|
|
بابل بوابة الآلهة
عضيد جواد الخميسي
الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 18:47
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
بابل هي أشهر مدن بلاد الرافدين القديمة ، وتقع آثارها في مدينة الحلّة العراقية الحالية على بُعد 94 كيلومتراً جنوب غرب بغداد. واسمها اشتُقَّ من " باف - إل" أو "باف - إلم"، والتي تعني في اللغة الأكدية "بوابة الإله " أو "بوابة الآلهة"، كما وردت باسم "بابل" في اليونانية. كانت بابل في أوج ازدهارها مركزاً ثقافياً ودينياً عظيماً، وبلغت ذروتها كأكبر مدينة في العالم . وقد أشاد بها كتّاب اليونان القدماء بإجلال، وقِيل إنها كانت موقعاً لجنائن بابل المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم القديم؛ إلاّ أن سمعتها قد شُوّهت بسبب ماكُتب عنها سلباً في الكتب العبرية ، بدءاً من سفر التكوين (الإصحاح 11: 9 تكوين) "لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا «بَابِلَ» لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ . وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ ". و تظهر المدينة أيضاً بصورة سلبية في أسفار دانيال و أرميا وإشعياء : ( إصحاح 50 : 9 ـ 10ـ 13ـ 18 إرميا)" لأَنِّي هَأَنَذَا أُوقِظُ وَأُصْعِدُ عَلَى بَابِلَ جُمْهُورَ شُعُوبٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَرْضِ الشِّمَالِ، فَيَصْطَفُّونَ عَلَيْهَا. مِنْ هُنَاكَ تُؤْخَذُ. نِبَالُهُمْ كَبَطَلٍ مُهْلِكٍ لَا يَرْجِعُ فَارِغًا.وَتَكُونُ أَرْضُ الْكَلْدَانِيِّينَ غَنِيمَةً. كُلُّ مُغْتَنِمِيهَا يَشْبَعُونَ، يَقُولُ الرَّبُّ. بِسَبَبِ سَخَطِ الرَّبِّ لَا تُسْكَنُ، بَلْ تَصِيرُ خَرِبَةً بِالتَّمَامِ. كُلُّ مَارٍّ بِبَابِلَ يَتَعَجَّبُ وَيَصْفِرُ بِسَبَبِ كُلِّ ضَرَبَاتِهَا. لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: هَأَنَذَا أُعَاقِبُ مَلِكَ بَابِلَ وَأَرْضَهُ كَمَا عَاقَبْتُ مَلِكَ أَشُّورَ."، وأشهر وصف شنيع لمدينة بابل كان في سفر الرؤيا : (الإصحاح 4:17: 5 رؤيا) : "وَالْمَرْأَةُ كَانَتْ مُتَسَرْبِلَةً بِأُرْجُوانٍ وَقِرْمِزٍ، وَمُتَحَلِّيَةً بِذَهَبٍ وَحِجَارَةٍ كَرِيمَةٍ وَلُؤْلُؤٍ، وَمَعَهَا كَأْسٌ مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِهَا مَمْلُوَّةٌ رَجَاسَاتٍ وَنَجَاسَاتِ زِنَاهَا، وَعَلَى جَبْهَتِهَا اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «سِرٌّ بَابِلُ الْعَظِيمَةُ أُمُّ الزَّوَانِي وَرَجَاسَاتِ الأَرْضِ»." ( الإصحاح 18: 1: 2 رؤيا) :" ثُمَّ بَعْدَ هَذَا رَأَيْتُ مَلاَكًا آخَرَ نَازِلًا مِنَ السَّمَاءِ، لَهُ سُلْطَانٌ عَظِيمٌ. وَاسْتَنَارَتِ الأَرْضُ مِنْ بَهَائِهِ. وَصَرَخَ بِشِدَّةٍ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «سَقَطَتْ! سَقَطَتْ بَابِلُ الْعَظِيمَةُ! وَصَارَتْ مَسْكَنًا لِشَيَاطِينَ، وَمَحْرَسًا لِكُلِّ رُوحٍ نَجِسٍ، وَمَحْرَسًا لِكُلِّ طَائِرٍ نَجِسٍ وَمَمْقُوتٍ "
ويشير البروفيسور پول كريڤاشيك إلى أن بابل "يمكنها أن تُلقي باللوم في سمعتها السيئة على الكتاب العبري" (ص167). ورغم أن هذه النصوص لا تُشيد بالمدينة، إلا أنها كانت في نهاية المطاف مسؤولة عن شهرتها (شیطنتها) في العصر الحديث، مما أدى إلى إعادة اكتشافها على يد عالم الآثار الألماني روبرت كولدوي عام 1899 ميلادي .
