أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - السلالات المبكرة في بلاد الرافدين















المزيد.....


السلالات المبكرة في بلاد الرافدين


عضيد جواد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 8667 - 2026 / 4 / 4 - 17:36
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تُعد فترة السلالات المبكرة في بلاد الرافدين المصطلح الآثاري الحديث لتسمية تلك الحقبة من التاريخ والتي تمتد من حوالي عام 2900 إلى حوالي عام 2350/2334 قبل الميلاد ؛ والتي شهدت بعضاً من أهم التطورات الحضارية، بما في ذلك ظهور المدن ، وتطوير الكتابة ، وإنشاء الحكومات. وسبقت تلك الحقبة فترة أوروك (حوالي عام 4000-3100 قبل الميلاد) عندما تم إنشاء المدن الأولى في منطقة سومر، وتلتها الفترة الأكدية (عام 2350/2334-2154 قبل الميلاد) عندما استولى الملك سرگون الأكدي على جميع الأراضي (حكم 2334-2279 قبل الميلاد) وحكمها هو وخلفاؤه كإمبراطورية أكدية .

لقد صاغ المستشرق هنري فرانكفورت (عام 1897-1954م) المصطلح الرافديني "عصر السلالات المبكرة" وعكسه على بلاد النيل ، وهي فترة تطور مماثلة لبلاد الرافدين . والجدير بالذكر إلى أن تطورات عصر السلالات المبكرة في بلاد الرافدين اختلفت عن مثيلتها في بلاد النيل بجوانب جوهرية، لا سيما أن بلاد الرافدين وحتى في ظل حكم الملك سرگون أو الإمبراطوريات اللاحقة ؛ لم تكن فيها قط أية كيانات عرقية أو سياسية متماسكة كما في بلاد النيل، وأن أنماط التطور الحضاري المنسوبة إلى هذه الفترة لم تكن متجانسة كما كانت في بلاد النيل .
كانت دويلات ـ المدن في سومر طوال جزء كبير من تاريخها تُحكَم كل منها بشكل مستقل وليست موحدة تحت حكم ملك واحد كما هو الحال في بلاد النيل . لذلك ربما تكون مدينة مثل أوروك أو أور قد طورت بعض التقدم الحضاري المهم الذي لم يتم مشاركته (على الأقل ليس بسهولة) مع المدن الأخرى . ويقسّم علماء الآثار هذه الحقبة إلى ثلاث فترات فرعية :
عصر السلالات الأول – عام 2900-2750/2700 قبل الميلاد .
العصر السلالات الثاني – عام 2750/2700-2600 قبل الميلاد .
العصر السلالات الثالث – عام 2600-2350 قبل الميلاد .
ويعتبر بعض العلماء والمؤرخين هذه التقسيمات كيفية، إذ لا يوجد خط فاصل واضح بينها. ومع ذلك، يوجد فرق دقيق كافٍ لتبرير هذا التقسيم .

فترة أوروك
تُعدّ فترة العُبيد (حوالي عام 6500-4000 قبل الميلاد) أقدم حقبة في تاريخ بلاد الرافدين، ولكن لا يُعرف عنها الكثير. كما أن أصول شعب العُبيد غامضة (الذين سُمّوا بهذا الاسم نسبةً إلى موقع تل العُبيد الحالي، حيث عُثر على أهمّ آثار هذه الحضارة ) . ولأنهم لم يتركوا أيّ وثائق او سجلات مكتوبة؛ فإنّ المعلومات القليلة التي يملكها علماء الآثار عنهم مستقاة من فخّارياتهم وأعمالهم الفنية.
وكان شعب العُبيد قد انتقل بالفعل من مجتمع يعتمد على الصيد وجمع الثمار إلى الثقافة الزراعية، وأسس مجتمعات ريفية صغيرة قبل ظهور سومر.
تطورت تلك القرى خلال فترة أوروك ، وأصبحت مع مرور الزمن أولى المدن . ومن أبرز إنجازات هذه الفترة إلى جانب التوسع الحضري ؛ العمارة الضخمة (حوالي عام 3500-3300 قبل الميلاد، ولا سيما الزقورة )، وتطوير الأختام الأسطوانية (حوالي عام 3600 قبل الميلاد، على الرغم من أن النموذج الأساسي للختم كان معروفاً آنذاك)، والكتابة (حوالي عام 3600-3500 قبل الميلاد)، واللغة المكتوبة (حوالي عام 3200 قبل الميلاد) التي تتجلى في قوائم المُفردات (وهي في الأساس قواميس كتابية للرموز المسمارية ومعانيها باللغات السومرية والأكدية والحثّية )، والمجالس الحكومية. وقد بلغت هذه الإنجازات ذروتها خلال فترة السلالات المبكرة .

