زيد نائل العدوان
الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 10:53
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
مقدمة المترجم:
قمت بترجمة هذا النص، وهو نص فلسفي يتحدث عن الفلاسفة وعن علاقتهم بالدين وذلك في الفلسفة اليونانية القديمة، والتي كانت دائمًا علاقة جدلية ويسودها الشك وعدم الارتياح من قبل الطرفين، فعمل المؤلف في هذا الجزء من المقال على استعراض تاريخ ارتباط الدين بالفلسفة اليونانية،
مصدر المقال: هو كتاب (مدخل للفلسفة: فلسفة علم الدين) والموسوم باللغة الإنجليزية بـ(Introduction to Philosophy: Philosophy of Religion)، وهو كتاب أكاديمي من تأليف عدة مؤلفين، كما يجدر القول، أن هذا الكتاب يقع ضمن رخصة المشاع الإبداعي، لذلك يجوز ترجمته.
وقد قمت بشطب التواريخ والمراجع المذكورة في هذا المقال بين قوسين؛ لإنها تسبب إرباكًا للقارىء، إذ يمكن للقارىء أن يرجع للكتاب الأصلي على الانترنت ويرى المراجع كما هي.
وتاليًا النص المترجم:
• تداخل الفلسفة والدين في الفلسفة اليونانية القديمة:
كان الأفلاطونيون القدماء، إذا سُئلوا عن تلخيص جوهر فلسفة أفلاطون ؛ يجيبون بأنها أسلوب حياة يهدف إلى homoiosis theou؛ أي التشبّه بالإله أو التمثّل بالله، وفي مواضع متعددة من حوارات أفلاطون، تبدو أوصافه للفلسفة وللحكمة أقرب بكثير إلى أوصاف تجارب الخروج من الجسد منها إلى المفهوم المعاصر للفلسفة بوصفها تفكيرًا عميقًا في الأسئلة المهمة
فعلى سبيل المثال، يقول سقراط في محاورة فيدون النص التالي:
(أخشى أن الناس الآخرين لا يدركون أن الهدف الوحيد لأولئك الذين يمارسون الفلسفة على النحو الصحيح هو التدرّب على الموت والاحتضار)، ثم يعرّف الموت بأنه: "انفصال النفس عن الجسد"، ويمضي بعد ذلك في مناقشة كيف أن الفيلسوف الحق لا ينشغل بالأمور المرتبطة بالجسد -بما في ذلك الإدراك الحسي- بل بالنفس، وبالسعي إلى أن تكون النفس منفردة بذاتها مفارِقةً للجسد، وبعيدةً قدر الإمكان عن أي اتصال أو ارتباط به في بحثها عن الحقيقة؛ إن نفس الفيلسوف تحتقر الجسد أشد الاحتقار، وتهرب منه، وتسعى إلى أن تكون قائمة بذاتها.
ثم يواصل سقراط لاحقًا قائلًا:
"إذا كان لنا أن نبلغ المعرفة الخالصة يومًا ما، فلا بدّ أن نتحرر من الجسد، وأن نعاين الأشياء في ذواتها بواسطة النفس وحدها".
ورغم وجود تفسيرات أخرى ممكنة لمثل هذه المقاطع، فإن ثمة تقليدًا طويلًا في قراءة أفلاطون على أنه يتحدث عن شيء يشبه تجربة الخروج من الجسد، تجربة تكشف نوعًا من المعرفة الصوفية أو الإشراقية المتعلقة بالواقع، بل وبالإله أيضًا، ومن المؤكد أن هذا المعنى -أو ما يقاربه- هو الكيفية التي قرأه بها الأفلاطونيون المحدثون، مثل أفلوطين وغيره
ما نُطلق عليه اليوم اسم "الميتافيزيقا" عن أرسطو كان يسمى بلفظة "اللاهوت"، وقبل أفلاطون وأرسطو، كانت كتابات الفلاسفة ما قبل السقراطيين؛ أي الفلاسفة اليونانيين السابقين تقريبًا لعام 400 قبل الميلاد، حافلة بالتأملات حول طبيعة الله أو الآلهة.