تأسست بابل في زمن ما قبل عهد الملك سرگون الأكدي (عام 2334-2279 قبل الميلاد)، ويبدو أنها كانت مدينة ساحلية صغيرة على نهر الفرات حتى ظهور الملك حمورابي (عام 1792 ـ 1750 قبل الميلاد)، الذي جعلها عاصمة إمبراطوريته البابلية . وبعد وفاة حمورابي ، تفككت إمبراطوريته بسرعة. إذ نهب الحثيون المدينة عام 1595 قبل الميلاد، ثم استولى عليها الكاشيون، الذين سمّوها بـ " كاراندونياش " . خضعت بابل لفترة وجيزة لحكم الكلدانيين (القرن التاسع قبل الميلاد)، الذين أصبح اسمهم مرادفاً للبابليين لدى المؤرخين اليونانيين اللاحقين (ولا سيما هيرودوت ) ومؤلفي الأسفار العبرية، ثم سيطرت عليها الإمبراطورية الآشورية الجديدة (عام 912-612 قبل الميلاد) قبل أن يستولي عليها الملك نابوپولاسر (عام 626-605 قبل الميلاد)، الذي أسس الإمبراطورية البابلية الجديدة . ثم سقطت بابل بيد الفرس بقيادة الملك كورش الثاني ( حوالي عام 550-530 قبل الميلاد) ؛ وكانت عاصمة الإمبراطورية الأخمينية حتى اجتياحها من قبل الإسكندر عام 331 قبل الميلاد. استمرت المدينة كمركز تجاري في عهد الإمبراطورية السلوقية (عام 312-63 قبل الميلاد)، والإمبراطورية الپارثية (عام 247 قبل الميلاد إلى 224 ميلادي)، والإمبراطورية الساسانية (عام 224-651 ميلادي)، لكنها لم تبلغ قطّ ذروة ازدهارها التي شهدتها في عهد الملك حمورابي أو عهد الملك نبوخذ نصر الثاني (عام 605/604-562 قبل الميلاد) مرة أخرى . ثم تراجعت المدينة بعد الغزو العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي، وبالتالي هجرها سكّانها كلياً . لم تكن المدينة معروفة إلا من خلال الروايات التوراتية ومؤلفات الأدباء القدماء حتى اكتشافها في القرن التاسع عشر الميلادي . وفي ثمانينيات القرن الماضي، بُذلت محاولات لإعادة ترميمها في عهد الرئيس الراحل صدام حسين،إذ شملت إعادة بناء بوابة عشتار (البوابة الأصلية موجودة حالياً في متحف پيرگامون / پرلين ـ ألمانيا). وفي عام 2019 م، قررت اليونسكو أن آثار هذه المدينة العظيمة تُعد موقعاً للتراث العالمي .
