|
|
قراءة وجودية في المجموعة الشعرية (لهفة لا تعرف السكون)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 10:01
المحور:
الادب والفن
(1) من المعلوم أن الشعر جاء من المشاعر؛ أي المشاعر المكنونة في كيان الإنسان، وتحتل مساحة واسعة: من فكره، وعقله، وذائقته. والمشاعر هذه حين تتراكم، ويتسع طابعها داخل كينونة الانسان، فهي بلا شك، ستفيض، والفيض هذا ينتج الابداع. الفنان ينتج عملا فنيا (الرسام، الممثل، السينمائي، النحات، والشاعر) وهذا العمل – الذي يقوم به الشاعر – هو مخاض عسير عن قصيدة، هي نتاج تلك المشاعر. وهي في الوقت ذاته أشبه بعملية تفريغ، أي تفريغ تلك المشاعر مكبوتة. وأظن أن افلاطون كان مخطئ جدا، حينما أخرج الشعراء من جمهوريته، لأنّ جمهورية بلا أُناس يحملون مشاعر ويفيضون ابداع، ثم تحوّل المشاعر هذه إلى عمل ابداعي، لا خير في هذه الجمهورية. المجموعة هذه المسماة "لهفة لا تعرف السكون" للشاعرة انعام الحمداني، وهي من منشورات "دار السرد" في بغداد – شارع المتنبي، والتي بين يديّ تعبّر عن مشاعر، وأفكار حول الجمال والحب والشعر، كما تعبّر عن الحزن الجميل (الذي يجد فيه الانسان انسانيته: حول ذاته، أو ما يشعر به إزاء الآخرين) وتظهر التحديات والمواجهات التي واجهتها الشاعرة في حياتها. وقد استخدمت فيها لغة شعرية غنية بالصور والمجازات، والتعابير المختلفة، مما ضافت عمقا وجمالا وجوديا. (2) في لقاء عقده لي أتحاد الأدباء والكتاب قبل عام تقريبا، بمناسبة صدور كتابي "ثمار الفلسفة" أعترض المحاور حول أدخال الأديب الكبير دوستويفسكي ضمن الفلاسفة الوجوديون، قال بأن دوستويفسكي روائي وليس فيلسوفا. مع العلم أن المحاور اختص بأدب دوستويفسكي، وكتب عنه رواية، قرأتها في حينها. في هذه الدراسة التي خصصتها لتحليل مجموعة الشاعر انعام الحمداني، حيث رغبت أن يكون هذا التحليل، تحليل وجودي، وسأثبت إن أول من بثت فلسفة الوجود هو دوستويفسكي، ذلك من خلال جُل أعماله الروائية. ففي كتاب "دوستويفسكي – دراسات في أدبه وفكره" لمجموعة من الكتّاب، وفي فصل من الكتاب كتبته الناقدة (آ. لاتينيا) بعنوان "دوستويفسكي والوجودية" أكدت الكاتبة وبضرس قاطع، إن دوستويفسكي هو من مهد للفلسفة والوجودية، قبل كيركيجارد وقبل سارتر.(1) (3) (قيامة الهوى ليست نارا تُحرق/ بل سرا يتوهّج في ظلال الغياب/ في البدء كان الحب نفسا/ ثم صار كونا/ ثم صار وأنا وأنت/ مجازين في مرآة الوجود) ص 96 هي صورة لمشاعر جياشة، أي ترجمة حية إزاء الحبيب – القريب، البعيد، الذي باتت تلتهب نار شكواه، سعر في سويداء القلب، وهو تعبير صادق، من دون مراوغة أو حتى سفسطة، أو قُل حتى مراوغة غير مجدية. فالقريب من القلب لا يمكن أن يستفزنا فقده مهما بلغ حد التجافي، طالما هواه ينبض في القلب، على طول المدى، وهذه هي سمى من سمات الحب الصادق؛ ذلك هو الحب الوجودي. "يطرح الحب اشكالات عديدة شائكة، مثلا إذا كان الحب ضمن المشاعر المبهجة بحسب اسبينوزا – ولا أحد ينكر ذلك – فلماذا نشعر بالحزن عندما نقع في الخب – والكل حبر ذلك -؟ عندما نشعر بالفرح والحزن معا فما معناه أن هناك بكل بساطة ما يبرر الفرح، وهناك في المقابل ما يبرر الحزن أيضا. إذا عرفنا ما يبرر الفرح (المتعة، السهوة، الشوق، القُبلة، العناق..) فما الذي يبرر الحزن إيذاً؟. يقودنا التأمل الى استنتاج أولي: مبرر الحون هو الخوف من أن تكون مشاعرنا أو مشاعر الطرف الآخر حقيقية. إنه الخوف من أن نكون إزاء عملية خداع لأنفسنا حتى في حالات الاعتقاد بأننا صادقون".(2) (تسير الحقيقة حافية على رماد الأسئلة/ تطرق باب الغيب فلا يُفتح/ وتستأذن المعنى فلا يؤذن لها) ص 70 هنا نجد، صورة رمزية قد تمثّل تشوه صورة الحياة لبعض الناس، لا سيما من الذين هم متشائمين بطبيعتهم، وأفكارهم سلبية دائما، فلا يدركون المعنى الحقيقي للحياة، فهم – بتعبير آخر – سلبيين، ينظرون للأشياء بضبابية قاتمة، وبعين لا تعي الجمال. وهذا بحد ذاته مشكلة الانسان الوجودي، الانسان الذي انعكست صورة حياته، وصار يعيش التقلبات والمزاجيات، كشعور ذاتي. "فإذا كانت ماهية الإنسان وماهية الكون الأصلية هي الإرادة، فلا جدال في أن الصورة التي ستُرْسَم لحياة الإنسان ولمجرى الكون ستكون قاتمة إلى حد بعيد؛ ذلك لأن الإرادة ليست مبدأً عاقلًا منظمًا، يستهدف غايات محددة ويسير نحو تحقيقها تبعًا لخطة مرسومة، وإنما هي أساسًا اندفاع أعمى، وقوة طاغية لا ضابط لها ولا نظام. أما ذلك الذي نطلق عليه اسم العقل أو الروح أو الذكاء، فما هو إلا أداة في يد هذه القوة الغاشمة تتحكم فيها تتحكم فيها كما تشاء، وطالما أنها هي المبدأ الأساسي في الكون، فلا بد أن يكون تاريخ البشرية كله سجلًا للأعمال المتخبطة لهذه الإرادة، مثلما أن التاريخ الفردي حافل بالخداع، خلو من المعنى، ليس له من نهاية سوى الموت المحتوم؛ فالعالم في أساسه لا معقول، ومضاد لكلِّ منطق".(3) (أدندن لحظة فرح عابر/ يباغتني صوت موسيقى بعيد/ أركض خلفه بلهفة/ ثم أعود خالية اليدين/ كأنّ خُفيّ حُنين يلاحقني/ بلعنته القديمة) ص49 صورة ضبابية أخرى، تؤسس لليأس وتبوح بالغياب، كأن الشاعرة هنا، تنظر بمرقاب بعيد الى قتامة الفقد؛ لكن أطار التفجع يتسع كلما ازدياد عنجهية الغياب، حيث ترى أن السبل (سبل الوصال) قد تقطعت، فما عاد حتى الصبر يجدي نفعا. ".. الانسان هو ذلك الموجود الغريب الذي لا يتكيف مع العالم، ولا تتكافأ حاجاته مع البيئة، ولا يمكن أن يتحقق بينه وبين الطبيعة أي توافق حقيقي. ولو كان الانسان مجرد موجود طبيعي، لما كان ثمة مشكلة ، ولكن المشكلة انما تأتي من كونه الموجود الطبيعي الذي يعلو على الطبيعة، أو الموجود الطبيعي الذي لا يستخدم الطبيعة إلا لكي يستأنسها، ولا يندمج في الطبيعة إلا لكي يتحلل منها!،ومن هنا فقد كان الانسان الموجود الوحيد الذي يثير المشكلة الفريدة، مشكلة وجود العالم الخارجيّ وحين ما نقول إن الانسان موجود غريب عن العالم، فإننا نعني أنه ليس موجودا في العالم بطريقة تلقائية.."