أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - أحلام ساري - البحث عن الإنسان خلف الطبيب: رحلة عماد رشاد من سفن الأب إلى شواطئ النفس.














المزيد.....

البحث عن الإنسان خلف الطبيب: رحلة عماد رشاد من سفن الأب إلى شواطئ النفس.


أحلام ساري

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 20:28
المحور: سيرة ذاتية
    


العمق في حلقات عماد رشاد لا ينبع من خبرته كطبيب نفسي فقط، بل أساسًا من كونه قارئًا. وقد قالها بنفسه في إحدى مقابلاته: كانت أمي تحلم أن تراني طبيبًا، لكنني كنت مهتمًا بالكتب واللغة العربية، فوجدت في تخصص الطب النفسي حلًا منصفًا للطرفين.
أكثر من كتبه، التي بلا شك تقع كصفعة على وجه أي قارئ، فإن عمقه الحقيقي يظهر في حلقاته السمعية البصرية. هناك ترى الدكتور عماد يتحدث عن المدمنين بلسان “نحن”، كي لا يشعر المتلقي أنه وحده في مصيبته، فهو لا يتركه داخل ألمه بل يشركه فيه. يستحضر تجربته مع إدمان التدخين مرارًا، لا بوصفها اعترافًا، بل كأداة لهدم جبل العار القائم في صدر المدمن، وكأنه يدعوه بحنان: هيا، أنت أيضًا تحدث.

وإذا كان الجراح ينقذ الأرواح بمشرط طبي، فإن الطبيب النفسي يملك نفس المشرط ولكن من كلمات، ليس لأنه لا يملك سوى كلمات كما يقول نزار قباني، بل لأنه يعرف أيها يجب أن يقال. فالكلمات التي تؤثر فينا ليست الأكثر جمالًا، بل الأكثر دقة. والمتألم نفسيًا، خاصة المدمن، غالبًا ما يعجز عن التعبير، خانته اللغة، فيشعر بالكثير دون أن يستطيع وصفه، فيضاعف هذا العجز ألمه. هنا يتدخل الطبيب، لا ليتحدث بدلًا عنه، بل ليمنحه الكلمات التي فقدها، يهديه الكلمات الصحيحة.
وهو تجسيد عصري لمقولة: وفي الحق لا نخشى لومة لائم، ولا يتردد في قول إن ما يفعله بعض الناصحين الدينيين بخطاباتهم الوعظية حين تمتزج باللوم والوصم قد يعمق الإدمان بدل أن يعالجه. وحتى وعود المدمن لنفسه ولله بالتوبة ليست سوى الوجه الآخر للإدمان، أي الإدمان الجاف والابتعاد عن المادة الإدمانية الذي يليه عودة أقوى. ومع ذلك يضيف عماد بحساسيته المعهودة المراعية للسياق العربي المتدين: لا أقول إن التوبة لا تهم، لكنها ليست مربط فرس التعافي.
وكعادتي، لا أكتفي بأخذ كلام القائل، بل أبحث عن الإنسان الذي يقف وراءه. وقد وجدت في السير الذاتية التي يرويها الناس في مقابلاتهم متعة خاصة، فمن خلالها لا يعود حب الكتاب كافيًا، بل يصبح حب الكاتب نفسه عنصرًا إضافيًا يزيد بهجة القراءة، ويجعلنا نختار محتواه دون غيره، فمن تعرفه أفضل ممن لا تعرفه.