عصر السلالات المبكر الأول
بين فترة أوروك وبداية عصر السلالات ، فاضت الأنهار المحيطة بمدينة شوروپاك، مما تسبب بفيضانات عارمة امتدت من السهول الجنوبية إلى الشمال . ويُعتقد أن هذا الحدث الذي ألحق ضرراً بالغاً بالمجتمع؛ هو أصل قصة الطوفان الكبير التي وردت في تكوين إريدو و أطراهاسيس ، وهما من الأعمال الأدبية الرافدينية التي تُعرف اليوم بأنها مصدر إلهام لقصة نوح وسفينته الشهيرة في الكتاب العبري ، حيث يُصوَّر الطوفان على أنه غضب الآلهة . ولا يزال التاريخ الدقيق لذلك الطوفان محل خلاف، لكن معظم العلماء يُرجِّحونه إلى حوالي عام 2900 قبل الميلاد.
المدن التي كانت موجودة قبل الطوفان، وحسب قائمة الملوك السومريين ، هي :
إريدو، باد - تيبرا، لارسا، سيپار، شوروپاك .
أمّا المدن التي أُنشئت بعد الطوفان هي :
أداب ، أكشاك، أوان، همازي، كيش، لگش، ماري، نيپور، أومّا ، أور، أوروك .