فعلى سبيل المثال، زعم طاليس أن كل الأشياء مفعمة بالآلهة، أما فيثاغوروس، فنحن لا نعرف عنه إلا القليل، بل إن من المشكوك فيه أنه اكتشف بالفعل النظرية التي تحمل اسمه، غير أن أمرًا واحدًا نعرفه عنه يقينًا، وهو أنه كان يعلّم أتباعه الإيمان بتناسخ الأرواح وممارسة طقوس وتصرفات ذات طابع صوفي، كذلك قدّم بارمنيدس فلسفته في صورة قصيدة مطوّلة عن رؤيا روحية اختبرها، كُشفت له فيها حقائق خفية على يد كائنات إلهية.
أما الرواقيون، فقد اعتقدوا أن الكون محكوم باللوغوس الإلهي، ومع أن اللوغوس في الفلسفة اليونانية كانت تعني في كثير من الأحيان العقل الإنساني أو الحُجّة، فإن الكلمة تُعد أيضًا المقابل اليوناني للفظتي "دافار" العبرية و"ميمرا" الآرامية؛ أي كلمة الله الإلهية، وقد بدأت هذه الفكرة، في الأجزاء المتأخرة من الكتاب العبري وفي الترجمات والتفاسير الآرامية المعروفة بالتراجيم، تكتسب كثيرًا من الصفات المرتبطة بالله نفسه.
فعلى سبيل المثال، يظهر الـ"ميمرا" في التراجيم بوصفه الذي يخلّص بني إسرائيل من مصر، ويعقد معهم العهد، وغير ذلك من الأفعال الإلهية، وعلى الرغم من أن الرواقيين يُعدّون مدرسة من مدارس الفلسفة اليونانية، فإن أوائل الرواقيين كانوا في الأصل مهاجرين ساميّين من الشرق، الأمر الذي يجعل تصورهم للعالم بوصفه محكومًا بالكلمة الإلهية ذو دلالة خاصة في صلته بالفكر اليهودي.
ظهر مصطلح "اللوغوس" لاحقًا عند الفيلسوف اليهودي فيلو الإسكندري؛ والذي وصف اللوغوس بأنه نوع من بأنه (الإله الثاني/ الابن البكر/ رئيس الملائكة)، ويكشف تصور فيلو لـ(اللوغوس) عن إلمام عميق بكلٍّ من فلسفة أفلاطون والرواقيين، كما يمكن العثور على آثارٍ للفلسفات السابق ذكرها في المدراش اليهودي أيضًا، وليس من المستغرب أن يكون فيلو مطّلعًا على فلسفة عصره، إذ كان من مدينة الإسكندرية، التي كانت تُعدّ واحدة من أعظم مراكز التعلم الفلسفي في العالم القديم.
ويذكر إنجيل متّى أن يسوع المسيح قضى فترةً من طفولته في مصر أيضًا، فبالتالي؛ من المرجّح جدًا أنه كان في الإسكندرية، حيث كان يقيم معظم اليهود الذين عاشوا في مصر آنذاك، وهذا من شأنه أن يضع يسوع في المدينة نفسها التي كان فيلو يمارس فيها نشاطه الفكري المزدهر في تلك الفترة.
ونرى كذلك أن مصطلح "اللوغوس" عند فيلو الإسكندري يؤدي دورًا صريحًا ومحوريًا في عدد من أسفار العهد الجديد، وأشهرها مقدمة إنجيل يوحنا والتي تنص على: (في البدء كان اللوغوس، وكان اللوغوس عند الله، وكان اللوغوس هو الله)، وقد وُصف مصطلح اللوغوس بأنه نوع من الجسر الذي يصل بين الفكر اليهودي والفكر الهلنستي.
