أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس















المزيد.....

بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 20:08
المحور: الادب والفن
    


" الرجل؛ لا أراك تصلي يا زوربا
زوربا؛ الذي يصلي لن تراه
الرجل؛ هل معنى هذا أنك تصلي؟
زوربا؛ نعم لا تستطيع قطرة البحر إلا أن تكون في أعماق الموج
الرجل؛ ولكن كيف تصلي؟
زوربا؛ هل تعتقد أن أصلي صلاة شحاذ وضيع يتذلل من أجل أطماعه ومخاوفه؟ بل أصلي كرجل
الرجل؛ وكيف يصلي الرجال؟
زوربا؛ نضحك ونتكلم كصديقين
الرجل؛ ألا تطلب منه شيئا
زوربا؛ هو أكرم من أن أطلب منه طالما نظر فوجد حبا أعطاه
الرجل؛ وماذا تفعل عند الخوف؟
زوربا؛ أخاف ككل إنسان ولكن عندي يقين أن الحب يذهب الخوف"
هذا مقطع من رواية زوربا اليوناني لِـنيكوس كازانتزاكيس، نصّ يبدو في ظاهره حوارا بسيطا عن الصلاة، لكنه في عمقه ينفتح على دراما الذات في مواجهتها مع المطلق، وعلى تمزق الإنسان بين ما يقال وما يُعاش، وبين الخوف والرغبة، وبين الطلب والحب. وإذا قُرئ هذا المقطع في ضوء التحليل النفسي الأدبي عند جاك لاكان، فإنه يتحول من جواب عن سؤال ديني إلى مشهد لغوي تتجسد فيه بنية الذات المنقسمة وعلاقتها بالآخر الكبير عبر شبكة دقيقة من الاستعارات والانزلاقات الدلالية. يفتتح الحوار بسؤال ظاهره بسيط: "لا أراك تصلي يا زوربا". غير أن الجواب يأتي مراوغا: "الذي يصلي لن تراه". هنا ينشطر الفعل بين مرئي ولا مرئي، بين ما يُعرض على عين الآخر وما ينزوي في عمق التجربة. الذات التي تصلي لا تظهر، والذات التي تظهر لا تصلي. هذه الثنائية توازي، في المنظور اللاكاني، انقسام الذات بين ما يُنطق في الحقل الرمزي وما يُختبر في مستوى لا يُختزل إلى صورة. الصلاة تُنزَع من كونها طقسا مشاهدا إلى كونها علاقة خفية، كأنها فعل لا يحتمل التشييء في صورة، لأن جوهره يقع في منطقة لا تمسكها العين بل اللغة وحدها.
وحين يُسأل زوربا إن كان يصلي حقا، لا يجيب بنعم مباشرة، بل يستدعي صورة: "لا تستطيع قطرة البحر إلا أن تكون في أعماق الموج". هذه الاستعارة لا تعمل بوصفها تزيينا شعريا، بل بوصفها إحلالا لدال مكان دال، حيث تتحول الذات إلى قطرة، ويتحول المطلق إلى بحر، وتُلغى الحدود بين الجزء والكل في مشهد لغوي واحد. في هذا الانزلاق الاستعاري يتجلى توق دفين إلى الذوبان، إلى تعليق الانفصال، إلى محو المسافة بين الأنا وما يتجاوزها. غير أن هذا الذوبان لا يتحقق إلا في اللغة، أي في رمز يعترف بالنقص حتى وهو يحلم بتجاوزه. إن الذات لا تقول "أنا متحد بالله"، بل تقول "أنا كقطرة في الموج"، فتجعل وحدتها مشروطة بالاستعارة، أي مشروطة بالانفصال ذاته. ثم يأتي نفي "صلاة الشحاذ"، وفي هذا النفي يتحدد موقف الذات من الآخر الكبير. الشحاذ هو من يجعل الآخر موضعا لسد النقص، من يحول العلاقة إلى طلب، والطلب في المنطق اللاكاني خطاب موجَّه إلى سلطة قادرة على الإشباع. زوربا يرفض هذا الموضع، لأنه يدرك أن تحويل الله إلى موضوع للطلب يضع الذات في مقام المهانة الرمزية، أي في مقام من يعترف بعجزه المطلق. لذلك يعلن أنه يصلي "كرجل"، أي بوصفه ذاتا تقف أمام الآخر لا في وضع الاستجداء بل في وضع الخطاب الندي. الرجولة هنا ليست جسدا ولا هوية بيولوجية، بل موقع لغوي، موقف من العلاقة، تموضع في شبكة الرموز، حيث يكون الإنسان مخاطِبا لا متوسلا.
