أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - خطورة انهيار المنظومة الأخلاقية في العراق؟














المزيد.....

خطورة انهيار المنظومة الأخلاقية في العراق؟


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 16:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


فلنعترف، قبل كل شيء، بأن الأخلاق قد انهارت في مجتمعنا العراقي، خصوصا في العقدين الماضيين، ولهذا الانهيار اسباب ومسببات. وفي هذا المقال سنوضح ما ندعيّ، ليكون القارئ الكريم على بينة من الأمر. وقبل أن نعلل هذه الاسباب، علينا أن نعترف أيضا، من إن البلد غارق في الفساد، من أخمس قدميه حتى رأسه؛ وفي هذا قد لا يختلف معنا القارئ أيضا. فمن أبرز الأسباب التي أسهمت في هذا الانهيار غياب سلطة القانون وضعف تطبيقه. وعندما يفقد المواطن ثقته بأن القانون يحميه ويحاسب المخطئ، يبدأ بالبحث عن حلول فردية تقوم على التحايل أو القوة أو الواسطة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الأساليب إلى ممارسات طبيعية مقبولة اجتماعيًا، رغم تعارضها مع الأخلاق العامة. فسيادة القانون ليست مجرد تنظيم إداري، بل هي عامل أخلاقي يرسّخ قيم العدل والإنصاف.
كما لعب العنف المجتمعي دورا خطيرا في تشويه السلوك الأخلاقي. فالعراق عانى من موجات عنف طائفي وإرهاب وصراعات داخلية، جعلت العنف جزءًا من الحياة اليومية. هذا الاعتياد على مشاهد الدم والقتل أدّى إلى تبلّد المشاعر الإنسانية وتراجع قيمة الرحمة والتسامح، خصوصًا لدى الأجيال التي نشأت في أجواء غير مستقرة نفسيا وأمنيا.
وقد ساهم التحوّل في القيم الاجتماعية في إضعاف الروابط الأخلاقية بين الأفراد. لهذا وغيره فقد تراجعت قيم التعاون والتكافل، وحلّت محلها النزعة الفردية والسعي لتحقيق المصلحة الشخصية على حساب الآخرين. وأصبحت العلاقات في كثير من الأحيان قائمة على المنفعة لا على الاحترام أو الثقة، مما أضعف روح الجماعة التي كان يتميز بها المجتمع العراقي سابقا.
ولا يمكن إغفال أثر الفقر والضغوط المعيشية في هذا السياق. فحين يُحاصر الإنسان بالحاجة والعوز، قد يجد نفسه مضطرًا للتخلي عن بعض المبادئ من أجل البقاء. ومع اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، شعر كثير من الأفراد بالظلم والتهميش، الأمر الذي ولّد مشاعر الغضب والحقد، وانعكس في سلوكيات عدوانية أو غير أخلاقية.
إن تراجع مكانة القدوة في المجتمع كان له أثر بالغ. ففي السابق، كان المعلم، ورجل الدين، والمثقف، والشخصيات الاجتماعية يحظون باحترام كبير ويؤدّون دورا توجيهيا أخلاقيا لا بأس به. أما اليوم، فقد تراجعت هذه المكانة لصالح نماذج سطحية تروّج لها بعض وسائل الإعلام، حيث تُقاس القيمة بعدد المتابعين أو حجم المال، لا بالسلوك والأخلاق، والدعايات المغرضة التي هدفها غير شريف.
وقد وأدّت وسائل التواصل الاجتماعي إلى تسريع هذا التدهور، من خلال نشر ثقافة الاستهزاء، التنمّر، والابتذال، فضلا عن تطبيع السلوكيات السلبية، وزجها داخل المجتمع. كما ساهمت في إضعاف الرقابة الاجتماعية، إذ أصبح الفرد يمارس سلوكيات مرفوضة خلف شاشة الهاتف دون شعور بالمسؤولية أو الخجل الاجتماعي، وهذه بحد ذاتها سابقة خطيرة.
ومن جهة أخرى، فقد تأثرت الهوية الأخلاقية للمجتمع بحالة الانقسام والانتماءات الضيقة. فحين يقدّم الفرد ولاءه للجماعة أو الحزب أو الطائفة على حساب القيم الإنسانية العامة، حتما ستتراجع مفاهيم العدالة والصدق، ويصبح الخطأ مقبولا إذا صدر من "أبناء الجماعة". هذا التبرير الأخلاقي الخطير أسهم في تكريس سلوكيات مزدوجة وفقدان المعايير الثابتة.
إضافة إلى ذلك يمكن القول من إن ضعف الوعي الثقافي وانخفاض مستوى القراءة والمعرفة ساهما في تقليص قدرة الفرد على التمييز بين السلوك الصحيح والخاطئ. فالثقافة تلعب دورًا أساسيًا في بناء الضمير الأخلاقي، وغيابها يترك فراغًا يُملأ بقيم مشوّهة أو دخيلة.
إن انهيار منظومة الأخلاق في المجتمع العراقي هو انعكاس مباشر لأزمات عميقة ومعقّدة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والاجتماع بالتربية، والإعلام بالثقافة. ومعالجة هذا الانهيار تتطلب مشروعا طويل الأمد يبدأ بإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية، وبناء الثقة بين الفرد والدولة، وتعزيز دور الأسرة والتعليم والإعلام في صناعة إنسان واعٍ، يدرك أن الأخلاق ليست ترفا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء المجتمع واستقراره.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المطلبي...هكذا يرحلون صنّاع الجمال
- الثورة مدينتي.. ذكريات طاعنة بالتجاعيد(1)
- الحرب والعقل الجمعي
- المرفقات الدلالية في قصة(نبض الأزاميل) لضاري الغضبان
- القاص رياض داخل.. إنسانية الأديب بشاشة الروح
- (عرضحال بغدادي) وذكريات من حانة دانيال
- لماذا أفلاطون هجر الشعر وحارب الشعراء؟
- حقيقة الأديان والفهم المعاكس
- أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره
- أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره/ قصة خبرية
- لماذا تراجع الإعلام العراقي؟
- الإبداع الذي يبقى بعد الرحيل: لطفية الدليمي مثلا
- كيف تُجيب على الأسئلة الساذجة
- دعوة لدراسة الفلسفة
- حين يتكاثر الكتّاب ويختفي النقّاد
- منطق رجل الدين
- حرب باردة في عقولنا
- لماذا الدفاع عن المرأة جريمة في العالم العربي؟
- حول قصيدة النثر
- الفنانة التشكيلية تيسير كامل في معرضها الأول


المزيد.....




- حرس الثورة الإسلامية: تدمير منظومات الدفاع المضاد للصواريخ ف ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان تستهدف مستوطنة -كريات شمونة- للم ...
- الكنيسة تنتقد حل قضية نويليا وتدعو إلى تحمّل المسؤولية الاجت ...
- مسؤول إيراني يكشف سبب عدم ظهور مجتبى خامنئي المرشد الأعلى ال ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: مجاهدونا استهدفوا ثكنة بيت هلل ...
- بيان المسيرات في اليمن: نجدد التأكيد بأن العدوان على الجمهور ...
- لبنان على حافة الانهيار: الحرب تعمق الانقسامات الطائفية وصدا ...
- الإخوان والجيش.. أضرار -كارثية- على أمن واقتصاد السودان
- حرس الثورة الاسلامية يطالب سكان المنطقة بإخلاء أماكن تواجد ا ...
- نحو منظومة أمنية إسلامية: هل ينجح العالم الإسلامي في سد فراغ ...


المزيد.....

- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - خطورة انهيار المنظومة الأخلاقية في العراق؟