أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحلام ساري - التمثال الذي اشتهى العثرة














المزيد.....

التمثال الذي اشتهى العثرة


أحلام ساري

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 12 - 09:04
المحور: الادب والفن
    


في المناطق المغلقة التي لا يسمح فيها بزفرة غضب، لا يصلنا شيء سوى السخرية. أعصابنا مشدودة كأوتار غيتار، لمسة أقوى من المعتاد تكفي لإثارتها فتنقطع، ويتحوّل الغيتار إلى خرشوف غاضب ناطق، لا يلين إلا لمن يعزف عليه النوتة الصحيحة، وتلك هي السخرية.

إننا مثاليون، قساة ومتحجري المنطق، نعبد فكرتنا ونخلص لها كمؤمنين زاهدين في كل شيء. تبتغي تغييرنا؟ جئ بصنم أكبر إذن، أو اسخر من إلهنا، أتخشى غضبنا؟ من يحمل بطاقة رابحة يجعل رهانه كبيرا.
حملت بندقيتك إذن، وجهت سخريتك نحو مثالياتنا وقلت إن الخطايا من زينة البشر، وأننا شبيهون بحجر عظيم لا تنفعه عظمته، كتمثال قريب من الجسر يمر به البحارة، يرجون حمايته من أمواج البحر الهائج، ثم يصعدون سفينتهم ويبحرون من جديد. التمثال آمن وكامل، لكنه ميت، تحييه حكايا البحار، ونواته تحمل أمنية، رغبة في النقص وفي الحياة.
فما الفرق بين بحار وتمثال؟ إنها الحركة، والحركة تصحبها العثرة، والعثرة دليل على حدوث الحركة.

صعدت إلى برجك العاجي وصوبت بندقيتك، قلت إن الخطايا هي زينة البشر، وأن خوفنا منها هو خوف من الحياة نفسها، نمشي بجانب الجدار، نحمل بيدنا مظلة، نخشى ظلالنا التي لو عانقناها لعبرنا نحو الجانب الآخر.

قبل أن نرد على تشخيصك هجرت التجسيد والأمثال القديمة والفلسفة الشرقية وركبت بساطك الطائر نحو العالم الحديث، باغتتنا قائلا إن لا شيء يثير سخريتك أكثر ممن يكتب نصوصا بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، يظن أنه يفعل حسنا، وأن المثالية دليل كمال، بينما الانسانية هي أصل الجمال، ثم قلت واصفا كتابتك: أحب عندما أخطئ في كتابة الهمزة والياء، يعجبني أن أستفيض في وصف ما يغريني بتفتيته مهما كانت بساطته. أستشهد بكتاب آخرين يخاطبونني طوال الوقت ويلهمونني، لا أنسى جميلهم، وأخلد أخطائهم وأضمها إلى أخطائي. بمكتبتي كتاب قديم يشرح التنقيط في اللغة العربية ولا أظن أن أحدا غيري يملكه، لم تجعلني قراءته أحبس حديثي عندما يتدفق كحديثي مع ذاتي، أمزجتي البشرية صادقة وجارفة، فكيف أكون مرآة لقارئ ومرآتي لا تعكس سوى الأشياء الجميلة؟

بلعت ريقك ثم أكملت: الذكاء الاصطناعي لا يفضل الجمل ولا الأفكار الطويلة، إنه شديد الركون إلى المباشرة، عمليّ كما يجدر بآلة، يختصر الأفكار الكبيرة بالمفارقات، يذكر الأمر وضده في جملة واحدة ويوهم القارئ أنه أحاط بالفكرة من كل الجهات. إنه لا يأخذكم بجدية! يفتقد للذة الخطأ التي تجعل القارئ يشعر بأن خلف الكلمات قلباً ينبض وليس معالجاً يسخن. إن الكتابة بالذكاء الاصطناعي ليست من العملية الابداعية في شيء، إنها اهانة لذات الكاتب المنفلتة، ولبشريته، فالكتابة لا تحول أحدا إلى تمنح أحدا الكمال، لا ترفعه شبرا واحدا عن الأرض، ولا تمنعه من التمرغ في نفس الوحل الذي يوسخ الطبيب والخباز والخضار، الفرق الوحيد أن شعوره بألمه أعمق وسعادته أكبر، وتلك السعة تتسرب إلى أصابعه فتقطر على الورقة، هو يعيش على حدود الأشياء فتكون نظرته إليها أشمل، وعندما يصفها ويجعل الخضار والخباز والطبيب يقرأ ما كتب، يشعر هؤلاء أنهم تمكنوا من إدراك جزء غائب من واقع يختبرونه جميعا. يحدثهم الكاتب عما يعرفونه جيدا، عن الشمس ت
التي تلمع كالذهب، وعن مخترع النقانق الذي ألهمته دودة.

مأسورين بمحاضرتك لا نتنبه إلى ذوبان برجك، وقد صرنا جسرا يعبر نحوك. ليس البرج من تبدد، بل نحن من أصبحنا على متنه.
يا سيدي الكاتب الساخر، تقبل ولائي.



#أحلام_ساري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات جامعية(1)
- يوميات جامعية(2)
- علم مدسوس تحت قميص أبيض
- الزمن عدو الأحباء: قراءة في فناء الذات وخديعة البقاء.-
- قبل أن تحاكموا مايكل جاكسون: قراءة في ألبوم HIStory
- صياد السعادة (قصة قصيرة)
- البحث عن الإنسان خلف الطبيب: رحلة عماد رشاد من سفن الأب إلى ...
- حين لا يحبنا ما نحب
- عن اليُتم الإلهي في العصر الحديث: حين انكسر الطوق الريشي وتر ...
- جماليات الزوال: أثر أحمر الشفاه على حافة كواباتا
- فصاحة القلم وبلاغة اللسان: قراءة في ثنائية النص والمنبر
- فوضى كافكا: الكتابة كتمسك أخير بالحياة
- كرامة بالتقسيط
- أحاديث في رياضة ركوب الحافلة
- ذكرى عيد الميلاد
- تضحية بلا طائل
- دوران حذر حول ريلكه
- خلاف مع الزمن


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحلام ساري - التمثال الذي اشتهى العثرة