بوتان زيباري
الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 09:52
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
في هذه الأيام أسمع أصواتًا تتردّد من عواصم القرار، من أروقة الأمم المتحدة، ومن منصّات الاتحاد الأوروبي، ومن خطابات الولايات المتحدة الأمريكية، كلمات تلمع كالنحاس المصقول، تتغنّى بشجاعة الكورد، وتقول إنهم السدّ الذي تحطّم عليه طوفان تنظيم الدولة الإسلامية، وإن للعالم دينًا في أعناقهم. أسمع هذا المديح، فأبتسم بمرارة، لأن الشعوب لا تعيش على قصائد الإطراء، ولا تسدّ جوعها بعبارات الامتنان، ولو كان الثناء خبزًا لما جاع طفل في كوباني.
تقولون إن الكورد شعب باسل، وإنهم دحروا الظلام حين تمدّد، حسنًا، ولكن أيُّ يدٍ امتدّت بعد المعركة لتوفي بالدَّين؟ أيُّ وعدٍ تحوّل إلى فعل؟ الحقيقة أنكم، ومع دول الإقليم، فتحتم أبواب الشام لقوى لا تختلف في جوهرها عن تنظيم الدولة الإسلامية، بل سلّمتم مفاتيح السلطة إلى هيئة تحرير الشام، وتركتم الشعب الكوردي في سوريا يواجه مصيره بين مطرقة التطرّف وسندان الصفقات. ثم، وبألف حيلةٍ وحيلة، دُفع به إلى الاندماج في معادلات لا تحميه، بل تُذيبه في نارها.
في كوباني، التي صارت أيقونة الصمود، يهدّد الجوع والبرد حياة الناس، وكأن النصر القديم لم يكن سوى صورة على جدارٍ متصدّع. وفي شرق الفرات، تقف مدن مثل الحسكة والقامشلي على حافة المجهول، تتناقص المسافات بينها وبين الفقدان. إن شبح الزوال لا يلوّح من بعيد، بل يقترب بخطواتٍ محسوبة، فيما البيانات الدولية ما تزال تتأنّق في لغتها.
أقولها بوضوح، الكورد في سوريا يواجهون خطر الانمحاء، لا كخطابٍ عاطفي، بل كحقيقة سياسية. لذلك، كفّوا عن تزيين الهواء بالكلمات، واتخذوا خطوات ملموسة تحمي هذا الشعب من بطش الغلبة ومن عسف الاستبداد. حقّ الإدارة الذاتية، بصيغةٍ لا مركزية أو فدرالية، ليس مِنّةً من أحد، بل استحقاقًا تاريخيًا لشعبٍ أثبت قدرته على تنظيم نفسه والدفاع عن أرضه.
أوصلوا المساعدات إلى كوباني، افتحوا الممرّات الإنسانية، فعّلوا النصوص التي تملأ مواثيقكم. إن قوانين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ليست حبرًا على ورق، بل أدوات شرعية تتيح لكم التحرك إن شئتم. القوة لديكم، والذرائع القانونية بين أيديكم، فما الذي ينقص؟ الإرادة فقط.
إن كنتم مؤسساتٍ حقيقية لا دمى سياسية، فاتركوا التقرّب اللفظي، وافعلوا ما ينسجم مع مبادئكم. فالتاريخ لا يحفظ التصريحات، بل يحفظ الأفعال، والكورد لا يطلبون شفقة، بل عدلًا يُترجم إلى واقع.
#بوتان_زيباري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