أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره














المزيد.....

أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 21:35
المحور: الادب والفن
    


أبو سعد معلم بسيط من أبناء الطبقة المسحوقة (مسحوقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى). أمضى عمره بين الطباشير والسبورة، يزرع الحروف في عقول الصغار، وفي نهاية الدوام، يعود إلى بيته مثقلا بتعب الأيام وقلة ذات اليد. وقبل خمس سنوات أُحيل المسكين إلى التقاعد، فصار راتبه الشهري فتاتا لا يسد رمقا ولا يبدد هما. أبو سعد يسكن في مدينة الثورة. تلك المدينة التي أثقلها الفقر حتى صار جزءا من ملامحها الحزينة، ومن طبيعتها التي رسمت محياها. أهلها بسطاء، يشاركون في كل عزاء، ويلطمون في كل مأتم، رغم كون المدينة انجبت: فنانون و إعلاميون و أدباء، كما هم اليوم يلطمون على شهدائهم الذين غيبتهم الحرب والأخيرة (ثلاثون شهيدا وأكثر من ستين جريحا). هناك، تتراكم الأحزان كما تتراكم الأزقة الضيقة، ويكبر الشعور بالخذلان. في الآونة الأخيرة استغلتهم الأحزاب الساسة أشد الاستغلال، وضحكت على ذقونهم، فحوّلت حاجتهم إلى أصوات في صناديق الانتخابات – في كل موسم انتخابي – وصارت وعودهم تتبخر مع أول شروق للشمس. وأغلب الناس هناك فقراء، بسطاء القلوب، حُرموا من نصيب كافٍ من العلم والمعرفة، لا لأنهم لا يريدون ذلك، كلا... بل لأن الظروف ضاقت بهم حتى أغلقت في وجوههم الأبواب. لذلك تراهم - أحيانا - يميلون مع كل صوت مرتفع، ويصدقون كل وعد جديد، علّهم يجدون فيه بارقة أمل لهم تضيء دروبهم.
أبو سعد، (جاسم زبون)، وهذا هو اسمه الكامل. رجل أفنى عمره في التدريس، حيث يقف أمام السبورة يعلّم أولادنا الحروف الأولى: (دار… دور. نار.. نور). وهو بذلك يفتح لهم أبواب القراءة والحياة... لكنه حتى هذا اليوم لم يمتلك دارا يأوي إليها وأسرته، فالدولة لم تعطف عليه بقطة أرض يحولها سكنا له ولأسرته. ومضت السنوات تجر اذيالها، وشاخ العمر، وانتهت خدمته... لكنه بقي يسكن في بيت بالإيجار. إذ يستلم راتبه التقاعدي آخر كل شهر، ثم يسلّم نصفه إلى المؤجر، وكأن المال يمر بين يديه مرورا سريعا لا يعرف طريق البقاء.
وفي بيته تجلس زوجته المريضة، والتي تعاني السكّر والضغط ووجع المفاصل. وأكثر الأحيان يتركها أبو سعد تتألم تئن من الوجع، لا لأنه رجل قاسي القلب، أو بخيل على أم أولاده (أم سعد) كلا... بل لأن جيبه الخالي أقسى من هذا الزمن التعس... فتقاعده بالكاد يسد رمق العيش ومصروفات البيت القاسية. أما هو، فيحمل في جسده أوجاعا أخرى، أمراضا يخفيها بصمت، ولا يريد أن يبوح بها للقاصي والداني. هكذا يمضي أبو سعد أيامه، بصبر ثقيل وقلب متعب بالهموم.
اليوم، (الجمعة 13 آذار) وأنا في طريقي إلى شارع المتنبي، وقد قادتني قدماي دون قصد إلى بسطة أبي سعد. كانت بسطة صغيرة متواضعة، لا تضم سوى كتب قديمة متفرقة، يبيعها بثمن زهيد لا يتجاوز سعر الكتاب ربع دولار للكتاب الواحد. رأيته جالسا بهدوء على كرسي حديد بسيط، تحيط به الكتب من كل حدب وصوب، بينما رائحة الكتب تملأ شارع الرشيد، أمام (شربت حجي زبالة). ألقيت عليه التحية، وسألته عن صحته وصحة زوجته وأولاده، فابتسم ابتسامة خفيفة تخفي وراءها تقلبات الزمن وتعب السنين. جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، نتحدث عن الأيام وأثقال المعيشة التي لا ترحم. وشيئا فشيئا انتقل بنا الحديث إلى أحوال البلد، إلى السياسة وما جرّته من خيبات. ثم ذكرنا تلك الكوكبة التي سقطت أمس مضرجة بدمائها، وهي تدافع عن حياض الوطن وعن لقمة الفقر المغمسة بالألم. شباب بعمر الزهور خذلتهم قياداتهم وغدر بهم العدو، فدفعوا حياتهم ثمنا دون مقابل. عندها خيم الصمت بيننا، وبكينا بصمت ثقيل، كأنّ الدموع تخشى أن يسمعها أحد. ثم مسح كل منا دموعه خفية، وعدنا إلى صمتٍ أعمق.
أخيرا... أفلتُّ من ثقل تلك اللحظة الحزينة، تاركا صورة سيلفي أنا وهو كما هي الآن. وانسحبت بهدوء، ماضيا في طريقي.. بينما بقي أبو سعد بين كتبه، وصمتٌ طويل يحيط به وعلى شفته ألف سؤال وسؤال.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره/ قصة خبرية
- لماذا تراجع الإعلام العراقي؟
- الإبداع الذي يبقى بعد الرحيل: لطفية الدليمي مثلا
- كيف تُجيب على الأسئلة الساذجة
- دعوة لدراسة الفلسفة
- حين يتكاثر الكتّاب ويختفي النقّاد
- منطق رجل الدين
- حرب باردة في عقولنا
- لماذا الدفاع عن المرأة جريمة في العالم العربي؟
- حول قصيدة النثر
- الفنانة التشكيلية تيسير كامل في معرضها الأول
- منتصف الحلم بتوقيت بغداد قراءة برؤية - أريك فروم(1)
- البديل: الأخلاق والعلم
- هذيان في زمن هش
- قراءة في كتاب (النقد الأدبي في روسيا ما بعد السوفييتية)
- حسين مردان.. شاعر التمرد
- لماذا الإساءة إلى السياب؟
- الصعاليك الجدد/ 4
- صعاليك العراق الجُدد/ 3
- صعاليك العراق: شعرٌ يُكتب على حافة الخراب/ مقدمة


المزيد.....




- هل تخفي برامج إذاعية غامضة باللغة الفارسية تقنية تجسس قديمة؟ ...
- سينما -الأجنحة الصغيرة- في غزة: شاشة من ضوء تهزم عتمة الحرب ...
- لندن تعزف أجمل أنغامها: احتفال الجمعية الملكية للموسيقى 2026 ...
- على سرج غيمة
- قوافي الصمود: صالونات غزة الثقافية تنبعث من تحت الركام لمواج ...
- لماذا عاد شعراء غزة للكتابة عن الحرب والجوع؟ السر في الخيام ...
- تشديد الإجراءات الأمنية في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد مزاع ...
- 24 رمضان: 3 أساطير عربية رحلت وسلاح نفط غيّر العالم
- -شهود عيان من غزة- على مسرح لندني: حكايات الألم التي عبرت ال ...
- سرير من رماد


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره