أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - بوتان زيباري - حين تتحوّل الهوية إلى جسر لا إلى خندق














المزيد.....

حين تتحوّل الهوية إلى جسر لا إلى خندق


بوتان زيباري

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 10:22
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


في الجغرافيا التي أرهقها الدم، لم يعد السؤال الكوردي في تركيا مجرد نزاعٍ على الحقوق أو اعترافٍ بالاسم، بل صار امتحانًا أخلاقيًا لفكرة العيش المشترك نفسها. هناك، بين مدن الجنوب الشرقي وضجيج المتروبولات الكبرى، تتشكّل ملامح وعيٍ جديد لا يشبه خرائط الماضي ولا يطمئن لخطابات الحرب القديمة. الكورد الذين خرجوا من رماد التسعينيات لم يعودوا يرون البندقية قدرًا أبديًا، بل ينظرون إلى السياسة بوصفها مساحةً لإثبات الوجود لا لإنكار الآخر. لقد أدركوا، بعد أعوام طويلة من الخسارات، أن الشعوب لا تنتصر حين ترفع السلاح فقط، بل حين تنجح في تحويل هويتها إلى قوةٍ مدنية قادرة على البقاء داخل الزمن لا خارجه.

تبدّلت البنية الاجتماعية، وتغيّرت اللغة التي يتحدث بها الجيل الجديد مع نفسه ومع الدولة. لم تعد الكوردية نقيضًا للانتماء إلى تركيا، كما حاولت القوميات الصلبة أن توهم الجميع لعقود. على العكس، ثمة شعور متنامٍ بأن الإنسان يستطيع أن يكون كورديًا حتى أعماق روحه، وفي الوقت نفسه جزءًا من هذا البلد، دون أن يشعر بالخيانة أو النقص. هنا تحديدًا تكمن الأزمة الحقيقية للسياسة التركية، لأنها ما زالت أسيرة ثنائية قديمة ترى الهوية الكوردية تهديدًا كلما اشتدت، بينما الواقع الاجتماعي يقول إن الكورد يزدادون تمسكًا بلغتهم وثقافتهم، ويزدادون في الوقت نفسه ارتباطًا بالحياة المشتركة داخل تركيا.

لكن الجدار النفسي بين المجتمعين ما يزال قائمًا. الكوردي ما يزال يشعر أن ثقته تُختبر كل يوم، لأن وجوهًا سياسية مثل صلاح الدين دميرتاش ما تزال خلف القضبان، ولأن البلديات الكوردية ما تزال تُدار بعقلية الوصاية، ولأن الدولة لم ترسل بعد إشارتها الواضحة إلى البيروقراطية بأن زمن الخوف يجب أن ينتهي. وفي المقابل، يخشى جزء واسع من الأتراك أن يكون الحديث عن السلام مجرد هدنة مؤقتة لا أكثر. وهكذا يعيش الجميع داخل دائرة انتظارٍ متعبة، حيث يرتفع الدعم لأي عملية سياسية ثم يتراجع كلما اصطدم الناس ببطء الدولة وترددها.

وسط هذا المشهد، برزت ظواهر اجتماعية تتجاوز السياسة التقليدية، لعل أبرزها Amedspor الذي تحوّل من فريق كرة قدم إلى استعارة جماعية للكرامة الكوردية. لم يعد النادي مجرد ممثل لمدينة دياربكر، بل صار صورةً رمزية لشعبٍ يريد أن يُرى دون خوف. الملايين الذين يلتفون حوله لا يبحثون عن بطولة رياضية فقط، بل عن اعتراف عاطفي بوجودهم داخل المجال العام التركي. ولهذا بدا النادي أشبه بما مثّلته FC Barcelona للكتلان، حيث تتحول المدرجات إلى لغة سياسية ناعمة، ويتحوّل التشجيع إلى شكل من أشكال الدفاع عن الهوية.

المفارقة أن القومية الكوردية الموجودة على وسائل التواصل تبدو أكثر حدّة من المجتمع نفسه. ففي الواقع، معظم الكورد لا يريدون حربًا دائمة مع تركيا، بل يريدون العيش بكرامة دون التخلي عن لغتهم وثقافتهم. إنهم يميلون إلى قومية ثقافية تبحث عن المساواة، لا إلى قومية إقصائية ترى الآخر عدوًا أبديًا. لذلك تبدو الخطابات المتطرفة على الإنترنت معزولة نسبيًا عن المزاج الشعبي الحقيقي، لأن الناس في الحياة اليومية أكثر ميلًا إلى التعايش وأقل انجذابًا إلى الشعارات الراديكالية.

إننا نعيش لحظة تاريخية تجتمع فيها "النجوم" في مدار واحد؛ فمن القوى السياسية الكوردية التي تمد يد السلام، إلى المعارضة التي تطرح رؤى ديمقراطية، وصولاً إلى السلطة التي تملك مفاتيح التغيير. ومع ذلك، يظل التردد البيروقراطي والتمسك بأنماط التفكير القديمة عائقاً أمام هذا الإشراق الإنساني. فالوطن لا يُبنى بالخوف من "ألوان" العلم أو "هوية" الآخر، بل يُبنى بالشجاعة في اتخاذ قرارات تاريخية تنهي عقوداً من الألم. إن المستقبل يطالبنا بصياغة عقد اجتماعي جديد، عقدٍ يرى في "كوردستان" قلباً نابضاً بالجمال، وفي الإنسان الكوردي شريكاً أصيلاً في صياغة قدر المنطقة، بعيداً عن صراعات السلاح وظلمات السجون، لتمضي القافلة نحو أفقٍ يسعه الجميع بسلام.



#بوتان_زيباري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشرذم المرايا: صراع السيادة في مهب التحولات الكبرى
- حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة
- حين يصمت الكورد… يتكلم الزمن باسمهم
- أفق الانعتاق ومخاض الكينونة: الكورد في مرايا الجغرافيا والقد ...
- الهوية الكوردية.. ركيزة الائتلاف لا عائق الاتحاد
- ما وراء الرموز المصطنعة: انبعاث الإرادة الحرة من أقبية الدول ...
- نار في شريان الحياة: محاسبة عصر
- تصفية القضية الكوردية بشعارات هلامية
- تراتيل الصحوة بين غسق الاستحمار وفجر النباهة
- بين ضجيج البيانات وصمت المقابر
- مَواثيقُ القِيامةِ: صَرخةُ الأرضِ في وَجهِ الرَّماد
- ميزان الروح في محكمة التراب والخلود
- فجر الذات الكوردية: في مديح الأرض ونقد الوهم الأيديولوجي
- ميثاق الوعي في زمن الإخضاع الهادئ
- تراجيديا الجدران: حين تخاف الخرائط زفير الأحرار
- نداء الكرامة: بيان التحرر من صنميات الانكسار
- مرايا الحقيقة وانكسار موازين الروح
- نِدَاءُ الجِبَالِ وَمِيثَاقُ الأَرْض: رِسَالَةُ الوجودِ والض ...
- ميثاقُ الأوفياء: عهدُ الدّمِ والهُويةِ في شآمِ الكرامة
- دماء على رقعة الشطرنج.. حين تُصاغ الجغرافيا بأنين الأمم


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - بوتان زيباري - حين تتحوّل الهوية إلى جسر لا إلى خندق