|
|
الإنسان المستلب في (حين يصمت التمثال) نقد معرفي
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 20:10
المحور:
الادب والفن
الإنسان المستلب في (حين يصمت التمثال) نقد معرفي
لعلَّ أبلغ تعبير لمفهوم الشعر هو إن: "الشعر صناعة لفظية تستعملها جميع الأمم على اختلافها. والغرض الأصلي منه التأثير على النفوس لأثارة عواطفها، من سرور وابتهاج، أو حزن وتألم، أو اقدام وشجاعة، أو غضب وحقد، أو خوف وجبن، أو تهويل أمر وتعظيمه، أو تحقير شيء وتهوينه، أو نحو ذلك من انفعالات النفس".(1) ومن هذا المنطلق، جعلت الأمم والشعوب تلك بأن الشعر هو مصدر من مصادر المعرفة، وربما المصدر المهم، في هذا المعترك، كذلك العرب جعلوه من صميم ثقافتهم، ومن مصادر معرفتهم، لاسيما الشعر المسمى بالشعر الجاهلي، وقد أكد على ذلك طه حسين في كتابه المحظور "في الشعر الجاهلي".(2) فالشعر باق ببقاء الأمم والشعوب الحية، التي مازالت تحافظ على أرثها وثقافتها، وسمة عاداتها وفنونها وكذلك أخلاقها، لكون الشعر اصبح جزء هام في ديمومة الحياة الثقافية، لجميع الشعوب هذه والأمم. والصحيح أن الشعر أخذ يتطور كما تتطور الشعوب، نتيجة لأسباب كثيرة، ربما يعود للتطور الحضاري لها، حيث نرى مثلا الشعر في العالم العربي، فضلا عن العالمي، أخذ هو الآخر بالتطور: من العمودي الى الحر والتفعيلة، الى أن وصل الى القصيدة النثرية والتي اليوم أصبح صداها يصدح في الآفاق. في مجموعته الشعرية الأخيرة "حين يصمت التمثال" الصادرة عن "دار السرد" في بغداد لسنة 2026. نجد الشاعر أمير الحلاج في هذه المجموعة صور رمزية، وتدفق شعري، وانزياح لغوي، يكاد أن يخرج عن المألوف، من حيث اللغة المتدفقة، والتركيبات اللغوية التي جاءت وفق سياقات، اختزلها الشاعر عبر صور تجلت فيها ذكر: للحياة، الجمال، المعرفة، الإنسان كوجودي معرفي وسط هذا الكون الشاسع، إلى غير ذلك، مما جاء في مجموعته. (أخرج إلى النّور/ غادر قبة الوهم/ فالتعشيش في البوتقة السوداء/ بيوضه يهجرها التخصيب) راجع: ص 82 تمثّل هذه الصورة الخديعة الكبرى التي يعيشها الانسان، وهو لا يدرك شيء عن هذا الوجود، إلّا النزر اليسير، حيث تعصف به الحيرة، ويستبد به الوهم، وتسحقه المعاناة، وهو يكابر للتغلب على ذلك بفارغ الصبر، لا يفقه المعنى الحقيقي للكون والوجود. وما يكدر صفو الإنسان في هذا الوجود الغامض، وجود الشر، ومدعاة من يروم محاربته، لاسيما في عصرنا الراهن. وقد اعتبر أريك فروم من أن محاربة الشر ما هي الا مدعاة غير حقيقية جوفاء، بل عبارة عن شعارات فحسب. "وشعارات من قبيل محاربة الشر أو الشيطان في العالم اليوم شعارات جد ضبابية، تعني قبل كل شيء توظيف المقدّس لأحكام السيطرة على عالم الأشياء الفانية. وهو توظف مرفوض انسانيا وحضاريا، لأنه يؤدي بالضرورة الى صدام الحضارات، كما نظر الى ذلك هونتغتون، وهو صدام مفتعل ومرغوب فيه ومخطط له من أجل اقصاء كل الحضارات الأخرى، لكي نصل في الى المثل الأعلى لمبدأ الامتلاك، ألّا وهو الفوكويامي (نسبة الى المفكر فوكوياما) أي نهاية الانسان، اذا ما استحضرنا الى اذهاننا مرة أخرى واقعة كون مبدأ الامتلاك يقود حتما الى الملل والقرف".