وفي إحدى مقابلاته بعنوان: البحث عن الذات والمعنى والتخصص، لبودكاست بترولي من قناة إذاعة مختلف، يحكي عماد رشاد عن طفولته كابن لأب كثير الأسفار يعمل مهندسًا بحريًا، ويغيب عن البيت لأشهر، وعندما يعود يكون قليل الكلام، فتشتغل مخيلة الطفل لملء فجوات حياة الأب. وكان يصطحبه معه إلى المراكب والسفن، ويعمل أمامه على إصلاح الماكينات في استغراق تام جعل الابن يفتن بحالته، ويتمنى أن يجد لنفسه ما يدخله في الحالة نفسها من التدفق عندما يكبر.
وفي الجامعة مرّ بفترة تخبط استمرت سنتين، إذ شغلته أسئلة المعنى والوجود عن حياته الدراسية، وعاش أزمة بداية الشباب بوعي وحساسية كشاب لا يعلم موقعه من الدنيا، لكنه في عامه الثالث عاد من بحرها بشبكة محملة بالأجوبة، فخف ذهنه وجعله يمنح دراسته جديتها، فتفوق. وفي الفترة نفسها تعرّف إلى زوجته التي أحبها وتزوجها لاحقًا، وكان يقول حين سئل عن عمل المرأة: أحب أن يكون لي ولزوجتي عوالمنا الخاصة المنفصلة بعيدًا عن جو الاسترخاء المنزلي، ثم نعود إلى بعضنا فنجد الوئام والسلام.
كما تحدث عن تجربة الأبوة، والتقاء عماد الأب بأبيه، وإعادة تفكيك علاقتهما التي خرج منها بقناعة أننا لن نفهم آباءنا إلا عندما نصبح آباء بأنفسنا. ومع ذلك، كرهه للسفر الذي سرق أباه منه جعله يضع أسرته أولوية، ويسعى أن يكون أبًا حاضرًا في حياة أبنائه.

بعد التعرف على جانبه الإنساني، ستجد نفسك تحب صوت الأطفال الذي يظهر في خلفية فيديوهاته. وسيتجاوز كلامه حدود الشاشة وحدود طبيب ومريض، ليصبح حوارًا بين إنسانين: أحدهما يتألم ولا يعرف من أين يبدأ، والآخر لم يدِر ظهره له، بل مدّ يده، ولم يتركه بعد أن أخرجه، بل بدأ يعلّمه كيف يعيش خارج الحفرة، ويساعده على إعادة تسمية الأشياء بأسمائها.



#أحلام_ساري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين لا يحبنا ما نحب
- عن اليُتم الإلهي في العصر الحديث: حين انكسر الطوق الريشي وتر ...
- جماليات الزوال: أثر أحمر الشفاه على حافة كواباتا
- فصاحة القلم وبلاغة اللسان: قراءة في ثنائية النص والمنبر
- فوضى كافكا: الكتابة كتمسك أخير بالحياة
- كرامة بالتقسيط
- أحاديث في رياضة ركوب الحافلة
- ذكرى عيد الميلاد
- تضحية بلا طائل
- دوران حذر حول ريلكه
- خلاف مع الزمن


المزيد.....




- أردوغان يصعّد ضد إسرائيل: لا قوة تهدد تركيا ونتنياهو “جزار غ ...
- لبنان يدخل مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل وسط انقسام حاد.. ...
- -حرب بلا حسم-.. محللون: تفوق عسكري إسرائيلي عاجز عن كسر إيرا ...
- توقعات بإعلان وقف إطلاق النار قريباً في لبنان.. هل تتجه الأم ...
- الحرب في السودان تقضي على 60 في المئة من الغابات
- أحكام السجن لمدد تُقدر بعقود بحق زعيم حركة النهضة في تونس را ...
- وفد باكستاني يصل إيران لمواصلة جهود الوساطة بين طهران وواشنط ...
- الصحافة التركية: حتى لو فُتح هرمز فالأزمة مستمرة وتركيا تتحص ...
- مخطط اغتيال يسلط الضوء على صعود صهيوني متطرف في أمريكا
- سلوك جديد للمستوطنين بالأقصى والاحتلال يهدم منشآت فلسطينية ب ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - أحلام ساري - البحث عن الإنسان خلف الطبيب: رحلة عماد رشاد من سفن الأب إلى شواطئ النفس.