وحين يُسأل كيف يصلي الرجال، تأتي الإجابة: "نضحك ونتكلم كصديقين". الضحك والكلام يحلان محل الركوع والطلب. الصلاة تتحول إلى فعل لغوي صرف، إلى حوار، إلى علاقة تقوم على تبادل الكلمات لا على تبادل المنافع. في هذا التحول ينتقل المقدس من طقس مغلق إلى خطاب مفتوح، من صورة جامدة إلى علاقة تُبنى بالكلام. الكلام هنا ليس وسيلة نقل معنى جاهز، بل هو ذاته موضع اللقاء. فالذات لا تملك شيئا تعطيه سوى لغتها، وحين تتكلم مع الآخر الكبير فإنها تضع نفسها في قلب النظام الرمزي، أي في المكان الذي تتشكل فيه الرغبة لا بوصفها حاجة بل بوصفها سؤالا مفتوحا. وعندما يُسأل زوربا إن كان يطلب شيئا من الله، يجيب: "هو أكرم من أن أطلب منه طالما نظر فوجد حبا أعطاه". هنا يبلغ الخطاب ذروة مفارقته. الطلب يُلغى، والحب يُنصَّب وسيطا. الحب ليس إحساسا نفسيا فقط، بل علامة لغوية تُعرِّف الذات في علاقتها بالآخر. بدل أن تقول: أعطني، تقول: انظر إلى حبي. وكأن الذات تعي أن ما يُعطى لا يأتي استجابة لطلب، بل استجابة لاعتراف. الحب يصبح دالا يقوم مقام العري، مقام العرض، مقام الإشارة إلى الوجود ذاته. بهذا المعنى، تتحول الصلاة إلى عرض للرغبة لا إلى صيغة من صيغ الحاجة.
لكن النص لا يغفل الخوف. حين يُسأل زوربا: "وماذا تفعل عند الخوف؟" يجيب بلا إنكار: "أخاف ككل إنسان". الاعتراف بالخوف هو اعتراف بالهشاشة، بالخصاء الرمزي، أي بإدراك أن الذات ليست مكتفية بذاتها. غير أن الجواب لا يتوقف عند هذا الحد، بل يضيف: "ولكن عندي يقين أن الحب يذهب الخوف". الحب هنا يؤدي وظيفة رمزية حاسمة: إنه لا يمحو الخوف واقعيا، لكنه يمنحه شكلا يمكن قوله. الخوف، حين يبقى في مستوى الواقعي، يكون رعبا بلا لغة، أما حين يدخل في خطاب الحب فإنه يتحول إلى تجربة قابلة للتسمية، قابلة للتشارك، قابلة للتحمل. وهكذا يعمل الحب بوصفه ستارا رمزيا يحجب العراء الوجودي دون أن ينفيه. في هذا المقطع القصير تتشابك ثلاثة مستويات: مستوى الصورة، حيث الله صديق يُضحك معه؛ مستوى اللغة، حيث الصلاة كلام لا طلب؛ ومستوى الواقع، حيث الخوف حاضر لا يُمحى. هذه المستويات لا تلغي بعضها بل تتجاور في بنية واحدة. الله ليس صورة خالصة ولا قانونا مجردا، بل نقطة التقاء بين الرهبة والضحك، بين المطلق واليومي. النص لا يقدم لاهوتا، بل يقدم تجربة ذاتية للمقدس، تجربة تُبنى من خلال الاستعارة والحوار، لا من خلال العقيدة الصارمة.
وإذا كان الحوار يجري بين زوربا وسائله، فإنه في العمق حوار داخل الذات نفسها، بين صوت يريد أن يرى الطقس بعينه، وصوت يريد أن يعيشه بلغته. أحدهما يمثل عين المجتمع التي تراقب، والآخر يمثل رغبة الفرد في أن يصوغ علاقته الخاصة بالمطلق. في هذا الصراع تتكشف طبيعة الصلاة بوصفها مسألة خطاب لا مسألة شكل. فأن تصلي يعني أن تجد صيغة تقول بها نقصك دون أن تتحول إلى متسول، وأن تواجه خوفك دون أن تسقط في الصمت. هكذا يصبح هذا النص قطعة أدبية عن الرغبة أكثر مما هو قطعة دينية عن العبادة. إنه يكتب العلاقة بالله بوصفها علاقة لغوية، أي علاقة تمر عبر الاستعارة والضحك والحب. الذات لا تلغي المسافة بينها وبين المطلق، لكنها تملأ هذه المسافة بالكلام، كما تملأ القطرة المسافة بينها وبين البحر بالموج. وفي هذا الامتلاء المؤقت، في هذا التواطؤ بين اللغة والخوف، يتشكل معنى الصلاة لا بوصفها ركوعا للجسد، بل بوصفها وقوفا للذات أمام سرها الأكبر وهي قادرة على أن تقول له: أنا أخاف، لكني أحب.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...
- كريم شغيدل: حين يتحول السؤال إلى معرفة


المزيد.....




- كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة
- حرب غزة وانتهاكات الاحتلال تثير الجدل في مهرجان برلين السينم ...
- 70 عاما فوق المئذنة.. محمد علي الشيخ حارس أذان الجوقة الدمشق ...
- -مجلس السلام- أم هندسة الفصل؟ قراءة في تحوّلات الشرعية والتم ...
- فيلم -اللي باقي منك-: مأساة عائلية تختصر تاريخ فلسطين
- ويلي كولون أسطورة موسيقى السالسا يرحل عن عمر يناهز 75 عامًا ...
- 5 رمضان.. يوم صاغته فتوحات الأندلس وعمّدته دماء اللّد بفلسطي ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس