أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة النقد حين يلامس جوهر الكارثة















المزيد.....

طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة النقد حين يلامس جوهر الكارثة


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 22:51
المحور: الادب والفن
    


تنهض قراءة الأستاذ الدكتور طارق النعمان لديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي للشاعرة باهرة عبد اللطيف بوصفها واحدة من أبرع المقاربات النقدية العربية التي استطاعت أن تمنح النص الشعري حقّه الجمالي والمعرفي والأنطولوجي في آن واحد. وما يلفت في هذا البحث، منذ سطوره الأولى، أنه لا يتعامل مع الديوان بوصفه مادة قابلة للشرح المدرسي أو التلخيص الانطباعي، بل بوصفه بنية شعرية معقّدة، ذات طبقات متعددة من الاشتغال الدلالي والأسلوبي والرمزي، الأمر الذي يكشف عن ناقد يمتلك حساسية عالية تجاه النص، مقرونة بصرامة أكاديمية راسخة، وخبرة منهجية تجعله قادرًا على تفكيك أكثر المناطق استعصاء في الكتابة الشعرية الحديثة. لقد أدرك الأستاذ الدكتور طارق النعمان منذ البداية أن هذا الديوان ليس ديوانًا "عن الحرب" بالمعنى المألوف، وإنما هو ديوان "الحرب" نفسها، من حيث هي مبتدأ النص ومنتهاه، ومركزه التداولي والرمزي. هذه الملاحظة التأسيسية تكشف عن وعي نقدي نافذ؛ إذ يميّز بين حضور الحرب بوصفها موضوعًا جزئيًا في قصائد متفرقة، وبين حضورها بوصفها النسق الكلي الذي يحكم بنية الديوان كلها. ومن هنا جاءت قراءته متناسبة مع طبيعة النص، فلم يسقط عليه أدوات جاهزة، بل استولد من داخله منطقًا نقديًا يوازي منطقه الشعري.
تكمن براعة هذا البحث في قدرته على الجمع بين مرجعيات نقدية حديثة متباينة دون أن يفقد وحدته الداخلية. فمن خلال استثماره الرصين لأفق جيرار جينيت في تحليل العتبات النصية، نجح الباحث في تحويل عنوان الديوان إلى مختبر تأويلي كثيف، كشف من خلاله عن الطبيعة الاستعارية والمنظورية للعنوان. لم يكتفِ بوصف "الحرب" ثيمة مركزية، بل أبان كيف يتحول فعل "التعرّي" إلى جهاز أخلاقي وفضحي يجرّد الحرب من أقنعتها، وكيف تصبح "النافذة" وسيطًا إبصاريًا ومعرفيًا يحدد زاوية الرؤية ويؤطر علاقة الداخل بالخارج. هذه القراءة لا تدل فقط على إلمام نظري، بل على قدرة عالية في تطويع النظرية لخدمة النص لا لإخضاعه. والأهم من ذلك أن البحث يذهب إلى أبعد من حدود القراءة البنيوية التقليدية، حين يربط بين بنية العنوان والبنية الكلية للديوان، ليصل إلى استنتاج بالغ الأهمية، مفاده أن العنوان لا يقدّم موضوع النص فحسب، بل يقدّم آلية اشتغاله. وهذه من العلامات الفارقة في النقد الرفيع؛ أي الانتقال من وصف ما يقوله النص إلى فهم كيف يشتغل من الداخل.
في تحليله للإضاءات الثلاث، يبلغ البحث ذروة نضجه العلمي. لقد قدّم الدكتور طارق النعمان نموذجًا لما يمكن أن نسمّيه "النقد التحويلي"، أي النقد الذي يتتبع تحولات الأثر من مستوى إلى آخر: من الألم بوصفه بقايا حسية للحرب، إلى اللغة بوصفها معملًا لاستقطار المعنى، ثم إلى الذات بوصفها كيانًا يتماهى مع الكارثة. إن تتبعه الدقيق لسلسلة الأفعال في الإضاءة الأولى: "أهشّم، ألمّ، أعجن، أعصر، أستقطر" يكشف عن حس أسلوبي استثنائي، استطاع أن يرى في ندرة أدوات العطف ليس مجرد اقتصاد لغوي، بل معادلًا تركيبيًا للتوتر النفسي والانفجار الشعوري. إن هذا المستوى من القراءة يضعنا أمام ناقد لا يقرأ الكلمات، بل يقرأ الطاقة التي تحرّكها. فهو يلتقط من البنية النحوية ما يتجاوز النحو إلى علم نفس النص، ويرى في التكرار أثرًا من آثار الصدمة، وفي الضمائر المحذوفة والمكرورة نظامًا سبكيًا يضمن وحدة النص رغم تشظيه الظاهري. وهذه قدرة لا تتأتى إلا لناقد متمرّس يجمع بين البلاغة الحديثة والتحليل النفسي للنص. ومن أبرز وجوه التميز في هذا البحث أن صاحبه لم يكتفِ بالتحليل الأسلوبي، بل وسّع أفق القراءة إلى ما وراء الشعرية، حين قرأ الإضاءة الأولى بوصفها نصًا "ما وراء شعري"، يفكر في شروط إنتاج القصيدة ذاتها. هنا تتجلى قوة الباحث في رصد اللحظة التي يتحول فيها الألم من أثر جسدي ونفسي إلى أثر لغوي وتأويلي، بحيث يغدو معنى الحرب نفسه نتيجة عملية تحويل معقدة، لا معطى جاهزًا. هذا المستوى من الفهم يرقى بالبحث من قراءة وصفية إلى قراءة إبستمولوجية في شروط إنتاج المعنى.