مدينة الميناء والملك حمورابي كان أقدم ذكر للمدينة قد ورد في نقش يعود إلى عهد الملك سرگون الأكدي . ويبدو أنها كانت آنذاك مدينة ميناء صغيرة ومزدهرة. وفي عهد الملك الأكدي اللاحق شارـ كالي ـ شارّي (عام 2217 ـ 2193 قبل الميلاد)، ذُكر عن بناء معبدين في بابل، ثم خضعت المدينة لسيطرة مدينة كازالو ، ومن ثم حررها الزعيم الآموري سومو ـ آبوم (حكم حوالي عام 1895 قبل الميلاد)، الذي كان خليفته سومو ـ لا ـ إيلو (المعروف أيضاً باسم سوما ـ لا ـ إيل، عام 1880 ـ 1845 قبل الميلاد) مؤسس أول سلالة ملكية في بابل . وكانت المدينة لا تزال ميناءً صغيراً في ذلك الوقت، متأثرة بالمدن المجاورة . قام الملك سين - موباليت (عام 1812 ـ 1793 قبل الميلاد) بإعمار المدينة، لكنه لم يستطع الارتقاء بها أعلى من دول ـ المدن الأخرى؛ فشنّ حملة عسكرية ضد لارسا ( في محافظة ذي قار جنوب العراق) أقوى دول ـ المدن المجاورة، إلا أنه هُزم ، وأُجبر على التنازل عن العرش لصالح ولده حمورابي، الذي استسلم بهدوء لملك لارسا، وانشغل بتعزيز أسوار بابل وتجميل المدينة، بينما كان في الخفاء يُنشىء جيشاً ويعمل على تحصينه. أظهر حمورابي نفسه ملكاً صالحاً وعادلاً لشعبه ، وبعد أن حصل على رضا الشعب من خلال سياساته وقوانينه ؛ أخذ يستعد لتوسيع نطاق نفوذه . ولمّا اجتاح العيلاميون جنوب بلاد الرافدين؛ تحالف حمورابي مع ملك لارسا وهزمهم . ثم انقلب على حلفائه بسرعة واستولى على مدينتي أوروك وآيسن اللتين كانتا تحت سيطرة لارسا ، وأخذ يستغل مواردهما للسيطرة على غيرهما من المدن . ثمّ راح يبرم اتفاقيات ويعقد تحالفات عدة ، فمن ناحية كان يبقي على بعضها طالما تخدم أهدافه التوسعية ، وبأخرى كان لا يتردد بتقويض بعضها عندما يجد أنها لم تعد نافعة . وبمجرّد سيطرته على جنوب بلاد الرافدين اتجه الملك حمورابي شمالاً؛ حيث هاجم مملكة ماري الأموريّة ، وملكها " زمري ليم" (عام 1775 ـ 1761 قبل الميلاد) الذي كان حليفاً له منذ بدء حملاته العسكرية . ويُعّد هذا الحدث مثال واضح بقدرة حمورابي العجيبة في الإنقلاب على حلفائه ! إن شريعة حمورابي معروفة جداً، لكنها ليست سوى مثال واحد على السياسات التي طبقها للحفاظ على السلام وتعزيز الرخاء . فقد قام بتوسيع أسوار المدينة ورفعها، وانخرط في مشاريع عامة ضخمة، شملت معابد وقنوات فخمة، وجعل الدبلوماسية جزءاً لا يتجزأ من إدارته. لقد حقق حمورابي نجاحاً باهراً في كلاً من الدبلوماسية والحرب، حتى أنه بحلول عام 1755 قبل الميلاد، وحدّ بلاد الرافدين بأكملها تحت حكم بابل، التي كانت آنذاك أكبر مدينة في العالم ويبلغ عدد سكانها ما يقدر بأكثر من 200 ألف نسمة. وقد بلغت المدينة من القوة والشهرة بعد غزوات حمورابي حداً جعل جنوب بلاد الرافدين بأكمله يُعرف باسم بابل .
