أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية توليدية في نقد مسلسل -حمدية-














المزيد.....

الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية توليدية في نقد مسلسل -حمدية-


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 19:14
المحور: قضايا ثقافية
    


في خضمّ الصخب الرمضاني المتراكم، حيث تتعالى أصوات الحملات المنظمة دون أن تبلغ مستوى النقد المعرفي الرصين، يبرز تدخل الدكتور بشير حاجم بوصفه علامة فارقة بين نمطين من الخطاب: خطاب يكتفي بالمناورة على الأطراف، وخطاب يمتلك أدوات التحليل امتلاكاً واعياً. فقراءته لمسلسل حمدية لا تقف عند حدود الرأي الانطباعي، بل تتخذ هيئة نص نقدي مكتمل الشروط، يمكن إدراجه ضمن التطبيقات الممكنة لمنهج لوسيان غولدمان في البنيوية التوليدية، ذلك المنهج الذي ينطلق من الربط الجدلي بين بنية العمل الفكرية والبنية الاجتماعية التي أفرزته، رافضاً الاكتفاء بتفكيك المعاني السطحية أو ملاحقة الرسائل المباشرة. يتحرك نص بشير حاجم داخل معمار واضح يقوم على مبدأ "التراتب"، وهو مبدأ لا يقتصر على ترتيب الأفكار، بل يعبّر عن وعي نقدي ينظر إلى العمل الفني بوصفه بنية كلية تتألف من مستويات مترابطة. فهو لا يشن هجوماً على "فكرة" المسلسل في ذاتها، وإنما يشرع في تفكيك آليات اشتغاله الجمالي والتقني، بوصفها المدخل الأصدق إلى مساءلة القيمة الفنية. وهذه المقاربة هي أولى الإشارات إلى انتماء النص إلى منطق النقد البنيوي الذي لا يعزل الجزء عن الكل ولا يفصل المضمون عن الشكل.
يعمد حاجم إلى استعراض العناصر الثلاثة الكبرى في الإنتاج الدرامي: القصة أو الرواية الأصلية، ثم السيناريو والحوار، وأخيراً الإخراج. وفي المستوى الأول من التحليل، يكتشف تناقضاً بنيوياً حين يواجه بين العنوان الفرعي للرواية "النصف الأول من مأساة امرأة عراقية" وبين توصيفه لها بوصفها "صحفية ريبورتاج". هذا التناقض لا يُقرأ بوصفه مجرد خلل وصفي، بل بوصفه دلالة على اضطراب العلاقة بين الشكل والمضمون: فالعنوان يوحي ببنية تراجيدية، في حين تنزلق المعالجة إلى نمط تقريري يفرغ الثيمة من بعدها الدرامي. هنا تتجلى الإشكالية البنيوية في أوضح صورها، إذ يصبح الشكل قادراً على تقويض المعنى بدل أن يعمقه. وفي مستوى السيناريو والحوار، يرصد حاجم ثنائية الاهتزاز والركاكة بوصفها سمتين مهيمنتين على البنية النصية. فحين يصف مشهدي العزاء والزواج بأنهما "غير وافيين" و"مخجلان"، فإنه لا يصدر حكماً ذوقياً عابراً، بل يشير إلى خلل في البنية السردية نفسها، حيث تفشل اللحظات المفصلية في إنتاج أثرها الدرامي. وبهذا المعنى، يصبح الضعف التقني مؤشراً على عجز البنية عن توليد دلالتها الداخلية.
ويتعمق التحليل حين يلتفت حاجم إلى مسألة "تعدد اللهجات" في مخاطبة الأب داخل البيئة الواحدة، بوصفها علامة على تصدع البنية اللغوية للنص. فالتباين غير المبرر في مستويات الخطاب لا يكشف فقط عن ارتباك لغوي، بل يفضح انهيار مبدأ الاتساق الداخلي الذي تقوم عليه أي دراما ذات مصداقية فنية. إن اللغة هنا لا تعود أداة تمثيل للعالم، بل تتحول إلى عنصر كاشف عن هشاشة البناء الدرامي نفسه. بهذا المسار التحليلي، يتجاوز نص بشير حاجم حدود التعليق الصحفي إلى فضاء النقد المنهجي، حيث تُقرأ تفاصيل العمل بوصفها أعراضاً لبنية أعمق، وتتصل أخطاؤه التقنية بأسئلة أوسع تتعلق بالعلاقة بين الشكل الفني والسياق الاجتماعي الذي أنتجه. ومن ثم، فإن أهمية هذا النص لا تكمن فقط في موقفه من مسلسل بعينه، بل في كونه نموذجاً لكيف يمكن للنقد أن يستعيد وظيفته المعرفية، بعيداً عن ضجيج الحملات، وقريباً من مساءلة البنية والمعنى في آن واحد.
