أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - كاليگولا الامبراطور المجنون !















المزيد.....


كاليگولا الامبراطور المجنون !


عضيد جواد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 14:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كان كاليگولا (عام 12-41 ميلادي) ثالث أباطرة الرومان ، وحكم من عام 37 إلى عام 41 ميلادي . كما أنه ينتمي إلى السلالة اليوليوكلاودية ، وتولّى الحكم بعد وفاة عمّه الأكبر تيبيريوس . وتشير المصادر القديمة إلى أنه كان في البداية حاكماً متزناً، لكنه بعد بضعة أشهر فقط، استسلم لنزعاته السادية والمنحرفة المصابة بجنون العظمة، وأخذ حكمه يتسم بالقسوة والترهيب. وفي النهاية اغتيل في 24 يناير/ كانون الثاني عام 41 ميلادي على يد عناصر ساخطة من الحرس الپريتوري .

حياته المبكرة وأسرته
وُلد الصبي الذي عُرف لاحقاً باسم كاليگولا في 31 أغسطس/آب من عام 12 ميلادي في أنتيوم، باسم گايوس يوليوس قيصر جرمانيكوس . وهو ثالث أبناء القائد الروماني الشهير جرمانيكوس الذي كان ابن أخ الإمبراطور تيبيريوس وابنه بالتبني، و ولي عهد الإمبراطورية الرومانية . أمّا والدته أگريپينا الكبرى ، لم تكن أقل شأناً، فقد كانت الحفيدة المفضلة لأغسطس أول إمبراطور روماني . كان جرمانيكوس وأگريپينا زوجين وسيمين وجذابين، وكانا يُعتبران الزوجين الذهبيين في العالم الروماني، وكان أبناؤهما يحظون بنفس القدر من المحبة والتقدير. وعندما تولى جرمانيكوس قيادة فيالق جبهة الراين ، اصطحب معه گايوس البالغ من العمر عامين . ولمّا كان برفقة والده في المعسكر مرتدياً زيّاً عسكرياً مصغّراً؛ استطاع گايوس أن يكسب قلوب المحاربين الذين أطلقوا عليه لقب "حذاء الجنود الصغير" أو "كاليگولا"؛ إلا أن شعبية جرمانيكوس وعائلته كانت سبباً في إزاحته من الحكم . ففي أكتوبر/ تشرين الأول من عام 19 ميلادي، مرض جرمانيكوس وتوفي أثناء جولة تفقدية في الأقاليم الشرقية. وسرعان ما انتشرت شائعات بأنه قد سُمِّم،؛ بل حتى إن أگريپينا اشتبهت في تورط الإمبراطور تيبيريوس نفسه في ذلك. ولم يكن خافياً على أحد في أن الإمبراطور العجوز المصاب بجنون العظمة كان يغار من وريثه الشاب المتحمس، مما دفع أگريپينا إلى الاعتقاد بأنه هو من أمر سراً باغتيال زوجها. وقد تسبب هذا الاتهام الظنّي في شرخ العلاقة بين أگريپينا و تيبيريوس الذي بلغ ذروته عام 29 ميلادي، وذلك عندما نفاها تيبيريوس إلى جزيرة پانداتيريا. وهناك عاشت معاناة شديدة. وحسب المؤرخ سويتونيوس ؛ فقد تعرضت أگريپينا للضرب المبرح حتى فقدت إحدى عينيها. ولم تعد من منفاها قط، بل ماتت مرضاً وجوعاً عام 33 ميلادي .