(3) ومن نص تحت عنون "تخليد" نقرأ: (التناقضات التي تتسع/ بيننا/ فجوتها/ بكلِّ ما تحمل من قوى الصراع/ أو أكفَّ لم َّ الوئام/ هي التي خلدت الوجود) ص: 80 صورة أخرى لمعنى الإنسان وصراعه مع الوجود، من جهة، وصراعه مع نفسه، بالتضاد، لأدراك غاية الوجود، حيث الفجوة تتسع كلما بان الغموض لتفسير الصراعات المستديمة، لتزداد الحيرة بالتالي، ويظهر العجز أمام تفسيرات يكسوها الغموض في فهم الانسان، لما يجري من حوله من غموض وتناقضات، لا يدرك كنهها. هذا "ولكن لا تزال هناك مسألة أساسية أخرى تتعلق بالإنسان عبرت عنه بقوة فلسفة العقود الأخيرة – ونعني بهذه الفلسفة ما يسمى بفلسفة الوجود الانساني والوجودية. فقد نظرنا في خصائص مختلفة للإنسان وكلها تمنحه كرامة معينة وقوة، وبفضلها سما الانسان على كل الحيوانات الأخرى. ولكن الانسان ليس ذلك فقط. إنه – وبفضل هذه الصفات – شيء غير كامل وقلق وقي حقيقة الأمر بائس. فالكلب أو الحصان يأكل وينام ويكون سعيدا، والحيوانات لا تحتاج أبدا الى شيء أكثر من اشباع دوافعها. لكن الأمر بالنسبة للإنسان: إنه يخلق باستمرار حاجات جديدة ولا يشبع أبدا..".(4) وربما هذه واحدة من اعقد الأمور التي واجهت وتواجه الإنسان، منذ الخليقة الى يومنا هذا المعاش. وفي نص "خرم إبرة" نقرأ: (لستُ خيطا/ لنتعانق/ فمروري عسير/ وذائقتي ليست على البدء الأول/ وسيرتي تأنف التكرار) ص: 68 المقطع من هذا النص يطرح اشكالية معرفية، لها علاقة وطيدة بحياة الإنسان، على اعتباره كيان وجودي له كينونته، كينونة قائمة بذاته، غير منفصلة عنه، فهو يمارس التكرار حين يحتدم الجدال في وجوده المعرفي، فتختلط عنده المعايير الجدلية، وبالتالي يخيّم عليه القلق. بحسب كيركيجارد الإنسان يعيش ثلاث حالات أو مراحل: المرحلة الذاتية، الدينية، والجمالية، فـ "الذي يعيش المرحلة الجمالية فقط، يداهمه بسرعة، شعور بالقلق والفراغ.. لكن ذلك يمثل شيئا ايجابيا، فالقلق برأي كيركيجارد شيء ايجابي قليلا، لأنه تعبير عن كوننا في مرحلة "وجودية" يمكن لمتذوق الجمال أن يختار "القفزة" الكبرى التي توصله الى المرحلة العليا، لكن يمكن ألا يحصل شيء. فلا فائدة من عبور العتبة، اذا لم نمض حتى النهاية. والقضية هنا قضية مبادرة لا يستطيع أحد أن يتخذها بدلا منك".(5) إذن عليك أنت، وأنت فحسب أن تتخذ القرار، وتحسم الموقف، وتقدّر ما ستحل لك من نتائج: سلبية كانت هذه النتائج، أم ايجابية. وفي نص آخر من المجموعة ذاتها، نقرأ نص تحت عنوان "تمثال في الساحة": (حين يصمت التمثال/ ثمة خلل/ تجسد فيه/ أو خيّم عليه/ فانفتحت نوافذ التأويل) ص 46 ما تُجنيه الصراعات النفسية والخارجية، سواء على الصعيد العام للإنسان، أم على صعيد النفسي، ثمة تخمينات وتأويلات تحاول أن تخمن قيمة الانسان الفعلية – بصرف النظر عن قيمته الوجودية أو المعرفية، حيث أن للإنسان قيمة معرفية أيضا – ومن هنا تختلف الصراعات النفسية عن الخارجية للإنسان، ولكل واحدة منها مبرراتها الخاصة، النفسية – الداخلية، هي الأكثر