أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي















المزيد.....

سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 01:05
المحور: الادب والفن
    


لوحة فيصل لعيبي تنتمي إلى ذلك النمط البصري الذي يُحوِّل اليومي المألوف إلى نصٍّ ثقافي كثيف العلامات، حتى ليغدو السوق الشعبي، بما فيه من بطيخ وموز ووجوه وأقمشة وأوانٍ، عالماً رمزياً قائماً بذاته، لا مجرد مشهد وصفي عابر. ومن هنا فإن المنهج السيميائي يبدو الأقدر على الولوج إلى طبقاتها الدلالية، لأنه لا يتوقف عند ما يُرى، بل يتجاوز المرئي إلى ما ينتجه من معنى، وما يضمره من أنساق ثقافية واجتماعية وتاريخية. تقوم السيميائيات، كما هو معروف، على النظر إلى العمل الفني بوصفه شبكة من الدوال التي تُحيل إلى مدلولات متعددة، لا تُستنفد في قراءة واحدة. واللوحة هنا تفيض بهذه الشبكة منذ النظرة الأولى. فنحن أمام فضاء سوقي تتكدس فيه الفواكه، ولا سيما البطيخ الذي يحتل المساحة الأكبر، حتى يكاد يتحول من موضوع تشكيلي إلى علامة مركزية. إن هذا الحضور الطاغي للبطيخ ليس اعتباطاً، بل هو دالٌّ على الخصب والوفرة والذاكرة الصيفية العراقية، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك والقول إنه يرمز إلى اقتصاد العيش البسيط الذي كانت الأسواق الشعبية تمثله في المخيال المديني العراقي.
أول علامة مركزية في اللوحة هي الوفرة. تكرار البطيخ، والموز المعلّق، والعنب، والتفاح، والحمضيات، يخلق نسقاً من الامتلاء البصري. هذا الامتلاء لا يشتغل بوصفه وصفاً للسلعة فقط، بل بوصفه أيقونة للخير الأرضي. ففي السيميائيات البصرية، التكرار ليس مجرد إعادة شكلية، بل هو توكيد دلالي. كل ثمرة هنا تضاعف المعنى الذي تنتجه الثمرة الأخرى، حتى يتكوّن خطاب الوفرة بوصفه رسالة ثقافية عن العراق بوصفه أرضاً خصبة، رغم ما مرّ به من عسر تاريخي. أما الشخصيات الثلاث فتؤدي وظيفة علاماتية لا تقل أهمية عن الأشياء. الجالس إلى اليسار، بملامحه الهادئة وجلسته الواثقة و"النرجيلة" الموضوعة قربه، ليس مجرد بائع أو مستريح في السوق، بل هو دالٌّ على الزمن البطيء، زمن الطمأنينة الذي كانت المدينة العربية التقليدية تعرفه. جلسته المتأنية تقول أكثر مما تقوله ملامحه: إنها علامة على مجتمع لم تبتلعه السرعة الحديثة بعد. النرجيلة هنا علامة ثقافية بامتياز، تشير إلى الطقس الاجتماعي، إلى الثرثرة، إلى فسحة الوقت، إلى الحياة بوصفها معاشاً يومياً لا سباقاً محموماً.
في المركز، يقف الصبي أو الشاب الصغير حاملاً شريحة بطيخ. وهذه من أذكى العلامات في اللوحة، لأن الشخصية هنا تؤدي دور الوسيط السيميائي بين الطبيعة والإنسان. إن حمله للبطيخ وابتسامته المضمرة يفتحان دلالة البراءة، كما يرمزان إلى استمرارية الحياة بين الأجيال. الطفل في السيميائيات غالباً ما يحيل إلى المستقبل، إلى ما لم يتلوث بعد، إلى نقاء الوجود الأول. ووضعه في مركز اللوحة ليس أمراً بريئاً، بل يمنحه وظيفة محور المعنى: المستقبل يولد من قلب السوق، من قلب اليومي، من قلب الخصب. أما المرأة الواقفة إلى اليمين، بسلتها الممتلئة وخمارها الداكن، فهي علامة مركبة ذات أبعاد اجتماعية وثقافية. إنها لا تمثل فرداً بعينه، بل نموذج المرأة العراقية في الذاكرة الشعبية: الحارسة للاقتصاد المنزلي، السائرة بين السوق والبيت، الحاملة لعبء الاستمرار. السلة هنا ليست مجرد أداة، بل هي دالٌّ على الجمع والرعاية والاكتفاء. والمرأة، بحضورها العمودي المستقيم، تضفي على اللوحة معنى الثبات والوقار، فتبدو كأنها عمود معنوي يوازن في التكوين عمود السوق الحجري في الوسط. وهنا نصل إلى العمود المعماري الذي يتوسط اللوحة. سيميائياً، العمود ليس تفصيلاً زخرفياً، بل علامة على الاستمرارية الحضارية. إنه يربط السوق اليومي بالعمران العربي الإسلامي، ويمنح الفضاء بعداً تاريخياً. وجوده في المنتصف يخلق محوراً بنيوياً يقسم اللوحة إلى حقول دلالية: يسارٌ للسكينة، وسطٌ للحياة المتجددة، يمينٌ للاستقرار الاجتماعي. وبهذا يتحول العمود إلى علامة على النظام، على البنية التي تنتظم تحتها الفوضى الظاهرة للثمار والألوان.
