أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بوتان زيباري - حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة














المزيد.....

حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة


بوتان زيباري

الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 15:59
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


في زمنٍ يتقلّب فيه المعنى كما تتقلّب الرياح فوق بحارٍ مضطربة، يبدو العالم وكأنه يقف على حافة عبارةٍ واحدة، قد تُقال في لحظة انفعال فتُشعل قرونًا من الرماد. هكذا تتجلى السياسة حين تتحول إلى خطابٍ مشحون بالتهديد، لا بوصفه فعلًا محسوبًا، بل كاستعراضٍ للقوة في مسرحٍ تتداخل فيه الحقيقة مع الخداع. فالتصريحات التي تُطلق من أعلى هرم السلطة لا تُقرأ بما يُقال فيها فقط، بل بما تُخفيه من عجزٍ أو ارتباك، وكأن اللغة ذاتها أصبحت ساحة حرب.

في قلب هذا المشهد، تتكثف معادلة معقّدة، حيث لا يملك الفاعل الأقوى خيارًا مريحًا، ولا يبدو الطرف المقابل مستعدًا للتراجع. فكل تصعيد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة، وكل تهدئة تحمل في طياتها اعترافًا ضمنيًا بفشل الرهان. إن التهديد بتدمير بنى مدنية أو تغيير أنظمة ليس مجرد خطاب، بل مقامرة بمصير منطقة بأكملها، حيث يمكن لشرارة واحدة أن تعيد تشكيل خرائط الاقتصاد والطاقة، بل وربما خرائط النفوذ العالمي.

أما الطرف الآخر، فلا يتحرك من موقع الضعف كما يُراد تصويره، بل من إدراك عميق لأوراقه. السيطرة على الممرات الحيوية ليست مجرد ورقة ضغط، بل هي رئةٌ اقتصادية وسياسية تمنحه قدرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة. فحين تتحول الجغرافيا إلى أداة سيادة، يصبح التراجع أشبه بانتحارٍ استراتيجي. لذلك، لا يبدو أن هناك استعدادًا للتخلي عن هذا الامتياز، خاصة مع العوائد المالية والسياسية التي تتدفق من هذا الواقع.

وفي الداخل، تتغير موازين القوى بطريقة أكثر جذرية. فحين يغيب الصوت الذي كان يقيّد الخيارات القصوى، تنفتح الأبواب أمام مقاربات أكثر راديكالية، تقودها مؤسسات ترى في الصمود ذاته انتصارًا. وهنا، لا يعود الهدف مجرد النجاة، بل تحويل البقاء إلى مكسب تفاوضي، يُترجم لاحقًا إلى اتفاقٍ يضمن عدم تكرار الهجوم، لا مجرد هدنة مؤقتة تُخفي حربًا مؤجلة.

في المقابل، تتكشف حدود القوة لدى الطرف الآخر، الذي يجد نفسه بين خيارين كلاهما مُكلف. فالتصعيد قد يشعل المنطقة اقتصاديًا، ويضر بمصالحه قبل خصومه، بينما التراجع يُظهره بمظهر العاجز. لذلك، تصبح المفاوضات مسرحًا للتهديد أكثر منها مساحة للحلول، حيث تُستخدم اللغة كأداة ضغط، ويُعاد إنتاج الأزمات كوسيلة لتحقيق مكاسب.

على المستوى الدولي، تقف قوى أخرى تراقب وتستفيد. روسيا، التي أنهكتها جبهات أخرى، تجد في ارتفاع أسعار الطاقة متنفسًا اقتصاديًا يعوّض خسائرها. والصين، التي تنظر إلى العالم بعين التاجر والفيلسوف معًا، ترى في انشغال الولايات المتحدة فرصةً لإعادة ترتيب موازين القوة، واختبار قدرات خصمها دون أن تطلق رصاصة واحدة. هكذا، تتحول الحرب إلى مسرحٍ متعدد الطبقات، حيث لا يكون الرابح من يطلق النار، بل من يحسن قراءة اللحظة.

وفي خلفية هذا المشهد، يتصاعد سؤال أخلاقي لا يقل خطورة عن الصواريخ ذاتها. ماذا لو صدرت أوامر تتجاوز حدود القانون؟ هل تملك المؤسسات القدرة على قول لا؟ أم أن منطق الطاعة سيطغى على منطق الضمير؟ إن التاريخ مليء بشواهد أولئك الذين احتموا بالأوامر لتبرير الجرائم، لكنه أيضًا يحتفظ بأسماء من اختاروا الانسحاب على المشاركة في الخطأ.

وهكذا، لا يبدو الصراع مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل اختبارًا عميقًا لحدود القوة، ولمعنى المسؤولية، ولمدى قدرة الإنسان على مقاومة إغراء السيطرة حين تتحول إلى تهديدٍ للوجود ذاته. وفي هذا الاختبار، قد لا يكون المنتصر من يفرض شروطه، بل من ينجو بإنسانيته.



#بوتان_زيباري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصمت الكورد… يتكلم الزمن باسمهم
- أفق الانعتاق ومخاض الكينونة: الكورد في مرايا الجغرافيا والقد ...
- الهوية الكوردية.. ركيزة الائتلاف لا عائق الاتحاد
- ما وراء الرموز المصطنعة: انبعاث الإرادة الحرة من أقبية الدول ...
- نار في شريان الحياة: محاسبة عصر
- تصفية القضية الكوردية بشعارات هلامية
- تراتيل الصحوة بين غسق الاستحمار وفجر النباهة
- بين ضجيج البيانات وصمت المقابر
- مَواثيقُ القِيامةِ: صَرخةُ الأرضِ في وَجهِ الرَّماد
- ميزان الروح في محكمة التراب والخلود
- فجر الذات الكوردية: في مديح الأرض ونقد الوهم الأيديولوجي
- ميثاق الوعي في زمن الإخضاع الهادئ
- تراجيديا الجدران: حين تخاف الخرائط زفير الأحرار
- نداء الكرامة: بيان التحرر من صنميات الانكسار
- مرايا الحقيقة وانكسار موازين الروح
- نِدَاءُ الجِبَالِ وَمِيثَاقُ الأَرْض: رِسَالَةُ الوجودِ والض ...
- ميثاقُ الأوفياء: عهدُ الدّمِ والهُويةِ في شآمِ الكرامة
- دماء على رقعة الشطرنج.. حين تُصاغ الجغرافيا بأنين الأمم
- بيان السيادة الكوردية: نداء من أجل العدالة التاريخية
- ترنيمة الحرية في مهبّ العواصف: ملاحم الروح وسراب الخرائط


المزيد.....




- ماكرون لترمب وبزشكيان: وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان ليك ...
- أمريكا وإيران تعلنان الانتصار.. كيف صنع كل طرف سرديته بعد 40 ...
- عاجل | الجبهة الداخلية الإسرائيلية: صفارات الإنذار تدوي في ب ...
- إيران تعلن توقف حركة الملاحة في مضيق هرمز.. و-الحرس الثوري- ...
- ماكرون يدين الضربات الإسرائيلية -العشوائية- على لبنان
- مباشر: فرنسا تدين ضربات إسرائيل في لبنان -بأشد العبارات المم ...
- القصف الإسرائيلي يشمل كل الجغرافيا اللبنانية
- هل اكتشفت إسرائيل 100 هدف في لبنان لتضربها خلال 10 دقائق؟
- أمضى ساعات مع زملائه قُبيل استشهاده.. من هو الصحفي محمد وشاح ...
- ماكرون: وقف إطلاق النار مع إيران يجب أن يشمل لبنان


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بوتان زيباري - حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة