أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ التاريخ العراقي















المزيد.....

العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ التاريخ العراقي


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 19:04
المحور: قضايا ثقافية
    


المؤرخ رجلٌ إذا صمتَ نطقت عنه القرون، وإذا تكلمَ أفاقت من رقادها الدول، وإذا كتبَ انتقلت الأمم من غبار النسيان إلى صفاء الشهادة. وليس التاريخ صحائف تُقلب، ولا أسماء تُحصى، ولا حوادث تُسرد، ولكنه عقلُ الأمة إذا أرادت أن تتذكر، وضميرُها إذا خافت أن تضيع، ولسانُها إذا احتاجت أن تُفصح عن أصلها وفصلها. ومن هذا الباب الرفيع يلوح اسم العلامة المؤرخ محمد جاسم حمادي المشهداني، رجلٌ جعل من التاريخ محرابًا، ومن الوثيقة برهانًا، ومن الجامعة منبرًا، حتى غدا في العراق والعالم العربي عَلَمًا يهتدي به الباحثون، ومرجعًا تنتهي إليه الأسئلة، وركنًا من أركان المدرسة التاريخية العربية المعاصرة. ولد في الطارمية من بغداد سنة 1950، والبلاد يومئذٍ تلد رجالها من طين النهر وعرق الفلاحين وصبر المعلمين، فشبَّ في بيئة تعرف معنى الأرض والذاكرة، وتفهم أن الأمكنة لا تُحفظ بالحجارة وحدها، بل بما يُكتب عنها في دفاتر العلم. درس في مدارس الطارمية، وكانت بداياته الأولى كالنبتة التي تُبشر بما سيكون لها من ظل وارف، ثم مضى في درب التحصيل حتى نال الدكتوراه في التاريخ من كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1983، فكانت تلك الدرجة خاتمَ الجهد، ومفتاحَ الرحلة الكبرى في دنيا البحث والتأليف.
وليس كل من نال الدكتوراه صار مؤرخًا، كما أن ليس كل من أمسك بالقلم صار كاتبًا؛ لأن التاريخ يحتاج إلى بصيرة تُميِّز بين الخبر والرواية، وتفصل بين الهوى والحقيقة، وتعرف مواضع الصمت في النصوص كما تعرف مواضع البيان. وقد أوتي المشهداني من ذلك حظًا وافرًا، فجمع بين صرامة الباحث، وسعة الأستاذ، ووقار العالم، حتى عمل أستاذًا للتاريخ الإسلامي في عدد من الجامعات العربية والعراقية، يهب الطلبة من علمه ما يهديهم، ومن منهجه ما يقوِّم خطاهم، ومن تجربته ما يفتح لهم أبواب الفهم. والأستاذ الحق ليس من يملأ الأسماع بالمعلومات، ولكنه من يوقظ في العقول ملكة السؤال، ويعلِّم تلامذته كيف يُحسنون الشك قبل أن يُحسنوا اليقين، وكيف يزنون النصوص بميزان النقد لا بميزان العاطفة. وهكذا كان المشهداني، لا يكتفي بأن يروي، بل يُعلِّم كيف تُروى الرواية، ولا يكتفي بأن يعرض الحدث، بل يكشف طبقاته، ويستخرج علله، ويصل بين مقدماته ونتائجه، حتى يغدو التاريخ عنده علمًا للحياة، لا سردًا للماضي وحده. ثم ارتقى إلى موقعه الذي استحقه بالجدارة، فصار الأمين العام لاتحاد المؤرخين العرب في بغداد، ورئيسه منذ سنة 1996 إلى اليوم، وهو منصب لا يقوم به إلا من جمع بين المعرفة والإدارة، وبين المكانة