الآشوريون والملك نبوخذنصر الثاني بعد وفاة الملك حمورابي، تفككت إمبراطوريته، و تقلصت مساحة بابل ونطاقها حتى سقطت بسهولة في يد الحثيين عام 1595 قبل الميلاد. ثم تبع الكاشيون الحثيين وأطلقوا على المدينة اسم كاراندونياش . وفي فترة ما بين القرنين الرابع عشر والتاسع ما قبل الميلاد، بُدأ بناء زقورة بابل العظيمة، والتي ارتبطت لاحقاً مع برج بابل . ويُعتقد أن هذا الربط قد تم بسبب سوء تفسير الكلمة الأكدية " باف - إل" (بوابة الآلهة) على أنها كلمة " باڤل" العبرية (وتعني الالتباس) . رواية سفر التكوين التوراتي ( 11: 1-9 ) ، تحكي لنا قصة قيام سكان المدينة في بناء برج عالٍ للوصول إلى جميع السماوات كي يصنعوا لهم مجداً وتاريخاً لا ينمحي من الذاكرة في زمن كان جميع العالم يتحدث بنفس اللغة . إلا أن الرّب وجد أن هذا الأمر قد سبب له استياءً ، وفكّر في أنه إذا سُمح لهم في البناء وصولاً إلى السماء ، فلن يكون هناك حدود يتوقفون فيها مستقبلاً . لذا كان قراره في أن تكون هناك لغات مختلفة ينطق بها الناس كي لا يفهموا بعضهم البعض ، ولا يكون اجماع بينهم ، وبالتالي يتخلّون عن طموحهم في الوصول إلى حدود السماء . لذلك أمرهم في ألا يتحدثوا لغة واحدة، فبلبل ألسنتهم ! ولأنهم لم يعودوا يفهمون بعضهم بعضاً؛ تُرك البرج غير مكتمل ! أشار البروفيسور صموئيل نوح كريمر إلى القصة بأنها محاولة لتفسير وجود العديد من الزقورات، بما فيها زقورة بابل، التي عُثر عليها مدمرة، حيث رآها أو وصفها الكتبة العبرانيون ( السومريون ،ص 293-294). وكما يعتقد كريمر؛ أن حالة الخراب التي لحقت بهذه الصروح العظيمة تشير إلى عقاب إلهي "من إله غاضب" على غطرسة البشر في محاولتهم بناء معلماً يصل عنان السماء. أما بالنسبة للسومريين (كما يشير كريمر أيضاً)، فقد كانت الزقورات شكلاً من أشكال التواصل بين عالم البشر وعالم الآلهة.
اتبع الآشوريون خطى الكاشيين في السيطرة على المنطقة، وفي عهد الملك الآشوري سنحاريب (عام 705-681 قبل الميلاد)، ثارت بابل مراراً وتكراراً. وفي عام 689 قبل الميلاد، نفد صبر سنحاريب، فأمر بنهب المدينة وتدميرها وتشتيت أنقاضها لتكون عبرة للآخرين . واعتبر الشعب البابلي، ان إجراءاته المتطرفة تلك غير مقبولة، وسرعان ما اغتاله أبناؤه، الذين برروا فعلتهم بالانتقام منه لتدميره مدينة بابل . بادر خليفته، الملك أسرحدون (عام 681 ـ 669 قبل الميلاد)، بجهود إعادة بابل إلى مجدها السابق، وأشرف شخصياً على حملة الاعمار . ثم ثارت المدينة لاحقاً ضد خليفته الملك آشوربانيپال (عام 668 ـ 627 قبل الميلاد)، الذي أخمد التمرّد؛ بيد أنه لم يُلحق ببابل ضرراً كبيراً؛ بل إنه طهّر المدينة بنفسه من الأرواح الشريرة التي يُعتقد أنها كانت سبباً في نشوب الاضطرابات. وكانت سمعة المدينة كمركز للعلم والثقافة راسخة فعلاً بحلول تلك الفترة . بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية، اعتلى الملك الكلداني نابوپولاسر عرش بابل، وأسس عبر تحالفات مدروسة ؛الإمبراطورية البابلية الحديثة. ثم قام ابنه الملك نبوخذ نصر الثاني بحملة تحديث المدينة لتغطي مساحة 900 هكتار (2200 فدّان) ، وتضمنت بعضاً من أجمل وأروع المباني في بلاد الرافدين . ماعدا كتّاب التوراة ؛ فإن جميع الكتّاب القدماء ذكروا بابل بايجابية . حيث أشاروا إليها بإجلال وإكبار في وصفهم للزقورة العظيمة إيتيمينانكي "أساس السماء والأرض" وأسوار المدينة الممتدة ، وبوابة عشتار، و جنائن بابل المعلقة. وقد كتب المؤرخ اليوناني هيرودوت في وصف المدينة: "تقع المدينة على سهلٍ فسيح، وهي مربعة الشكل تماماً، يبلغ طول كل اتجاه منها مئة وعشرين ستاديا، ليصبح محيطها أربعمئة وثمانين ستاديا. ورغم اتساعها، لا تُضاهيها مدينةٌ أخرى في عظمتها. وهي مُحاطةٌ في المقام الأول، بنهر واسع وعميق مليء بالماء، وخلفها يرتفع سورٌ عرضه خمسون ذراعاً وارتفاعه مائتا ذراع ." (I.178) على الرغم من الاعتقاد السائد بأن هيرودوت بالغ كثيراً في أبعاد المدينة (وربما لم يزر المكان بنفسه قط)، إلا أن وصفه يعكس إعجاب كتّاب آخرين في ذلك الوقت الذين كتبوا عن روعة بابل، وخاصة أسوارها العظيمة، باعتبارها إحدى عجائب الدنيا . في العصر البابلي الحديث وخلال عهد الملك نبوخذ نصر الثاني (الذي شهد أيضاً بداية السبي البابلي لليهود)، قيل إن جنائن بابل المعلقة قد شُيّدت، وكذلك بوابة عشتار الشهيرة. وقد وُصفت الجنائن المعلقة بشكل أكثر تفصيلاً في باب من كتاب ديودور الصقلّي (عام 90-30 قبل الميلاد) "المكتبة التاريخية" (الكتاب الثاني ـ الفصل العاشر) .