(4) (احتاج أن أغفو في كهف السكون/ حيث لا ظلّ لصوتي/ ولا زمن إلا ما يتسرّب من أصابع الغيب) ص 38 تستخدم الشاعرة رموزا ومجازات متعددة لتعزيز المعاني والتعبير عن المشاعر: مشاعرها (ليس في هذا المقطع فحسب، وانما في معظم نصوصها ألأخرى). على سبيل المثال، استخدام "الكهف" كرمز للجمال والعمق، والموسيقى كرمز للمشاعر والعواطف. هذه الرموز والمجازات تضيف بالتالي، عمقا وجمالا إلى النص. و واضح هنا أن الرموز والمجازات التي استخدمتها الشاعرة أضافت عمقا وجمالا بلا أدنى شك. على سبيل المثال، وبالتالي فأنّ هذا العمق يوحي بالانغماس العميق في عالم الجمال. كما أن استخدام الغيب كرمز للمشاعر والعواطف يشير إلى رغبة الشاعرة في مشاركة مع الآخرين، كتعبير صادق. الهوامش (1)دوستويفسكي – دراسات في أدبه وفكره، لمجموعة من الكتاب، ص 181 وما بعدها، سلسلة اعلام الأدب العالمي، الطبعة الأولى لسنة 1979، منشورات وزارة الثقافة السورية، ترجمة: د. نزار عيون السود. (2)سعيد ناشيد، التداوي بالفلسفة، ص 69، منشورات دار التنوير تونس، الطبعة الأولى لسنة 2018. (3)(فؤاد زكريا، آفاق الفلسفة، ص 200، الناشر مكتبة مصر، شارع كامل صدقي في – الفجالة من دون ذكر سنة الطبع. (4)د. فؤاد زكريا، مشكلة الانسان، ص 55، منشورات مكتبة مصر، من دون ذكر سنة الطبع.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإنسان المستلب في (حين يصمت التمثال) نقد معرفي
-
علَّ العابرينَ لا يرونَ
-
يحيى السماوي.. حين يتنفس الشعر
-
الرمز المكثّف في قصة (نعل) للقاص رياض داخل- قراءة تأويلية
-
الماركسي المتديّن/ قصة قصيرة
-
القطيع والذكاء الاصطناعي
-
ترتيب الفوضى
-
حواء سر اكتمال الرجل
-
كي لا يضيعَ معي
-
رسالة وداع من كاتب عشق العراق
-
طفولة مهدورة - فصل من حياتي
-
خطورة انهيار المنظومة الأخلاقية في العراق؟
-
المطلبي...هكذا يرحلون صنّاع الجمال
-
الثورة مدينتي.. ذكريات طاعنة بالتجاعيد(1)
-
الحرب والعقل الجمعي
-
المرفقات الدلالية في قصة(نبض الأزاميل) لضاري الغضبان
-
القاص رياض داخل.. إنسانية الأديب بشاشة الروح
-
(عرضحال بغدادي) وذكريات من حانة دانيال
-
لماذا أفلاطون هجر الشعر وحارب الشعراء؟
-
حقيقة الأديان والفهم المعاكس
المزيد.....
-
كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف
...
-
العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا
...
-
مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة
...
-
الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام
...
-
فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و
...
-
سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا
...
-
في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
-
ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل
...
-
فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع
...
-
-عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه
...
المزيد.....
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
المزيد.....
|