كما تُظهر العديد من المقاطع الفردية في العهد الجديد، إلى جانب الرسالة كاملةً إلى العبرانيين، تأثرًا في عدد من النقاط إمّا مباشرةً بفيلو، أو بمصدرٍ مشترك استقى منه كلٌّ من فيلو وكتّاب العهد الجديد أفكارهم، فمن الأمثلة على ذلك أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يقلّل بصورة لافتة من أهمية الهيكل الأرضي في أورشليم مقابل هيكلٍ سماوي؛ ذلك أن الهيكل الأرض يعد مجرد صورة للهيكل السماوي
إنَّ الحديث عن النسخة والظل؛ يستحضر تشبيه أفلاطون الشهير للكهف في الفصل السابع من كتاب الجمهورية حيث يُصوَّر السجناء وهم مقيَّدون بالسلاسل، يواجهون جدارًا، غير قادرين على رؤية أي شيء سوى ظلال نسخ الأشياء فيظنونها الحقيقة ذاته.
كما أنَّ الحديث عن صنع جميع الأشياء يستدعي مناقشة أفلاطون للصانع في محاورة طيماوس، وبالمثل، تصف الرسالة إلى العبرانيين 11:10 إبراهيم بأنه كان يبحث عن (المدينة ذات الأساسات، التي اللهُ مهندسُها وبانيها»، حيث أن لفظة (الباني) هي ذاتها لفظة (الخالق) التي استعملها أفلاطون للدلالة على الله في محاورة طيماوس.
كما يقسم أفلاطون الوجودَ كلَّه تقسيمًا شهيرًا إلى عالمين:
(1) عالم المرئيات: وهو عالم زائل وفان، ويتكون من الأشياء المحسوسة والمرئية مثل الشجر والبشر.
و(2) عالم اللامرئيّات: وهو عالم أبدي ثابت لا يتغير، يتكون من الأمور الغير محسوسة.
ويبدو أن بولس المبشر المسيحي المشهور، يستخدم هذا الإطار صراحةً في الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس؛ لأن الأشياء التي تُرى وقتية وأما التي لا تُرى فأبدية.
وفي طيماوس أيضًا يصف أفلاطون مبدأه الأعلى؛ أي صورة الخير بأنه خالق الجميع وأبوهم، وكذلك يتحدث القديس بولس عن الله الذي خلق "كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى"؛ وذلك في (كولوسي 1:16)، ومن المعروف أيضًا أن يسوع نفسه -إلى جانب بولس وسائر كتّاب العهد الجديد- يشير إلى الله بلقب "الأب"، وهو لقب نادر الاستعمال لله في الكتاب العبري أو في التقليد اليهودي عمومًا، لكنه يظهر عند أفلاطون ويتكرر باستمرار في العهد الجديد.
وثمة موضوع أفلاطوني آخر نجده في العهد الجديد يتمثل في قول أفلاطون "إن العثور على الله أمر عسير، ،وإن إعلانه للناس كافة أمر مستحيل"، وفي مواضع أخرى يكرر أن المبدأ الأعلى أعسر من أن يُدرَك مباشرة، ولذلك ينبغي لنا أن نستدل عليه من خلال وليده، ثم نجد عند عدد من كتّاب العهد الجديد هذه الفكرة الأفلاطونية المألوفة، وهي أننا لا نستطيع أن نمتلك معرفة مباشرة بالله، بل لا بد لنا من الرجوع إلى ابنه كي نعرفه.
فهل يعني كل هذا أن أفلاطون كان المصدر المباشر لهذه الأفكار في العهد الجديد؟ كما رأينا، يصعب إنكار أن عددًا من كتّاب العهد الجديد قد استعانوا -على ما يبدو عن قصد- بأفكار أفلاطون ومصطلحاته معًا، أما مسألة ما إذا كان أفلاطون هو المصدر الفعلي لبعض أفكار كتّاب العهد الجديد، فذلك أمر عسير الجزم به، وما يزال موضع جدل بين الباحثين، وبالطبع، لا بد أيضًا من الإقرار بوجود اختلافات عميقة بين الطرفين، غير أنه، مهما يكن من أمر الجدل حول المصادر واتجاهات التأثير، فثمة حقيقة مؤكدة: وهي أنه لم يكن هناك في تلك المرحلة التاريخية فصلٌ بين حقلين مستقلين يُسمَّيان (الفلسفة/ الدين) فقد كان مفكرو ذلك العصر لا يرون هنا فئتين منفصلتين، بل مجالًا واحدًا متداخلًا.
#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