الغزو الفارسي استمرت الإمبراطورية البابلية الحديثة بعد وفاة الملك نبوخذ نصر الثاني، وظلت بابل مدينة ذات أهمية في عهد الملك نابونيد (عام 556 ـ 539 قبل الميلاد)، المعروف بـ"أول عالم آثار" لجهوده في ترميم المواقع الأثرية القديمة (مثل زقورة أور ). وفي عام 539 قبل الميلاد، سقطت الإمبراطورية في يد الفرس بقيادة الملك كورش في معركة أوپس؛ حيث كانت أسوار بابل منيعة، لذا وضع الفرس خطة خبيثة لتحويل مجرى نهر الفرات لكي ينخفض منسوبه من الماء إلى عمق يمكن اجتيازه مشياً ! ولمّا كان سكان المدينة منشغلين بأحد أعيادهم الدينية الكبرى؛عبر الجيش الفارسي النهر وسار تحت أسوار بابل دون أن يلحظه أحد. كما قيل إن المدينة سقطت دون قتال، مع أن سجلات تلك الفترة تشير إلى ضرورة إجراء إصلاحات للأسوار وبعض أجزاء المدينة، وعليه ربما لم تكن العملية سهلة كما زعمت الرواية الفارسية.
ازدهرت بابل في ظل الحكم الفارسي كمركز للفنون والعلوم . وقد أولى كورش وخلفاؤه المدينة مكانة عظيمة وجعلوها إحدى العواصم الإدارية لإمبراطوريتهم. فقد حظيت الرياضيات والتنجيم والفلك البابلي بتقدير كبير، ويُعتقد أن طاليس المالطي (عام 585 قبل الميلاد)، "أول فيلسوف" قد درس هناك، وأن الفيلسوف اللاحق فيثاغورس (عام 571 ـ497 قبل الميلاد) قد طور نظريته الرياضية الشهيرة ( نظرية فيثاغورس) استناداً إلى اختراع بابلي .