تبلغ قراءة بشير حاجم النقدية ذروتها حين نتأمل لا فيما كشفه من عيوب فنية فحسب، بل بما مثله هو شخصياً بصفته ناقداً. فطبقاً لمنهج البنيوية التوليدية عند لوسيان غولدمان، لا يعبر العمل الأدبي “أو النقدي “ الحقيقي عن رؤية فردية منعزلة، وإنما يجسد "رؤية كونية" لطبقة أو مجموعة اجتماعية معينة. وما كتبه حاجم عن مسلسل "حمدية" يتجاوز كونه رأياً شخصياً عابراً؛ إنه تعبير مكثف عن وعي نقدي جماعي كان يراوغ على الهامش، فوجد في هذا الناقد من يترجمه إلى لغة علمية رصينة. وهكذا يتحول "الوعي الممكن" الذي يختزن تذمر المشاهدين وخبراتهم المبعثرة إلى "وعي فعلي" متحقق على صفحته، بكلمات واضحة وحجج منظمة. حين يقول حاجم "هذا المسلسل ضعيف من الناحية الفنية بالتراتب"، ثم يبني حجته متدرجاً من الرواية إلى السيناريو فالإخراج، فإنه يمارس نقداً بنيوياً بامتياز.
لكن جوهر نقده المعرفي يتجلى في خلاصته الصاعقة: "تعبوي لا جمالي". هذه الثنائية هي لب الرؤية الكونية التي يحملها حاجم بصفته مثقفاً عضوياً، فالتمييز الحاسم بين العمل الفني الذي يشتغل على جماليات الشكل في المقام الأول، وبين العمل الدعائي الذي يستخدم الفن غطاءً لتمرير رسائله، يشكل عمدة هذه الرؤية. إن مفهوم "التعبوي" عند حاجم ليس مجرد نقيض للجمالي، بل يتجاوز ذلك إلى موقف إبستمولوجي من وظيفة الفن ذاتها. فالناقد هنا يمارس ما وصفه غولدمان بأنه الكشف عن بنية العمل الفكرية التي تتوسط بين الأساس الاجتماعي (الطبقة أو المجموعة التي ينتمي إليها الناقد) والأنساق الفنية. وبهذا لا يصدر حاجم أحكاماً ذوقية سطحية، بل يفكك زيف أعمال تدّعي لنفسها صفة "الفن" وهي تفتقر إلى أدنى أدواته، ويكشف عن البنى الخفية التي تجعل من العمل مجرد أداة تعبوية تفتقد إلى المشروعية الجمالية. ما أنجزه بشير حاجم في هذا النص القصير يمثل نموذجاً للفعل النقدي المسؤول. لقد التقط البنية المهتزة للمسلسل من الداخل، وحللها بدقة، ثم فسرها في ضوء رؤية نقدية أصيلة تمثل ضمير مشاهد عراقي وعربي يرفض أن يباع له الوهم تحت مسميات الدراما. وهكذا كان حاجم في صلب الحدث، حين كان غيره على الهامش يدور في فلك المراوغة. في زمن الحملات المنظمة والضجيج الإعلامي الذي يخلط الأوراق، يظل النقد الرصين هو الفعل الأكثر ثورية، لأن مواجهة "التعبوي" لا تكون إلا بـ"الجمالي"، ومواجهة الخطاب المضلل لا تكون إلا برؤية نقدية واعية تمتلك أدواتها وتعي مسؤوليتها.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة
- القصيدة بوصفها تميمة لغوية ضد وهم الاكتمال؛ قراءة في قصيدة ب ...
- مالك المطلبي ومحمد خضير: قراءة معرفية في سرد المدينة والحلم


المزيد.....




- فيضانات مميتة تجتاح بيرو.. صاعقة برق تصيب شخصا وانهيار جسر إ ...
- هكذا ردت مصر على مزاعم سفير أمريكا -بأحقية إسرائيل في أراض د ...
- الكويت.. الداخلية توضح حقيقة فرض عقوبات على تنظيم -الغبقات- ...
- -رسالة مطوّلة- وصلت إلى طحنون بن زايد.. ماذا يريد محمد بن سل ...
- أخبار اليوم: مقتل قيادي و7 من عناصر حزب الله بغارة إسرائيلية ...
- أوروبا والاعتماد على الغاز الأمريكي.. استقلال أم ارتهان؟
- ليون: مسيرة لتكريم ناشط يميني وسط استنفار أمني كبير
- تحويل منزل هتلر في النمسا إلى مركز شرطة يثير جدلا بين الذاكر ...
- نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله: -لم يعد لدينا خيار سوى ا ...
- -أنا متألقة-.. قصة روان أول حافظة للقرآن بمتلازمة -داون-


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية توليدية في نقد مسلسل -حمدية-