تُشير قائمة الملوك السومريين شبه الأسطورية ؛ وهي وثيقة كُتبت خلال فترة أور الثالثة (حوالي عام 2112 إلى عام 2004 قبل الميلاد) ، إلى أن أول مدينة أسستها الآلهة كانت إريدو، وأن أول ملك كان ألوليوم الذي حكم لمدة 28800 عام . ويُنسب إلى معظم الملوك الذين خلفوا ألوليوم فترات حكم غير واقعية. أما أول ملك يُعتبر تاريخياً في القائمة فهو إتانا ملك كيش، المعروف من خلال أسطورة إتانا ، وهي عمل ينتمي إلى أدب نارو في بلاد الرافدين، حيث حلّق إتانا إلى السماء على ظهر نسر لتحقيق أمنيته من الآلهة.
وتشير قائمة الملوك السومريين إلى أن الحكم انتقل من إريدو إلى مدن أخرى، وقد وُضعت القائمة لإنشاء سلسلة متصلة بين الحكم الحالي والماضي العريق وصولاً إلى إريدو. وتُعدّ تواريخ معظم هؤلاء الملوك موضع شك، كما أن مدة حكمهم غير مؤكدة، لكن من الواضح أن مدن بلاد الرافدين شهدت تطوراً مطرداً منذ تأسيس إريدو حوالي عام 5400 قبل الميلاد وحتى نهاية العهد السومري المبكر الأول .
كما ذُكرأيضاً، على أن تلك المدن قد نشأت من قرى صغيرة متراصّة، بيد أن كيان تلك القرى ( كما اتضح من الوثائق الإدارية) ؛ كان تنظيماً اجتماعياً يُعرف باسم "السلالة ". ويوضح البروفيسور مارك ڤان دي ميروپ ذلك كما في المقطع أدناه :
"كانت السلالات تشكل وحدات اجتماعية أكبر من الأُسر المتناثرة ، حيث يعيش أفرادها معاً . ومن أهم سمات السلالة أنها كانت بمثابة وحدة إنتاج واستهلاك واحدة، إذ كانت معظم السلع اللازمة لبقائها تُنتج من داخلها. وربما نشأت السلالات من جماعات قرابة مستقلة اقتصادياً، ثم اندمجت لاحقاً لتشكل مجتمعات تتمحور حول ملك أو إله ." (ص55)
كانت السلالات مرتبطة إما بإله المدينة (المُمثَل بالمعبد في أعلى الزقّورة)، أو بالملك، أو الملكة، أو بشخص ذي ثروة وسلطة كبيرتين . وكانت كل سلالة تمتلك أرضها وممتلكاتها الخاصة (مثل القوارب والأدوات) بشكل مشترك ( مشاعة). وفي فترة أوروك، كان الكهنة هم الحكّام الفعليين، و نظام الملكية كان قد ترسخ بحلول عام 3600 قبل الميلاد تقريباً . وبحلول عصر السلالة الأولى، كان هذا المنصب راسخاً تماماً؛ حيث يتولى الملك شؤون الشعب، وكبير الكهنة يتولى شؤون إله المدينة. أما الكهنة الأدنى مرتبة فكانوا يعملون في المعبد لتلبية احتياجات الشعب اليومية .
كان لكل سلالة نفس التسلسل الهرمي بدءاً من الملك في القمة، ثم الملكة (التي كانت تمتلك أحياناً حاشيتها الخاصة)، ثم كهنة إله المدينة، ثم الجيش، ثم الإدارة الحكومية، ثم طبقة التجار والحرفيين (العمال الماهرون)، وأخيراً العمال غير الماهرين (العمال اليدويون) في أسفل الهرم . وكان العمال يتقاضون أجورهم عبر حصص غذائية يوزعها مسؤول الملك أو الملكة أو المعبد، وكانت هذه الحصص تتكون عادةً من الشعير والصوف والزيت. كما كان الناس يصطادون السمك ويزرعون حدائقهم الخاصة لزيادة دخولهم. ويشير البروفيسور مارك ڤان دي ميروپ الى الحصص الغذائية المُقدمة قائلاً :
"من الواضح أن هذه الحصص الغذائية كانت بمثابة الدعم المقدّم لأفراد السلالة المُعالين، سواء كانوا يعملون أم لا. وكانت الكميات تُقدم وفقاً لجنس العامل ووضعه الاجتماعي؛ حيث كان العامل الذكر يحصل عادةً على ضعف كمية الحبوب التي تحصل عليها العاملة الأنثى، وكان المشرفون يحصلون على أكثر مما يحصل عليه مرؤوسيهم، والحرفيون المتخصصون أكثر مما يحصل عليه العمال غير الماهرين، وهكذا." (ص57)
على الرغم من أن النساء السومريات تمتعن بحقوق متساوية تقريباً، إلا أن هذا المعيار لم يشمل الطبقات الدنيا، التي كانت تتمتع بحقوق أقل عموماً.
وحافظت السلالات على سياساتها وممارساتها مع تطور المدن الأولى في عصر السلالات الأول، وتحولها إلى دول ـ مدن قوية في عصر السلالات الثاني .