في كاپري
لم يكد كاليگولا يتجاوز العشرين من عمره حين توفيت والدته، فأدرك أن قربه من العرش يُشكل تهديداً للإمبراطور. وكان شقيقاه الأكبر سناً؛ نيرون و دروسوس، قد أثارا شكوك تيبيريوس ودفعا الثمن غالياً؛ حيث أُعلِن على أنهما عدوّين للدولة عام 30 ميلادي ثم نُفيا وتوفيا بعد سنوات قليلة. في الوقت نفسه تقريباً، استُدعي كاليگولا إلى جزيرة كاپري، حيث كان تيبيريوس المنعزل يُقيم في قصره بعيداً عن أعين روما المتطفلة . إذ كان من الواضح تماماً أن الإمبراطور لم يُحضره إلى هناك ليكن وصياً عليه؛ بل لمراقبة تحركاته عن كثب. وكان كاليگولا الذي كان أشبه برهينة، يعلم أن أي خطأ حتى بمجرّد تعبير في الوجه ؛ فهو غير مُحبب أبداً، وقد يُودي به إلى المصير نفسه الذي لاقته والدته وشقيقاه. لذلك؛ حرص على ألا يُظهر أي اشارات غضب أو علامات حزن. وأفاد سويتونيوس أنه "تصرّف كما لو لم يحدث شيء لعائلته ، وأن موتهم قد غاب عن ذهنه تماماً" (سويتونيوس، حياة گايوس ،ص 10).
ساعدت تلك اللامبالاة كاليگولا في البقاء على قيد الحياة. وكذلك توطيد صداقته مع قائد الحرس الپريتوري نيڤيوس سوتوريوس ماكرو. إذ شعر ماكرو أن صداقة مبكرة مع الأمير الشاب قد تمهد له الطريق إلى السلطة؛ فدعم كاليگولا وبذل قصارى جهده لإقناع تيبيريوس بطاعته وولائه له. وبالتالي، فقد خفف الإمبراطور حذره بما يكفي لترتيب علاقة زواج بين كاليگولا وجونيا كلوديلا، ابنة عضو مجلس الشيوخ النافذ ماركوس جونيوس سيلانوس . ومع ذلك، فلم يكن تيبيريوس يثق تماماً بكاليگولا، وأبقاه في كاپري لمدة سبع سنوات. خلال هذه الفترة كما يزعم سويتونيوس؛ أظهر كاليگولا أولى ملامح "القسوة و الشهوات المنحرفة" التي سوف يشتهر بها لاحقاً . فقد كان يستمتع كثيراً عند مشاهدة مقدار الالم والمعاناة لأولئك المحكومين بالتعذيب، وكان يقضي لياليه متنكراً بشعر مستعار وملابس سيدة وقورة ، ويتردد على الحانات الرخيصة ويقضي لياليه مع زوجات رجال آخرين .(سويت، گايوس ، ص 11)
لم يفعل تيبيريوس شيئاً لتقويم سلوك كاليگولا المنحرف. بل بدا أن الإمبراطور العجوز المتشائم يستمتع بفكرة أنه "يرّبي ثعباناً" للشعب الروماني . وليس هناك أية فكرة في أن يخلفه كاليگولا ؛ بل كان يفضل حفيده تيبيريوس جيميلوس المراهق، كوريث له. كما اتفق معظم أصدقاء تيبيريوس ومستشاريه على أن فرص الإمبراطور في السماح لابن منافسته اللدودة أگريپينا بتولي السلطة هي ضئيلة؛ حتى أن ثراسيلوس أحد المقربين من تيبيريوس قال مازحاً ذات مرة؛ إن احتمالية أن يصبح كاليگولا إمبراطوراً لروما هي أن يمتطي حصاناً ويعبر به البحر!. بيد ان تيبيريوس أدرك أيضاً أنه رجل عجوز ولن يعيش طويلاً، وأن جيميلوس مازال صغيراً جداً لتولي الحكم بمفرده. لذلك، وفي عام 35 ميلادي، جعل كاليگولا وجيميلوس وريثين مشتركين في وصيته. وكان ذلك قراراً بالغ الأهمية بالنسبة لمصير الإمبراطورية .

صعوده العرش
في السادس عشر من مارس/ آذار عام 37 ميلادي، توفي تيبيريوس، وأن مصادر عديدة أشارت إلى أن وفاته كانت طبيعية، لكن مصادر أخرى تشير إلى أن كلاً من كاليگولا وماكرو ربما عجّلا بها، حيث يُزعم أنهما قد خنقاه بأغطية سريره. وأيّاً كان الأمر ؛ فإن كاليگولا سُرعان ما نُصِّب إمبراطوراً. وقد حشّد أصدقاؤه المتنفذين في كاپري بمن فيهم ماكرو وحماه سيلانوس، الدعم اللازم له في كلٍّ من مجلس الشيوخ والجيش الروماني . وبفضل نفوذهم؛ حرم مجلس الشيوخ جيميلوس من وصية تيبيريوس حتى لا يضطر كاليگولا إلى تقاسم السلطة معه. وفي الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين من مارس، دخل كاليگولا روما، واستقبله مجلس الشيوخ الروماني الذي منحه على عجل "الحق المطلق في اتخاذ القرارات بكل شيء" ( هولاند، ص 259). وبذلك أصبح أول إمبراطور يحتكم على جميع سلطاته دفعة واحدة بدلاً من التدرج .
لم يكن يتجاوز عمر كاليگولا 25 عاماً عندما تولى السلطة،. إذ كان يتمتع بشعبية كبيرة في البداية؛ حيث بدأ عهده بجنازة فخمة لسلفه، ثم أقام العديد من الألعاب والعروض التي أسعدت الشعب الروماني . كما أعلن إنهاء محاكمات الخيانة التي كانت سمة مميزة لنظام تيبيريوس . وأطلق سراح معظم السجناء السياسيين الذين كانوا ينتظرون الإعدام . فقد قدّم نفسه كحاكم يهتم بشؤون الشعب من خلال إلغاء الضرائب الجائرة، وإنجاز مشاريع البناء غير المكتملة، ومنح كل مواطن روماني 150 سيسترتيوس (عملة فضية صغيرة وقيمتها ربع دينار روماني)؛ و يحصل رب الأسرة على ضعف هذا المبلغ . كما استحوذ على تعاطف الشعب بسفره إلى پانداتيريا لاستعادة رفاتي والدته وشقيقيه، وإعادتهما إلى روما ودفنهما في مقبرة أغسطس . وقد بدت الإمبراطورية مزدهرة خلال الشهور القليلة الأولى من حكم كاليگولا، التي وصفها بعض المؤرخين القدماء بالعصر الذهبي .

مرضه
فجأة وبصعوبة بالغة انقلب كل شيء رأساً على عقب. ففي منتصف أكتوبر/ تشرين الأول من عام 37 ميلادي ؛ أُصيب كاليگولا بمرض خطير، ولا يُعرف على وجه التحديد ما كان يعاني منه ( تشير بعض المصادر القديمة إلى أنه كان انهياراً عصبياً، بينما تذكر مصادر أخرى أنه كان مصاباً بالصرع أو بمرض آخر) . ولمدة شهر تقريباً، بدا أنه على وشك الموت.
خشي ماكرو ومعه سيلانوس من فقدان منصبيهما إذا مات الامبراطور، فسارعا للبحث عن خليفة له يسهل السيطرة عليه. وبطبيعة الحال، لجأوا إلى جيميلوس الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 18 عاماً ويحق له قانوناً تولي المنصب . وبينما كانوا يمهدون الطريق لتولي جيميلوس الحكم، تعافى كاليگولا بأعجوبة. إذ شعر الإمبراطور بالرعب عندما علم أن أقرب حلفائه قد تخلوا عنه في أضعف لحظاته. وبالنسبة لرجل كان على حافة الموت طوال معظم حياته، فإن تلك الخيانة لا تُغتفر في نظره .
كان جيميلوس أول من تلّقى عقابه. واتُهم الأمير الشاب التعيس بالخيانة، حيث زاره اثنان من كبار المسؤولين وأجبراه على تناول السمّ . ثم جاء دور ماكرو، الرجل الذي ربما بذل أكثر من أي شخص آخر لإنقاذ حياة كاليگولا في كاپري ورفعه إلى السلطة في روما.
في البداية، تظاهر الإمبراطور بمكافأة ماكرو من خلال تعيينه حاكماً مرموقاً على مصر؛ ولكن عندما وصل إلى أوستيا ليستقل سفينة إلى مصر، أُلقي القبض على ماكرو، وجُرِّد من منصبه، وأُجبر على الانتحار. ولم يبقَ سوى سيلانوس الذي كان على عكس الآخرين، حيث أدرك الخطر المحدق . وبعد أن علم أنه فقد مكانته لدى صهره؛ عاد إلى منزله وقطع لسانه. ولا شك أن سهولة تخلص كاليگولا من أقرب أقربائه وحلفائه أثارت قلق الكثيرين في مجلس الشيوخ . و بدون علمهم، كان الأسوأ لم يأتِ بعد .