لونياً، تشتغل اللوحة بمنطق سيميائي شديد الذكاء. فالأخضر المهيمن ليس مجرد لون طبيعي للبطيخ والثمار، بل هو دالٌّ على الحياة والاستمرار والرجاء. الأخضر هنا يبتلع مساحات واسعة، فيخلق إحساساً بأن الحياة هي الأصل، وأن كل الشخصيات ليست سوى مقاطع بشرية داخل نسيج الطبيعة. في المقابل، يبرز الأحمر في شريحة البطيخ وفي بعض الثمار بوصفه علامة على النبض الداخلي، على القلب الحي للخصب. هذا التقابل بين الأخضر والأحمر ينتج ثنائية الحياة/الطاقة، السكون/الاندفاع. ومن منظور سيمياء الفضاء، لا تبدو السوق هنا مكاناً فوضوياً كما في الواقع، بل مكاناً مثالياً مُنظَّماً. كل شيء موضوع بعناية، الثمار مكدسة في توازن هندسي، الشخصيات موزعة وفق نسق شبه مسرحي، الأرضية المربعة تضيف إيقاعاً منتظماً. وهذا التنظيم يشي بأن الفنان لا يرسم السوق كما هو، بل كما ينبغي أن يُتذكَّر: فضاءً جمالياً للعيش المشترك. إننا هنا أمام سوق الذاكرة لا سوق الواقع، أمام مدينة مُتخيَّلة تُصاغ وفق الحنين.
ومن أهم ما يكشفه المنهج السيميائي في هذه اللوحة هو العلاقة بين الإنسان والشيء. الأشياء ليست صامتة، بل تنطق عبر ترتيبها. الفاكهة ليست مجرد مادة غذائية، بل خطاب عن الأرض والعمل والمواسم. الأواني الموضوعة في الوسط، والنرجيلة، والسلة، كلها علامات على الاقتصاد المنزلي والثقافة الشعبية. بهذا المعنى، تتحول اللوحة إلى أرشيف بصري للحياة العراقية، حيث يغدو كل تفصيل علامة على أسلوب عيش كامل. ثمة أيضاً بعدٌ أسطوري خفي في اللوحة. فالتكرار الكثيف للثمار، وهدوء الوجوه، والتناظر في التكوين، كلها تجعل السوق أقرب إلى فردوس أرضي. إنها ليست سوقاً للبيع والشراء فقط، بل فضاءٌ للسلام والطمأنينة، عالم لا صخب فيه ولا مساومة، بل توازن بين الإنسان والطبيعة. هذه المثالية هي بحد ذاتها علامة أيديولوجية، إذ يستعيد الفنان عبرها صورة العراق الممكن، أو العراق الذي يسكن الذاكرة الجمعية. في المحصلة، تكشف القراءة السيميائية أن لوحة فيصل لعيبي ليست تمثيلاً لسوق شعبي فحسب، بل نص بصري متعدد الطبقات. الثمار علامات على الخصب، الشخصيات علامات على الأدوار الاجتماعية، العمود علامة على الحضارة، الألوان علامات على الحياة، والتنظيم الهندسي علامة على الذاكرة المثالية. هكذا تتحول اللوحة إلى خطاب ثقافي عن العراق: عراق السوق، البيت، المرأة، الطفل، الأرض، والوفرة. إن قوة هذه اللوحة تكمن في أنها تجعل من المألوف اليومي بنيةً رمزية عالية الكثافة. فكل ما يبدو بسيطاً فيها يحمل معنى أبعد من ظاهره. وهذا هو جوهر المنهج السيميائي: أن يكشف كيف يتحول البطيخ إلى رمز، والمرأة إلى نسق، والسوق إلى نص، والذاكرة إلى صورة. ومن هنا يمكن القول إن فيصل لعيبي ينجح في أن يمنح الحياة الشعبية العراقية لغة بصرية تُقرأ كما يُقرأ الأدب، حيث لا شيء بريئاً، ولا شيء صامتاً، وكل عنصر يقول ما هو أكثر من نفسه.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيدات شارع المتنبي: جمالية الحضور الأنثوي وذاكرة المدينة في ...
- حسن السوداني؛ سادن الصورة وناسج المعنى
- طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة ال ...
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان


المزيد.....




- بيت المدى يحتفي بالشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي بمناسبة مئ ...
- عواطف نعيم: المسرح العراقي يمتلك هوية تضاهي المسارح الكبرى
- حملة “خلّينا نزرع” تُحيي فضاء مدرسة الموسيقى والباليه بالتشج ...
- ابن بطوطة والأمير الصغير في سفر معرفي بمعرض الرباط الـ31 للك ...
- مخرجة فيلم -السودان يا غالي- هند المدب: هدف الحرب الأهلية هو ...
- الشاعر القطري شبيب بن عرار: في الأزمات الشاعر لا يملك ترف ال ...
- المعرض الدولي للكتاب بالرباط يحتفي بالرحالة بن بطوطة
- مهد فن الطهي الراقي في خطر.. كيف تهدد الوجبات السريعة ثقافة ...
- بألحان أم كلثوم.. أطفال غزة يغالبون قسوة النزوح بالغناء لـ - ...
- -متحف الانتحار- يفتح جرح لا مونيدا: المدى تحصل على حقوق ترجم ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - سيمياء اليومي وبلاغة السوق: قراءة في لوحة فيصل لعيبي