عصر السلالات المبكر الثاني
شهد عصر السلالات الثاني تطور تلك الإنجازات السابقة مع توسع المدن . وتحسنت التكنولوجيا، وحافظ التشكيل السلالي على بنية متماسكة للثقافة النامية. ويشير البروفيسور ولفرام ڤون سودن إلى ذلك وكما في المقطع أدناه :
" [استندت الثقافة على] تشكيل مجتمع قائم على تقسيم العمل الذي حرر مجموعات كبيرة من السكان مثل؛ الحرفيين والتجار والعاملين في المجال الديني والإداري؛ من إنتاج الغذاء، فضلاً عن التكنولوجيا المتقدمة لإنتاج الأواني الطينية باستخدام دولاب الفخار وتطويع المعادن والإنتاج الواسع للأشياء التي تستخدم بكثرة." (ص 15)
أتاح الاستقرار للتوسع الثقافي الذي وفرّه التقليد السلالي ، الأمر الذي استلزم الاختراع والابتكار. فقد تم إنتاج الخزف والمعادن بكميات كبيرة، بينما أصبحت المجوهرات المصنوعة من الأحجار الكريمة سلعة أساسية للطبقة العليا، وكذلك الأقمشة الفاخرة التي ينسجها العمّال .
نجح هذا النموذج مع الطبقة العليا. والمنتجات المصنعة بكميات كبيرة كالخبز والأقمشة المنسوجة، أصبحت سلعاً تجارية مربحة ؛ لكن هذه الثروات لم تصل قط إلى عمّال الطبقة الدنيا الذين أنتجوا تلك السلع والبضائع . وأوضح البروفيسورميروپ ذلك ، وكما يلي :
" كانت غالبية العمالة تقوم بأعمال يدوية متكررة. والنساء يُستخدمن بشكل خاص في الطحن والنسيج. وكان الطحن في ذلك الوقت عملاً شاقاً يتطلب هرس الحبوب ذهاباً وإياباً على لوح حجري باستخدام حجر يدوي صغير. وكان من المفترض أن تنتج النساء حصصاً محددة يومياً من الأقمشة. وقد تصل حصص النسيج بسهولة إلى مترين مربعين يومياً ؛ وكانت تلك أعمالاً شاقة، قد تؤدي إلى إصابات جسدية، كما اتضح ذلك من هياكل النساء العظمية المدفونة في المقابر." (ص58)

مع ازدياد ثروات المدن وقوّتها؛ اجتذبت المزيد من الناس من المناطق الريفية. كما وفرّت المدن الحماية من الغزاة وتجار الرقيق وتقلبات الطقس، بالإضافة إلى توفير فرص العمل التي بدت في البداية على الأقل أفضل من محاولة كسب الرزق كمزارع مستقل. أما أولئك الذين بقوا في المجتمعات الريفية، فقد تُركوا أمام عبء توفير نفس كمية الحبوب على الأقل للمدن ؛ ثم أكثر بزيادة مما كانوا يقدمونه من قبل . وأشارت البروفيسورة گوندلين ليك إلى ذلك :
" مع ازدياد حجم المدينة وتزايد عدد سكانها، وجذبها المزيد من الناس الراغبين في الفرار من مشقة الزراعة للمعيشة ، وربما أيضاً من ضيق أفق المجتمعات التقليدية؛ ازدادت الضغوط على سكان الريف المتبقين . ويبدو أن التوتر والاضطرابات قوبلت بقمع عنيف؛ إذ تُظهر مشاهد مصورة على الأختام وغيرها من الأشياء مجموعات من السجناء وأيديهم موثقة خلف ظهورهم ." (ص55)

