تحقيق السعادة والطمأنينة ليس رهين الظروف الخارجية؛ بل هو نتاج وعي داخلي عميق يميز بين ما يمكن تغييره وما يجب تقبّله، وعندما ينجح الإنسان في هذا التمييز، مستعينًا بالفلسفة والتأمل، فإنه يصل إلى حالة من الاتزان تجعله أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات ورضا، وهكذا، تتحول الفلسفة من مجرد تأمل نظري إلى منهج حياة يُعيد للإنسان سلامه الداخلي ويمنحه قوة الاستمرار.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)       Zaid_Aladwan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوعي بالزمن: بين غفلة الإنسان وحكمة الرواقية


المزيد.....




- قراصنة يستهدفون -بينانس- للاستيلاء على 6.3 مليار دولار.. وال ...
- لاوُن الرابع عشر.. أول بابا للفاتيكان يدلي بصوته في انتخابات ...
- وزير الخارجية السعودي يصل إلى أمريكا.. وهذا ما سيبحثه باجتما ...
- الإمارات.. إحالة متهمين إلى -الجنايات العسكرية- لإساءة استخد ...
- رئيس وزراء إستونيا يرفض تخفيف حدة خطابه تجاه روسيا رغم طلب ا ...
- رومانيا تدعو إلى زيادة الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها
- بوتين يلتقي رئيس مالي الانتقالي غويتا في موسكو
- بيسكوف: موسكو لن تطرح الهجمات على مصافي النفط الروسية خلال م ...
- تحويل أموال دنماركية لشراء ذخائر لأوكرانيا إلى شركة غير منتج ...
- تقرير عبري عن تغير قواعد اللعبة بين مصر وإثيوبيا ومصير أي خي ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - زيد نائل العدوان - الاتزان النفسي في الفلسفة الرواقية