كما يُحسب للبحث توظيفه العميق لمفاهيم الصدمة والتكرار القهري عند سيغموند فرويد، ثم انتقاله الذكي إلى أفق كتابة الكارثة عند موريس بلانشو. لقد استطاع الناقد أن يبرهن أن الإضاءات الثلاث لا تخضع لمنطق زمني خطي، بل لزمن الصدمة: زمن دائري، متشظٍّ، وكارثي. وهذا استنتاج نقدي بالغ العمق؛ لأنه يعيد تعريف العلاقة بين البنية النصية والزمن النفسي، ويجعل من ترتيب الإضاءات جزءًا من منطق الجرح لا من منطق الحكاية. أما قراءته لفكرة "قصف اللغة"، فهي من أكثر أجزاء البحث فرادة وابتكارًا. هنا يقدّم الدكتور طارق النعمان مساهمة نقدية حقيقية يمكن البناء عليها نظريًا. فالحرب، في تصوره، لا تقصف المدن والأجساد فقط، بل تقصف اللغة نفسها من الداخل، فتفقد الكلمات استقرارها المرجعي، ويتشظى التركيب، ويتضخم المعنى حتى يعجز عن الاحتواء. إن هذا التصور يفتح أفقًا نقديًا بالغ الحداثة، لأنه ينقل النقاش من تمثيل الحرب في اللغة إلى أثر الحرب على اللغة ذاتها. وحين يربط هذا المنطق بمفهوم التكرار والاختلاف لدى جيل دولوز، يصبح البحث أكثر إشراقًا من الناحية النظرية. فثبات كلمة "الحرب" وتحوّل أخبارها من شذرة إلى أخرى يكشفان عن بنية تكرارية تفاضلية تجعل كل تعريف جديد نفيًا ضمنيًا لكفاية ما سبقه. هذه ملاحظة نقدية دقيقة للغاية، لأنها ترى في التكرار أداة لتفكيك المعنى لا لتثبيته، وهو ما ينسجم تمامًا مع منطق الحرب بوصفها حدثًا يستعصي على القبض النهائي.
إن قيمة هذا البحث لا تكمن فقط في عمق أدواته، بل في أخلاقيته النقدية أيضًا. فالناقد لا يفرض سلطته على النص، بل ينصت إليه، يرافقه، يتورط فيه بالمعنى المعرفي الجميل للكلمة. ولذلك جاءت قراءته وفيّة لفرادة الديوان، منفتحة على احتمالاته، واعية بأن نصًا بهذا الثراء "يقتضي كتابًا كاملًا"، كما ألمح بحق. إننا بإزاء بحث يليق حقًا بالمستوى الأكاديمي الرفيع الذي يمثله الأستاذ الدكتور طارق النعمان، بحث يجمع بين فطنة القراءة، وصرامة المنهج، وأناقة اللغة النقدية، وسعة الأفق النظري. وهو، في تقديري، لا يشيد بديوان باهرة عبد اللطيف فحسب، بل يقدّم نموذجًا عربيًا متقدمًا لكيفية قراءة الشعر حين يكون الشعر نفسه منطقة كارثة، ومنطقة كشف، ومنطقة اختبار نهائي لقدرة اللغة والنقد معًا. إنها قراءة تستحق الإشادة لا لأنها "تشرح" النص، بل لأنها أعادت خلقه نقديًا، ورفعت الحوار مع الشعر إلى مرتبة العلم الرفيع والجمال الصارم.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم ...
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى


المزيد.....




- البصرة تستعد لانطلاق مهرجان -السوبر ستار- للأفلام القصيرة
- السعودية تحتفي بمهرجان الفنون التقليدية
- بزشكيان: تتجلى أصالة الحضارات في منعطفات تاريخية هامة. فمواق ...
- -الأطلال-: 60 عاما من الخلود في حضرة -الهرم الرابع- أم كلثوم ...
- فيلم لمخرجة يمنية في مسابقة أسبوع النقاد بمهرجان كان 2026
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: معارضة إسبانيا والصين وروسيا ...
- أفلام مهرجان كان 79.. غياب أمريكي وانحياز لسينما المؤلف
- فيلم -العروس-.. قراءة فنية جديدة لفرانكشتاين
- 100 دولار وابتسامة.. هل استغل ترمب عاملة التوصيل بمسرحية سيا ...
- البرلمان الفرنسي يقر قانونا يُسهل إعادة القطع الفنية المنهوب ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة النقد حين يلامس جوهر الكارثة