اضرارا من الخارجية كالحروب، وسواها من التي تسعى الى اختفائه. الصراعات النفسية ستفقده صوابه، إذ يتحول من كيان يعي ويدك إلى كيان يعيش الفوضة المميتة. فعليك أن تأخذ بنصيحة ماركوس أورليوس القائلة: "حاول أن تقنعهم، ولكن عليك أن تعمل ضد ارادتهم، اذا ما كان مبدأ العقل يقض بذاك. فإذا اعترض أحد طريقك بالقوة فتذرع بالهدوء وحوّل العائق الى تمرس بصنف آخر من الفضيلة. وتذكّر أن محاولتك كانت بتحفظ، أنك لم ترد أن تعمل المستحيل".(6) وبالنهاية، فإنّ صراع الانسان مع نفسه ووجوده: صراع ازلي ابدي لن يقف عند حد، طالما الانسان ما زال يجهل الغموض والايهام الذي يكتنف واقعه. الهوامش (1)الشيخ المظفر، المنطق، ص 453، الطبعة الثانية في طهران، بتحقيق السيد علي الحسيني. (2)راجع الكتاب المذكور الطبعة الأولى لسنة 1926، منشورات دار المعارف في مصر. (3)اريك فروم، الإنسان المستلب، ص 18، ترجمة د. حميد لشهب، تقديم د. راينر فونك. (4)جوزيف بوخنسكي، مدخل الى الفكر الفلسفي، ص 134، منشورات الفكر الفلسفي بغداد الطبعة الأولى لسنة 2025، ترجمة محمد حمدي زقزوق. (5)جوستاين غاردر، عالم صوفي، ص 402، منشورات دار المنى، ترجمة حياة الحويك عطية. (6)التأملات، ص 131، منشورات مرايا الكتاب، في مصر الطبعة الأولى لسنة 2010، ترجمة عادل مصطفى، وتقديم د. أحمد عثمان.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
علَّ العابرينَ لا يرونَ
-
يحيى السماوي.. حين يتنفس الشعر
-
الرمز المكثّف في قصة (نعل) للقاص رياض داخل- قراءة تأويلية
-
الماركسي المتديّن/ قصة قصيرة
-
القطيع والذكاء الاصطناعي
-
ترتيب الفوضى
-
حواء سر اكتمال الرجل
-
كي لا يضيعَ معي
-
رسالة وداع من كاتب عشق العراق
-
طفولة مهدورة - فصل من حياتي
-
خطورة انهيار المنظومة الأخلاقية في العراق؟
-
المطلبي...هكذا يرحلون صنّاع الجمال
-
الثورة مدينتي.. ذكريات طاعنة بالتجاعيد(1)
-
الحرب والعقل الجمعي
-
المرفقات الدلالية في قصة(نبض الأزاميل) لضاري الغضبان
-
القاص رياض داخل.. إنسانية الأديب بشاشة الروح
-
(عرضحال بغدادي) وذكريات من حانة دانيال
-
لماذا أفلاطون هجر الشعر وحارب الشعراء؟
-
حقيقة الأديان والفهم المعاكس
-
أبو سعد.. حكاية معلّم أكل الفقر عمره
المزيد.....
-
منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب
...
-
مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس
...
-
-شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في
...
-
-الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال
...
-
ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من
...
-
فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف
...
-
وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال
...
-
من الرحلة إلى المجاورة.. كيف صانت التراجم المغربية ذاكرة بيت
...
-
قصة حب شبيهة بالأفلام.. كيف غيرت رحلة على متن طائرة حياة هذا
...
-
المتنبي الخفي.. كيف تصنع الثقافة سوقا موازية وسط بغداد؟
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|