تُصوّر هذه المشاهد بوضوح مواطنين عاديين لا أسرى أغراب مُستعبدين، إلا أنه لم يُتخذ أي إجراء لوقف هذه الممارسة بسبب النمط السلالي نفسه الذي كان يُشكّل ركيزة المجتمع . فقد كان رؤساء الأسر من الطبقة العليا يمتلكون عقارات واسعة، وكان من المتوقع أن ينتج العمال في تلك الأراضي وفقاً لتوقعات رؤسائهم . وقد اصبح ذلك عبئاً هائلاً على العمال لدرجة أنهم رأوا العمل الروتيني الممل في المدينة أفضل منه . علاوة على ذلك، وكما تشير ليك؛ "... تغير المناخ بحيث انخفضت كمية المياه التي تحملها الأنهار بشكل كبير، وربما دفع ذلك المزيد من الأفراد إلى البحث عن سُبل البقاء في المدينة" (ص 55). كما تنافست كل مدينة مع الأخرى في النمو السكاني. ومع ازدياد ثراء المدن، ازدادت رغبتها في الأكثر.
في حوالي عام 2700 قبل الميلاد، قاد إنميباراگيسي حاكم كيش المدن السومرية في حرب ضد عيلام (أول حرب في التاريخ المُدوّن) وهزم العيلاميين، وعاد بالغنائم إلى سومر. ذلك هو مثال على تعاون دول ـ المدن لتحقيق أهداف مشتركة، ولكن كما يرى خبير السومريات البروفيسور صموئيل نوح كريمر، فقد كانوا بحاجة إلى إيجاد طريقة للقيام بذلك ( بشكل فردي وجماعي ) قبل الحرب بزمن طويل،. وكانت هذه الحاجة للتعاون في الواقع هي التي أدت إلى ظهور دول ـ المدن في المقام الأول :
" رغم تقدير السومريين للفرد وإنجازاته ، إلا أن هناك عاملاً أساسياً عزز روح التعاون بين الأفراد والمجتمعات على حد سواء ، وهو اعتماد سومر الكامل على نظام الرّي لتحقيق رفاهيتها؛ بل ولضمان وجودها. فالرّي عملية معقدة تتطلب جهداً جماعياً وتنظيماً دقيقاً. وكان لا بد من حفر القنوات وصيانتها باستمرار، وتوزيع المياه بشكل عادل بين جميع المستفيدين . ولضمان ذلك، كان من الضروري وجود سلطة أقوى من مالك الأرض أو حتى من المجتمع المحلي، ومن هنا نشأت المؤسسات الحكومية وظهور الدولة السومرية.( السومريون ،ص 5)
عندما اضطرت المدن إلى ذلك؛ تعاونت مع بعضها وتمكنت من تحقيق أهدافها. ولكن بصرف النظر عن التعاون الضروري للبقاء ( والذي يشمل الاتفاقيات التجارية ) سعت المدن إلى تحقيق مصالحها الذاتية على حساب الآخرين في الغالب .

عصر السلالات المبكر الثالث
شهد عصر السلالات المبكرة الثالث صعود كيش في الشمال وأوروك في الجنوب كقوتين سياسيتين مهيمنتين . وهذه هي الحقبة التي تتوفر فيها أفضل الأدلة التاريخية والأثرية عن الملوك. ولكن ومع ذلك، لا تزال سلالات بعض المدن مثل لگش ، غير مدرجة في قائمة الملوك السومريين. وغالباً لا تتطابق تواريخ تلك القائمة لملوك آخرين مع التواريخ الواردة في الوثائق الأخرى أو السجل الأثري .
فعلى سبيل المثال؛ ورد ذكر ملوك أوروك العظام، مثل مشكيانگاشر، وإنمركار (الذي قيل إنه مؤسس أوروك)، ولوگالباندا، ودوموزي، والملك گلگامش ، في بداية عصر السلالات المبكر الثالث، حوالي عام 2600 قبل الميلاد، غير انهم مرتبطون أيضاً مع حكّام سابقين مثل إنميباراگيسي وملوك لاحقين مثل إياناتوم (حكم حوالي عام 2450 قبل الميلاد). ويبدو أنه لا يوجد ما يوفق بين هذه الاختلافات في التسلسل الزمني .
أسس أورـ نانشي ، أول ملوك السلالة الأولى في لگش، مملكة لگش كقوة سياسية عظمى، وواصل ابنه إياناتوم سياساته وغزا سومر بأكملها. واستعان إياناتوم بإلهي لگش و إنليل (إلهها الحامي) ونينورتا (إله الحرب)، وقاد جيوشه ضد دويلات ـ المدن الأخرى، فغزا سومر بأكملها، بما فيها أوروك وكيش، ثم زحف على العيلاميين واستولى على أجزاء كبيرة من أراضيهم . وبحلول نهاية غزواته ، كان قد أسس أول إمبراطورية في بلاد الرافدين، والتي تألفت في معظمها من دويلات ـ المدن التابعة لملوك سابقين. إلا أن إمبراطوريته واجهت تحديات بعد وفاته بفترة وجيزة ، ولم يتمكن خلفاؤه من الحفاظ عليها.
من بين أكثر الملوك إثارةً للاهتمام ( وغموضاً) الذين قيل إنهم حرروا مدنهم من إمبراطورية لگش، تبرز الحاكمة الوحيدة في قائمة الملوك السومريين؛ الملكة كوبابا (المعروفة أيضاً باسم كوگ - باو)، مؤسسة السلالة الثالثة في كيش . وتصفها قائمة الملوك السومريين بإيجاز بأنها "صاحبة الحانة التي رسّخت دعائم كيش". حيث يبقى الأمر مجهولاً من هي!، ومن أين أتت!، وكيف وصلت إلى السلطة!
كان ابنها پوزور- سوين، وحفيدها أور- زابابا، ملِكَين ناجحين، وقد تم تأليه كوبابا نفسها بعد وفاتها. وفي الواقع، فقد أثرت عبادتها على إلهة الحوريين اللاحقة ( هيپت)، وعلى الإلهة الأم الفريگية Phrygian mother goddess (وليس الفريجية !) الشهيرة ماتار كوبيليا (الأم سيبيل )، التي عبدها الإغريق الأيونيون في الأناضول ( قيليقيا) تحت مسمّى "سيبيل" .

العصر الأكدي
مهما كانت إنجازات أور- زابابا حفيد الملكة كوبابا ، إلا أنها طغت عليها الأساطير التي دوّنت عهد الرجل الذي دخل التاريخ بصفته ساقي الملك. حيث تزعم قصة سرگون الأكدي ( التي يعتبرها العلماء رواية أسطورية للأحداث ) أنه وُلد في الشمال، باعتباره ابناً غير شرعي لـ"مُبدَّل / بمعنى إنسان خرافي"، أنجبته سراً ثم وضعته في سلة من القصب على النهر، فوصل إلى مدينة كيش، حيث عثر عليه بستاني الملك المسمّى أكّي . نشأ سرگون في القصر وارتقى إلى منصب ساقي للملك أور- زابابا المرموق، الذي كان المُفضّل لديه ؛حتى رأى الملك حلماً مزعجاً يُشير إلى أن سرگون سوف يُطيح به.
في نفس الفترة تقريباً، شرع ملك مدينة أومّا ، لوگال ـ زاگيسي، في حملة غزو لتوحيد سومر تحت حكم واحد ( هو نفسه) كما فعل الملك إياناتوم من قبل . إذ أرسل أور- زابابا الساقي سرگون مأموراً إلى الملك لوگال ـ زاگيسي الذي كان يزحف نحو مدينة كيش. ولكن حسب الأسطورة، يطلب من لوگال ـ زاگيسي ملك أومّا أن يقتل سرگون! غير أن سرگون أثار إعجاب ملك أومّا لدرجة أن الملك تجاهل الطلب ، وأراد من سرگون الانضمام إليه. ثم زحفا معاً نحو كيش واستوليا عليها؛ وهرب أور- زابابا من المدينة، ولم يُعرف عنه شيء إلى الآن .
بعد ذلك بوقت قصير، انقلب سرگون على مُنقذه الملك لوگال ـ زاگيسي وهزمه، وقاده مكبّلاً بالسلاسل مع حبل حول عنقه إلى مدينة نيپور، حيث أُهين علناً بالدخول عبر البوابة المقدسة للإله إنليل ( الذي كان لوگال ـ زاگيسي يؤمن به لتحقيق النصر) . ثم، وعلى الأرجح أنه قد أُعدم علناً . بعد ذلك، أعلن سرگون نفسه ملكاً ، وواصل غزو أراضي بلاد الرافدين بأكملها، وأسس الإمبراطورية الأكدية ؛ أول كيان سياسي متعددة القوميات والأعراق في التاريخ .

