أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - (عرضحال بغدادي) وذكريات من حانة دانيال














المزيد.....

(عرضحال بغدادي) وذكريات من حانة دانيال


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 14:29
المحور: الادب والفن
    


(1)
في مجموعته الأخيرة "عرضحال بغدادي" يطرح الكاتب خضير فليّح الزيدي عدّة موضوعات آنية – أقصد بآنية ما يخص الواقع الآني – فيعالجها معالجها يأمل أن تكون موضوعية سديدة، كذلك فقد بذل الكاتب، على ما يظهر، قصارى جهده المعرفي، ليصل بالتالي إلى الهدف السامي، وهو سبب طرحه لهذه القصص التي بلغت أربعة وعشرين قصة متنوعة. بعض هذه القصص كتبها على لسان الحيوانات (وهذا يذكرني برواية "مزرعة الحيوانات" للروائي جورج أورويل) مثلا قصة "الرجل الحمار أو حامل الشمعدان" وهي القصة الاولى بحسب التسلسل، و"فيل القصة المجنح" وقصة "يُحكى" وقصة "المغني الصاعد". وما لفت نظري إن القصة الأخيرة "المغني الصاعد" كانت ضربة موفقة للكاتب، وقد كتب احداثها الزيدي، على لسان الحيوانات، ففيها نقد لاذع لما يجري اليوم، في الساحة الفنية – الغنائية، من تهريج وبهرجة جوفاء، أطلق عليها الكثير بأنها "غناء" والمهرّج "مطرب". والكارثة ثمة من يستمع لهذا التهريج ويطرب له، ما معنى إن الذائقة أصبحت معدومة، أو قُل ماتت الأذواق أساسا، فأين نحن من الغناء السبعيني، على سبيل المثال، ذلك الصرح الفني الشاهق.
(2)
لكن (ولابد من لكن) في قصة "رجل هامشي" أظن إن الكاتب غير موفق في الطرح والفكرة، بل وغير موضوعي، وأظنه قد أخفق، حيث لم أجد في طرحها أي موضوعية أو فكرة مهمة، فهي خالية من المفارقة، ومن الدهشة التي هي الثيمة الحقيقية لما وراء الطرح الموضوعي لكل قصة.
(3)
أما القصة "عرضحال بغدادي – من سيرة مراد أفندي حلمي" والتي جاءت رقم 13 من التسلسل القصصي، وهي في ذات الوقت، العنوان العام للمجموعة، فهي فعلا تستحق أن تكون كعنوان شامل للكتاب، ذلك من حيث القيمة الفنية والتاريخية، وللاختيار والطرح الموضوعي، وفيها عبرة واعتبار.
الكاتب بدأ قصته بمقدمة خارج القص السردي، حيث أقتبس كلمة تاريخية، وحصرها بين هلالين، ذكر فيها حانة تقع في وسط بغداد، يرتادونها مجموعة من المجتمع البغدادي العراقي (بكل اطيافهم ومهنهم وطابعهم الاجتماعي، حيث كانوا لا يفرقون بين الواعظ – رجل الدين، أو آخر من طبقات المجتمع البغدادي فهم متحابون، تجمعهم الخمرة، التي هي سلوتهم). وكان يدير هذه الحانة رجل بغدادي أصيل يدعى دانيال، من الديانة المسيحية. يريد الكاتب بذلك الحديث عن المجتمع البغدادي، آنذاك، يوم كان متحاب لا يفرهم اللقب أو الدين أو المعتقد. وهذا الطرح هو طرح موضوعي ينتقد فيه الكاتب ما يمر به المجتمع العراقي اليوم: من تشتت وتفرقة على حساب القيم والمبادئ الاخلاقية والانسانية، جيث الذي جرى على مجتمعنا، هو ردة افعال لقضايا جاء بها غرباء من خارج الوطن، بهدف تفتيت هذا المجتمع المنفتح لغرض السيطرة عليه، ومن ثم تفتيته بحسب مقولة :"فرق تسد".
(4)
بطل القصة "مراد أفندي حلمي"، رجل حرفي يحب حرفته هذه بشغف، وهو ضيع فيها، بل فنان متمكن من أداء عمله، وحريص على عمله، يحب الناس ويرغب بمساعدتهم، ويودُّ أن تستعاد حقوقهم المشروعة، ومستحقاتهم من الدولة، فعاش حلمي هذا في ابان الدولة الملوكية، (يوم كان العراق ملكية وليس جمهورية) فهو لا يتوانى أن يقدم كل امكانياته المعرفية، وحتى خطه الجميل، الذي كان مميزا ويعرفه الجميع، لأنه كان منسقا وفيه لمسته الخاصة به، فحين يصل للحكومة لا تتوانى الحكومة بالطلب، بل تنفذ على الفور، لما جاء في العريضة من حق يعود للمواطن (هذا ايضا ضربة قاصمة لما يقع اليوم من حقوق مهضومة للمواطن، فتصر الحكومة على عدم تنفيذها، بل الاصرار على تمييعها).
وحين مات هذا الرجل، الذي هو زبون دائمي في تلك الحانة، رجل شهم لم يظهر منه الّا الخير لأنه دمث الأخلاق. وكان حادث موته أبشع حادث عرفته تلك المحلة، حيث رماه رجل غريب – ليس من ابناء البلد – "قتل حلمي بكعب زجاجة عرق اعترضت طريقه من زبون غريب في أعلى الجمجمة في حانة الركن الهادي – هذا هو اسم الحانة". (الذي قتل ابنائنا هم الغرباء، وهذا دليل أن ابناء البلد الواحد، كالعراق، لا يقتلون بعضهم البعض، بل الغرباء هم الحقيقيون من ارتكب هذه الجرائم) وحتى بعد موت حلمي ظلت الناس تتذكره وتثني على مواقفه الانسانية، وتذكر حسناته وأفعاله الطيبة، كإنسان شهم مفرط في شهامته.
(5)
حلمي نموذج صارخ للإنسان الذي يحب بلده وابناء بلده، وهو رجل عرفته المحلة التي كان يسكنها، وفي غيابه الابدي فقدت المحلة الرجل الطيب الذي كان يحب الجميع، والجميع كذلك، ولا يمكن أن يتعوض. الدليل أن جميع افراد المحلة ظلت تتذكره وتترحم عليه، وتشيد في مواقفته الشجاعة، وهو يمد لهم يد العون.
إذن، أين نحن اليوم من ذلك الرجل الأصيل الذي عاش ردحا من الزمن بين ربوع الناس، رغم كونه كان يشرب الخمر، لكن لم يكن يعتدي على الناس، ولم ترَ منه الناس أي أذية، بل كان محبوبا لدى الجميع.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا أفلاطون هجر الشعر وحارب الشعراء؟
- حقيقة الأديان والفهم المعاكس
- أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره
- أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره/ قصة خبرية
- لماذا تراجع الإعلام العراقي؟
- الإبداع الذي يبقى بعد الرحيل: لطفية الدليمي مثلا
- كيف تُجيب على الأسئلة الساذجة
- دعوة لدراسة الفلسفة
- حين يتكاثر الكتّاب ويختفي النقّاد
- منطق رجل الدين
- حرب باردة في عقولنا
- لماذا الدفاع عن المرأة جريمة في العالم العربي؟
- حول قصيدة النثر
- الفنانة التشكيلية تيسير كامل في معرضها الأول
- منتصف الحلم بتوقيت بغداد قراءة برؤية - أريك فروم(1)
- البديل: الأخلاق والعلم
- هذيان في زمن هش
- قراءة في كتاب (النقد الأدبي في روسيا ما بعد السوفييتية)
- حسين مردان.. شاعر التمرد
- لماذا الإساءة إلى السياب؟


المزيد.....




- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - (عرضحال بغدادي) وذكريات من حانة دانيال