استبداده
بدا للمدونين القدماء أن كاليگولا قد تغيّر سلوكه وطباعه بعد شفائه. ولم يعد يهتم في أن يكون حاكماً محبوباً؛ بل استسلم لأكثر نزعاته جنوناً وقسوةً وانحرافاً. وبدا هذا جلياً بشكل خاص في حادثة أتانيوس سيكوندوس، الفارس الذي تعهّد بحماقة في خوض المنافسة في حلبة المصارعة إذا منحت الآلهة كاليگولا الشفاء التام . ولا شك في أن أتانيوس قد نطق بذلك فقط لإرضاء الإمبراطور، ولكن كاليگولا لم يكن لديه صبر على التملّق المفضوح؛ فأجبره على الوفاء بوعده !. ولم يكن لدى أتانيوس المسكين أي فرصة أمام مصارع محترف ، وسرعان ما سُحبت جثته سحلاً من الحلبة.
كشفت معاملة كاليگولا لرجل رفيع المقام مثل أتانيوس عن ازدرائه للنظام الاجتماعي برّمته. فقد كانت لديه ضغينة خاصة للنخبة الرومانية؛ خشية التآمر عليه . وفي عام 38 ميلادي، أعاد العمل بمحاكمات الخيانة التي كان قد ألغاها في العام الذي قبله ؛ وأعاد اعتقال السجناء السياسيين الذين أطلق سراحهم، وكذلك العشرات ممن ارتكبوا مختلف المخالفات. ويذكر سويتونيوس أن كاليگولا أمر بتشويه وجوه العديد من ذوي المكانة الرفيعة بالحديد المحمّر اللاهب قبل إدانتهم بالعمل في المناجم، أو لتمزيقهم من قبل الاسود الضارية، أو حتى لشطرهم إلى نصفين . وعندما احتج أحد الفرسان بصوت عالٍ على براءته؛ أُلقيَ للاسود الجائعة في لحظة ؛ إلا أن كاليگولا قد أمر بإخراجه من الحلبة وقطع لسانه بيده وإعادته إليها مرة اخرى !. ويضيف سويتونيوس أنه عندما كان كاليگولا يعدم شخصاً ما، كان ذلك غالباً عن طريق إحداث جروح متكررة وعميقة بحيث "يموت الرجل وهو يعلم أنه يُوضع على النصل" (سويتونيوس، گايوس ص 29).

بدا أن كاليگولا كان يستمتع كثيراً عندما يعذب أثرياء روما وأصحاب النفوذ. ففي إحدى المرات، وبينما كان يتناول العشاء مع مستشاريه، انفجر ضاحكاً فجأة؛ وعندما سُئل عن سبب ضحكه، أجاب أنه يضحك لمجرد فكرة "بإيماءة واحدة منّي أستطيع أن أقطع لسان أي واحد منكم هنا والآن ! " (سويتونيوس، گايوس ،ص 33). وفي مناسبة أخرى، أهان عمه كلوديوس عضو مجلس الشيوخ، ذلك عندما ألقى به في النهر. وبالطبع، هناك أيضاً الحادثة الشهيرة التي هدّد فيها كاليگولا بتعيين حصانه المفضل إنسيتاتوس مستشاراً. ورغم أن هذه الحادثة تعدّ تقليدياً كدليل على جنون الإمبراطور؛ فمن المرجح أنه كان يقصدها كمزحة للسخرية من المنصب، وكأنه يقول: " أيها المستشارون؛ انتم عديمو الفائدة، لذا من الأفضل أن أعين حصاناً بدلاً منكم". ولكن الطريقة الأكثر وضوحاً التي أكد كاليگولا بها سلطته على مجلس الشيوخ؛ كانت بالإعلان عن نفسه في أنه إلهاً ومطالبته أعضاء المجلس بعبادته على هذا الأساس !

شقيقاته وزوجاته
اشتهر كاليگولا بحبه الشديد لشقيقاته الثلاث: أگريپينا الصغرى ، وجوليا دروسيلا، وجوليا ليڤيلا. فقد مررن معاً بالكثير، ونجون من هلاك عائلتهن خلال أيام حكم تيبيريوس المظلمة. وفي بداية عهده، أغدق كاليگولا عليهن بالكرم والامتيازات، حتى أنه سكّ عملات معدنية تصوّرهن كآلهة. وكان مولعاً بشكل خاص بـ دروسيلا، التي ربما أحبها أكثر من أي شخص آخر في حياته. بل إن بعض المصادر القديمة تتهمهما بعلاقة محرّمة (مع العلم أن هذه الشائعات لم تظهر إلا بعد عقود من وفاته).
زوّج كاليگولا شقيقته دروسيلا من صديقه المقرّب ماركوس إيميليوس ليپيدوس، حفيد شقيق الحاكم الأسبق والذي يحمل اسمه، وأُشيع أيضاً أنه أقام علاقة غير اخلاقية معه. وفي عام 38 ميلادي، أعلن كاليگولا ليپيدوس وريثاً له، لكنه في الحقيقة كان قد عهد بالإمبراطورية إلى دروسيلا . لذلك، يمكن للمرء أن يتخيل مدى حزن كاليگولا عندما توفيت دروسيلا في وقت لاحق من ذلك العام نفسه.
كان الحزن يغمره لدرجة أنه لم يستطع حتى حضور جنازتها، فقضى وقته منعزلاً في قصره الريفي . وعندما عاد إلى روما، أُعلنت دروسيلا إلهة رسمياً، ونُصبت لها تماثيل ذهبية في مجلس الشيوخ ومعبد ڤينوس جينيتريكس . ولكن حتى وهو حزين على شقيقته، كان كاليگولا يتزوج نساءً جدد. ويُرجح أن زوجته الأولى كلوديلا قد توفيت عام 37 ميلادي . وبعدها، تزوج مرتين أخرتين، لكنه طلّق كلتيهما بسرعة؛ الأولى لأنها أبقت على علاقتها مع زوجها السابق، والثانية لأنها كانت لا تُنجب . أما زواج كاليگولا الرابع الأكثر استقراراً كان من امرأة تُدعى كايسونيا .لم يستطع المدونون القدماء فهم افتتان كاليگولا بكايسونيا، التي وصفوها بأنها امرأة غير جذابة ذات سمعة سيئة في العيش المترف وانحطاط الأخلاق . ويبدو أن كاليگولا نفسه لم يفهم ذلك، وقال ذات مرة إنه شعر برغبة في تعذيبها ليكتشف سبب حبه الشديد لها. وأيّاً كان الأمر، فقد أنجبت له ابنته الأولى والوحيدة، و سمّاها جوليا دروسيلا تيمناً بشقيقته الراحلة .

حملاته العسكرية
في أواخر عام 39 ميلادي، وصل كاليگولا إلى ألمانيا لتولي قيادة فيالق الراين . وبعد أن نجح في ترهيب مجلس الشيوخ وإخضاعه له؛ سعى بنفسه للسير على خطى والده بتحقيق انتصارات عسكرية؛ إلا أن افتقاره للخبرة ومهارات القيادة العسكرية ؛سرعان ما انتهت حملته الباهتة ضد القبائل الجرمانية بالفشل، وتبرير هزيمته بالعودة إلى عاداته القديمة، وتحديداً اتهام قادته بالخيانة. فقبض أولاً على گايتوليكوس أحد جنرالاته، بتهمة التآمر وأمر بإعدامه. كما وقع ليپيدوس أيضاً تحت طائلة الشك بالخيانة، وأُجبر على الانتحار في سقوط مدوٍّ لرجل كان قبل فترة وجيزة وريث الإمبراطور وربما عشيقاً له. كما ساءت علاقة كاليگولا بشقيقتيه الأخرتين ، فنفاهما قبل أن يعرض ممتلكاتهما في مزاد علني . وهكذا، زادت شكوك كاليگولا المرضية من عزلته.
في عام 40 ميلادي، ضمّ كاليگولا موريتانيا إحدى أهم الممالك التابعة لروما في شمال أفريقيا . وبعد هذا النجاح، بدأ يخطط لغزو بريطانيا ؛ بل وجنّد فيلقين جديدين لهذا الحدث، ولأسباب مختلفة لم يُكتب النجاح لذلك الغزو. ورغم أن المصادر القديمة تُلقي باللوم على تخاذل كاليگولا نفسه، إلا أنه من المرجح أن يكون الجنود قد تمرّدوا عليه ؛ فالقصة الشهيرة عن كاليگولا وهو يُجبر رجاله على جمع الأصداف من الشواطئ ربما كانت نوعاً من التأديب. وفي وقت لاحق من ذلك العام، كان الإمبراطور مصمماً على الاحتفال بسنوية اعتلائه العرش ؛ فأمر ببناء جسر عائم ضخم من منتجع بايا عبر خليج ناپولي . وخلال احتفال بهيج استمر يومين، عبركاليگولا الجسر مرتدياً ما يُفترض أنه درع الإسكندر الكبير . وربما كان هذا ردّاً مبالغاً به على نبوءة ثراسيلوس في أن احتمالية تولي كاليگولا منصب الإمبراطور لا تقل عن احتمالية عبوره البحر!