تُنهي الإمبراطورية الأكدية عصر السلالات المبكرة، لكن على عكس ما تباهى به سرگون لاحقاً والأساطير التي نُسجت حوله، إذ لم يكن ليُؤسس إمبراطوريته لولا الأساس الذي وضعه أسلافه. وفي الواقع، فقد تمثلت أعظم نقاط قوة سرگون في التعلّم من أخطاء الغزاة السابقين وتعيين أشخاص يثق بهم في مناصب السلطة لدى جميع أنحاء إمبراطوريته، بمن فيهم ابنته إنهيدوانا (حوالي عام 2300 قبل الميلاد)، رئيسة الكهنة لمعبد إنانا في مدينة أور، وأول مؤلفة في التاريخ تُعرف باسمها، بالإضافة إلى إرسال مسؤولين موثوق بهم بشكل دوري إلى جميع أنحاء مملكته للحفاظ على النظام السياسي .
حذت الإمبراطوريتان الآشورية والرومانية لاحقاً حذو سرگون في مجال الحكم المتماسك. ورغم أن ذلك النموذج من الحكم قد وضعه ملوك سومر في عصر السلالات المبكرة؛ إلا أن هؤلاء الملوك أسسوا مجتمعات فيها نقاط ضعف وقوّة ، والتي ساهمت بتطور العديد من الجوانب الأساسية للحضارة التي نعتبرها اليوم من المسلّمات ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ستيفن بيرتمان ـ دليل الحياة في بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2005 .
جيريمي بلاك ـ أدب سومر القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2006 .
جان بوتيرو ـ الحياة اليومية في بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة جونز هوبكنز ـ 2001 .
صموئيل نوح كريمر ـ التاريخ يبدأ من سومر ـ طباعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988 .
صموئيل نوح كريمر ـ السومريون : تاريخهم ، ثقافتهم ، شخصياتهم ـ طباعة جامعة شيكاغو ـ 1971 .
پول كريڤاشيك ـ بلاد الرافدين القديمة ومولد الحضارة ـ سانت مارتنز كريفن للنشر ـ 2012 .
گوندلين ليك ـ بلاد الرافدين القديمة من الألف إلى الياء ـ سكيركرو للطباعة ـ 2010 .
ڤان دي ميروپ ـ التاريخ في الشرق الأدنى القديم ـ وايلي & بلاكويل للنشر ـ 2015 .
ولفرام ڤون سودن ـ الشرق القديم ـ إردمانز للنشر ـ 1994 .



#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أعمال السحر عند الإغريق والرومان
- رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة
- قرنان من التمرّد ضد أقوى إمبراطورية في العالم ( الصراع بين ا ...
- مَن كان ملكاً ومَن لم يكن ملكاً في قائمة الملوك السومريين
- عيد الحب ( ڤالنتاين )
- ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
- الممثل الذي قتل الرئيس !!
- أصل وتاريخ نظام التقويم الغربي
- يمّ الإله الفينيقي ـ الكنعاني
- الشطرنج لعبة ذكاء عمرها 1500 عام
- حكاية الهنود السيوكس عن هبة نبات الذِرة
- المناشڤة والبلاشڤة
- يوم الموتى
- الغنوصيون الكاثاريون
- حملة الملك الآشوري سرگون الثاني على مملكة أورارتو
- الطائفة الزورڤانية الفارسية
- الملك البابلي نبوخذنصّر الثاني
- أرض الأمريكيين الأصليين وحكاية التلّ الغامض
- روايات قدماء السود الهاربين إلى كندا
- الأديرة البوذية في اليابان


المزيد.....




- -عدو زرع الشقاق-..هكذا علق ساويرس على تدوينة لأكاديمي إمارات ...
- ماذا نعرف عن مقاتلة إف-15 الأمريكية التي تقول إيران إنها أسق ...
- كم طائرة خسرتها واشنطن في حرب إيران؟ طهران تكشف ما ساعد على ...
- -خيبة- في شمال إسرائيل: التراجع عن هدف نزع سلاح حزب الله يفج ...
- قتلى في موجة قصف روسية جديدة على أوكرانيا.. وزيلنسكي يجري مب ...
- قانون الخدمة الإلزامية: الرجال يحتاجون الآن إلى تصريح لإقامة ...
- حين يسقط الطيار خلف خطوط العدو.. كيف تبدأ معركة البقاء؟
- بيان صادر عن اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية الاردني ...
- واشنطن وطهران تخوضان سباقا محتدما للعثور على الطيار الأمريكي ...
- لبنان.. إسرائيل تحطم 17 كاميرا مراقبة لمقر اليونيفيل


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - السلالات المبكرة في بلاد الرافدين