العلمية والحضور العربي. فالمنصب في ذاته لا يرفع صاحبه إن لم يكن العلم قد رفعه، ولكن الرجل كان من أولئك الذين يرفعون المناصب بمقدار ما تضيف إليهم من خدمة للمعرفة. وفي هذا الموقع غدا حارسًا لذاكرة المؤرخين العرب، يجمع شتاتهم، ويصون تراثهم، ويؤكد أن الأمة التي تُهمل مؤرخيها تُسلم نفسها إلى العمى. وإذا كان التاريخ ذاكرة الأمم، فإن المؤسسات العلمية هي الوعاء الذي يحفظ تلك الذاكرة من التبدد. ومن هنا جاءت رئاسته للهيئة العلمية لمعهد التاريخ العربي والتراث العلمي، فكان في هذا الموضع أشبه بالبستاني الذي لا يزرع لنفسه، بل يغرس للأجيال. يرعى البحوث، ويشرف على المشاريع، ويقوِّم النتاجات، ويمنح الباحثين من وقته وعلمه ما يجعلهم أقدر على حمل الأمانة. وكم من رسالة جامعية خرجت إلى النور بعد أن مرَّت على نظره، وكم من أطروحة استقامت حجتها بعد أن تناولها نقده الرصين.
أما مؤلفاته، فهي الشاهد الذي لا يكذب، والدليل الذي لا يحتاج إلى مدح قائله. فمنها "الجزيرة الفراتية في التاريخ"، وهو كتاب لا يصف جغرافيا المكان فحسب، بل يبعث فيه روح السياسة والاجتماع والاقتصاد، حتى ترى الإقليم كأنه كائن حي يتنفس عبر العصور. ومنها "موارد البلاذري في كتاب أنساب الأشراف"، وفيه يظهر معدن المحقق المدقق، الذي لا يكتفي بالنص، بل يفتش عن منابعه، ويقارن موارده، ويعيد بناء شبكة المعرفة التي أنتجته. ومنها "محاكمة العلقمي في التاريخ"، وهو عنوان يكشف عن شجاعة فكرية، لأن المؤرخ هنا لا يكتفي بإعادة الأحكام الموروثة، بل يضع الشخصيات التاريخية في ميزان النقد، ويسائل الروايات التي أحاطت بها، ليفصل بين ما أنتجه الغضب السياسي وما أثبته البرهان العلمي. وهذه الكتب، وإن اختلفت موضوعاتها، يجمعها خيط واحد، هو الإيمان بأن التاريخ لا يُقرأ بعين واحدة. فالأحداث عنده ليست جزرًا متباعدة، بل أرخبيلٌ من المعاني المتصلة، والنصوص ليست أصنامًا تُعبد، بل شواهد تُفهم، وتُعارض، وتُمحص، وتُستخرج منها الدلالات. وهكذا يتجلى فيه أثر المدرسة العراقية الرصينة في البحث التاريخي، تلك التي ترى أن الوثيقة أولًا، ثم العقل، ثم المقارنة، ثم الحكم. ولقد أشرف على عشرات الأطاريح والرسائل الجامعية، وهذه وحدها سيرةٌ أخرى موازية لسيرة التأليف. فالعالم الذي يكتب كتابًا واحدًا نافعًا قد يخدم جيلًا، أما الذي يخرِّج عشرات الباحثين فإنه يخدم أجيالًا متتابعة. وكل طالبٍ نهل من علمه هو في الحقيقة صفحة جديدة من صفحات أثره. والكتب قد تبقى في الرفوف، أما التلامذة فإنهم يمشون في الأرض، ويكتبون، ويُدرِّسون، وينشرون ما أخذوه من أستاذهم، فيغدو الرجل مدرسةً لا فردًا، ومؤسسةً لا اسمًا.