اغتياله
لم يقتصر كاليگولا على توجيه سخريته اللاذعة إلى أعضاء مجلس الشيوخ فحسب؛ بل حتى إلى أقرب الناس إليه . فقد كان كاسيوس چايريا عضواً في الحرس الپريتوري، ومحارباً مخضرماً على حدود نهر الراين، وكثيراً ما نفذّ مهام قذرة بأوامر من الإمبراطور. ورغم ضخامة بنيته؛ كان چايريا يتمتع بصوت أنثوي ناعم . وكان كاليگولا يسخر منه باستمرار واصفاً إياه بالمخنّث . وكان الإمبراطور يناديه بـ"يا فتاة" ويزوّده بكلمات سرّية تهدف إلى إهانة رجولته ؛ مثل "ڤينوس"؛ ولكن في النهاية طفح الكيل بچايريا .
ففي يوم 24 يناير/ كانون الثاني من عام 41 ميلادي، وبينما كان كاليگولا يمشي عبر رواق جانبي بالقرب من قصره، اقترب منه چايريا وقائد پريتوري آخر واسمه كورنيليوس سابينوس ؛ وكما جرت العادة، سأله چايريا عن كلمة اليوم السرية، وعندما أجابه كاليگولا بكلمة مهينة، رفع چايريا سيفه فجأة وهوى به على كتف الإمبراطور؛ إلا أن الضربة لم تكن قاتلة ؛ فاتسعت عينا كاليگولا من الصدمة، وتدفق الدم من جرحه، فترنح إلى الأمام، إلا أن سابينوس أمسك به وأطبق على رقبته بوضعها بين ركبتيه. وواصل الإثنان طعن الإمبراطور حتى فارق الحياة، وتشوّه جسده لدرجة كان يصعب معها التعّرف عليه. ثم حاصر القائدان زوجة كاليگولا، كايسونيا التي كانت تحتضن ابنتها. تقبّلت كايسونيا مصيرها بصبر قائلةً للرجال: "أنهوا الفصل الأخير من هذه المسرحية" ( هولاند،ص 293). ففعلوا ذلك؛ أولاً بقطع رقبتها، ثم بضرب رأس ابنتها بالحائط حتى تناثرت أشلاؤها. ومع موت كاليگولا، لاحت بارقة أمل في إمكانية استعادة الجمهورية الرومانية . لكن هذه الآمال سرعان ما تبددت عندما أعلن القصر الإمبراطوري في أن عمّ كاليگولا، "كلوديوس" سوف يكون هو الإمبراطور الجديد ؛ حيث شِيع أنه وُجد مختبئاً خلف ستار تلك المذبحة.

لم يتجاوز عمركاليگولا الثامنة والعشرين عندما اغتيل، وقد خُلّد اسمه كواحد من حكام التاريخ المجانين، وأصبح اسمه مرادفاً للعنف المفرط والاستبداد. ورغم أن هذه السمعة مستحقة إلى حد ما، إلا أن من المهم أن نتذكر في أن معظم من كتبوا عنه كانوا من أعضاء مجلس الشيوخ الذين كانوا على خلاف معه ، وكانت لديهم دوافع قوية لتشويه سمعته . ورغم أننا قد لا نعرف الكثير عن حقيقة كاليگولا، إلا أن اسمه وأفعاله سيظلان حاضرين بقوة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية ..



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماري بيرد ـ إمبراطور روما ـ لايڤرايت للنشر ـ 2023 .
توم هولاند ـ السلالة : صعود وسقوط بيت القيصر ـ ڤنتج للطباعة والنشر ـ 2016 .
باري ستراوس ـ عشرة قياصرة ـ الأباطرة الرومان من أغسطس إلى قسطنطين ـ سايمون وشوستر للنشر ـ 2020 .
سويتونيوس ( المؤلف) ، توم هولاند ( المترجم ) ـ حياة القياصرة ـ پنگوين كلاسكس ـ 2025 .



#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلاد سومر في التأريخ
- حفلة الرجال المحترقين
- السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
- أعمال السحر عند الإغريق والرومان
- رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة
- قرنان من التمرّد ضد أقوى إمبراطورية في العالم ( الصراع بين ا ...
- مَن كان ملكاً ومَن لم يكن ملكاً في قائمة الملوك السومريين
- عيد الحب ( ڤالنتاين )
- ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
- الممثل الذي قتل الرئيس !!
- أصل وتاريخ نظام التقويم الغربي
- يمّ الإله الفينيقي ـ الكنعاني
- الشطرنج لعبة ذكاء عمرها 1500 عام
- حكاية الهنود السيوكس عن هبة نبات الذِرة
- المناشڤة والبلاشڤة
- يوم الموتى
- الغنوصيون الكاثاريون
- حملة الملك الآشوري سرگون الثاني على مملكة أورارتو
- الطائفة الزورڤانية الفارسية
- الملك البابلي نبوخذنصّر الثاني


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - كاليگولا الامبراطور المجنون !