بعد سقوط الإمبراطورية الأخمينية بيد الإسكندر عام 331 قبل الميلاد؛ استمر في معاملة المدينة باحترام وتبجيل، فأمر جيشه بعدم إلحاق الضرر بالمباني أو إيذاء السكان . وكان يأمل في تجميل المدينة وإعادة بنائها، لكنه توفي قبل أن تُنفذ خططه. ويشير البروفيسور ستيفن بيرتمان إلى ذلك كما في المقطع أدناه : " قبل وفاته، أمر القائد الإسكندر بهدم الجزء العلوي من زقورة بابل لإعادة بنائها بفخامة أكبر؛ لكنه مات ولم يكمل مشروعه. وعلى مرّ السنين، استغلّ الفلاحون أحجارها المتناثرة لبناء مساكن لهم . ولم يتبقَّ من برج بابل الأسطوري سوى قاع بركة موحلة." (ص14)
بعد وفاة الإسكندر في بابل عام 323 قبل الميلاد، ، تنازع خلفاؤه على إمبراطوريته بشكل عام وعلى بابل بالاخص، حتى اضطر سكانها إلى الفرار طلباً للأمان (أو حسب إحدى الروايات القديمة، إلى النزوح). وبحلول الوقت الذي حكمت فيه الإمبراطورية البارثية المنطقة، كانت بابل قد أصبحت نسخة باهتة من سابق عهدها. فقد تدهورت المدينة تدريجياً، وحتى خلال فترة انتعاش قصيرة في ظل الإمبراطورية الساسانية ، لم تقترب أبداً من عظمتها السابقة. وعند الغزو العربي الإسلامي للبلاد عام 651 ميلادي، دُمّر ما تبقى من بابل وباتت مجرّد أطلال . وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين ، بدأ المستشرقون الأوروبيون باكتشاف المنطقة وعادوا بآثار قيّمة. وفي القرن التاسع عشر الميلادي؛ موّلت المتاحف والمعاهد الأوروبية ومنظمات يهودية بعثات استكشافية أوروبية وأمريكية إلى المنطقة، بأمل العثور على أدلة أثرية تُثبت صحة الروايات التوراتية والتي شملت العديد من أعظم مدن بلاد الرافدين القديمة ومن بينها بابل، بوابة الآلهة العظيمة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مارك ڤان دي ميروپ ـ مدن بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 1999 . گويندولين ليك ـ بلاد الرافدين من الألف الى الياء ـ طباعة أكاديمية بلومزبيري ـ 2010 . صموئيل نوح كريمر ـ السومريون : تاريخهم ، ثقافتهم ، شخصياتهم ـ طباعة جامعة شيكاغو ـ 1971 . ديودوروس سيكلوس ـ المكتبة التاريخية ـ طباعة جامعة هارفارد ـ 1967. پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين وولادة الحضارة ـ سانت مارتن گريفين ـ 2012 . هيرودوت ـ التاريخ ـ تنقيح وترجمة (روبرت . ب. ستراسلر) ـ ڤنتج للطباعة والنشر ـ 2009 . أسفار العهد القديم ـ موقع الأنبا تكلا هيمانوت .
#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كاليگولا الامبراطور المجنون !
-
بلاد سومر في التأريخ
-
حفلة الرجال المحترقين
-
السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
-
أعمال السحر عند الإغريق والرومان
-
رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة
-
قرنان من التمرّد ضد أقوى إمبراطورية في العالم ( الصراع بين ا
...
-
مَن كان ملكاً ومَن لم يكن ملكاً في قائمة الملوك السومريين
-
عيد الحب ( ڤالنتاين )
-
ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
-
الممثل الذي قتل الرئيس !!
-
أصل وتاريخ نظام التقويم الغربي
-
يمّ الإله الفينيقي ـ الكنعاني
-
الشطرنج لعبة ذكاء عمرها 1500 عام
-
حكاية الهنود السيوكس عن هبة نبات الذِرة
-
المناشڤة والبلاشڤة
-
يوم الموتى
-
الغنوصيون الكاثاريون
-
حملة الملك الآشوري سرگون الثاني على مملكة أورارتو
-
الطائفة الزورڤانية الفارسية
المزيد.....
-
شي جين بينغ: -النهضة العظيمة- للصين وشعار -لنجعل أمريكا عظيم
...
-
بعد عمليات بحث واسعة.. العثور على جثة الجندية الأمريكية المف
...
-
ترامب وشي يتبادلان نخب التكريم في مأدبة بكين
-
أطفال أفغانستان يدفعون ثمن حروب المنطقة: مسؤول أممي يحذر من
...
-
تحذير عراقي وراء توقيف سوري بشبهة التخطيط لهجوم في هامبورغ
-
الصين - الولايات المتحدة: بين التعاون الإجباري والتنافس المف
...
-
رويترز: فرنسا تحقق بشبهات تدخل شركة إسرائيلية في الانتخابات
...
-
لن نرضخ.. طهران تؤكد أنها لن تتفاوض تحت الضغط ومستعدة للرد ع
...
-
مسؤول لبناني يؤكد أن بيروت ستضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النا
...
-
عباس في مؤتمر فتح العام: نرفض أي سلاح خارج الشرعية الفلسطيني
...
المزيد.....
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|