وإذا أردنا أن نصف أثره في كلمة، قلنا: هو من صنف المؤرخين الذين لا يكتبون الماضي ليمجِّدوه، بل ليفهموه، ولا يستحضرون الشخصيات ليصنعوا منها أصنامًا، بل ليضعوها في سياقها الإنساني والسياسي. فالتاريخ عنده ليس محكمة للثأر، بل مختبر للفهم. ومن هنا اكتسبت كتاباته ذلك الرصين الذي يزاوج بين الأمانة العلمية وجرأة السؤال. وللمؤرخ هيبةٌ من نوع خاص، ليست هيبة السلطان الذي يُطاع خوفًا، بل هيبة العالِم الذي يُحترم اقتناعًا. وهيبة المشهداني جاءت من اجتماع خصال شتى: طول النفس في البحث، والعدل في الحكم، والقدرة على إدارة الاختلاف، والصبر على تفاصيل النصوص، وحسن الإفادة من التراث العربي والإسلامي. فهو ممن يعرف أن الحادثة الصغيرة قد تفتح بابًا لفهم عصرٍ كامل، وأن الهامش قد يكون في بعض الأحيان أصدق من المتن. وما أحوج العراق، وهو بلد الحضارات والطبقات التاريخية المتراكبة، إلى أمثال هذا الرجل، ممن يجعلون من الماضي وسيلة لبناء الوعي، لا مادةً للانقسام. فالمؤرخ حين يكون أمينًا لا يداوي جراح الذاكرة بالكتمان، بل بالتحليل والفهم، ولا يُسكت الضجيج بالتزييف، بل بإعادة ترتيب الوقائع في ضوء المنهج.
ولو شئتَ أن تجعل لمحمد جاسم حمادي المشهداني صورةً مجازية، لقلت: هو خازنُ الذاكرة العربية، يقف على أبواب الزمن، يفتح للماضي ما استغلق، ويغلق على الوهم ما تسرب، ويهدي القارئ من متاهة الروايات إلى جادة الفهم. عاش للتاريخ حتى صار التاريخ بعضَ صورته، وكتب للعرب حتى صار اسمه في سجل مؤرخيهم من الأسماء التي إذا ذُكرت اقترنت بالرصانة والمرجعية. فهذا رجلٌ لم يجعل العلم زينةً، بل رسالة، ولم يتخذ المنصب وجاهةً، بل خدمة، ولم ينظر إلى التاريخ كحطام أخبار، بل كبناءٍ للوعي الجمعي. ومن كانت هذه سيرته، فإن الثناء عليه ليس مدحًا لشخص، بل إقرارٌ بقيمة العلم حين يسكن رجلًا، وبقيمة الرجل حين يخلص للعلم. ولو أن الجاحظ أدرك زماننا، ورأى مثل هذا المؤرخ، لقال: "هو رجلٌ إذا جالس الكتب أنطقتْه، وإذا جالس الناس أفادهم، وإذا جالس التاريخ أحياه". وهذا، في الحق، أعدل ما يقال في العلامة المؤرخ محمد جاسم حمادي المشهداني.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-


المزيد.....




- مصادر: محادثات تحضيرية بين سفراء أمريكا ولبنان وإسرائيل الجم ...
- قبل مفاوضات لبنان وإسرائيل: حزب الله يحذّر من -التنازلات الم ...
- ممر استراتيجي نحو أوروبا.. اتفاق ثلاثي بين تركيا والأردن وسو ...
- أرملة حمد العطار -أبو العيون العسلية- الذي قتل في مرفأ بيروت ...
- سيارة ذاتية القيادة تدهس بطة في ولاية تكساس
- الاتحاد الأوروبي يرحب بالمحادثات المباشرة المزمعة بين إسرائي ...
- مع ارتفاع أسعار الطاقة.. كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يصبح أ ...
- هجمات ما بعد -الهدنة الإيرانية-.. تكتيك حزب الله لاسترداد زم ...
- دعوات في الكونغرس للإطاحة بترمب وسط اتهامات خطيرة
- فوق السلطة: هدنة -المنتصرَيْن-.. من يملك الحقيقة في -حرب الس ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ التاريخ العراقي