أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال















المزيد.....

سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 00:34
المحور: الادب والفن
    


أما بعد، فإن من الناس من يكتب الكتاب فيكون همه أن يكثر سواده، ويملأ بياضه، ويجلب إلى سمع القارئ طنين اللفظ وجلجلة العبارة، فإذا انقضى من قراءته لم يجد السامع إلا صدىً يزول، وأثرًا يضمحل، كالنقش على الماء، لا يثبت له رسم، ولا يقيم له ذكر. ومنهم قوم إذا أخذوا في البيان، وأرسلوا عِنان القلم، لم يجعلوا الكلام زينة تُرى، بل جعلوه آلةً تُهتدى، وسراجًا يُستضاء، ومفتاحًا يُفتح به مغلق المعاني. وسعيد الغانمي من هذا الضرب الثاني، ممن إذا تكلم في اللغة أبان، وإذا دخل في التأويل أحسن، وإذا عرج على الأسطورة كشف، وإذا انصرف إلى الترجمة لم ينقل الألفاظ وحدها، بل نقل الأرواح والمعاني، وردَّ النص إلى حياة أخرى كأنها أول خلقه. وليس العجب من رجل كثرت كتبه حتى جاوزت الستين، فإن كثرة العدد قد تكون من باب الإكثار الذي لا طائل تحته، وقد يكون صاحب الدفتر أكثر الناس فقرًا إلى العلم، كما يكون صاحب المال أقلهم انتفاعًا به. ولكن موضع العجب من الغانمي أن هذه الكثرة قد انتظمتها وحدة، وربطها خيط، وجمعها قصد، حتى كأن كتبه على تباعد موضوعاتها كتاب واحد، فصوله موزعة، وأبوابه متفرقة، وغرضه متصل لا ينقطع. فهو إذا كتب في اللغة، كان كمن يمهد الأرض للبناء، وإذا كتب في السرد، كان كمن يرفع الجدران، وإذا كتب في الأسطورة، كان كمن يزخرف السقف، وإذا كتب في الفلسفة، كان كمن يضع النوافذ التي يدخل منها نور العقل. وقد كان مبتدأ أمره في العراق، والعراق بلد إذا ذكرتَه ذكرتَ معه تقادم الحضارات، وتتابع الدول، واختلاط الأديان، وتجاور الأساطير، حتى كأن أرضه طبقات من الذاكرة، بعضها فوق بعض. فمن نشأ في هذه التربة لم يكن بدٌّ من أن تتسع نفسه لأسئلة الأصل، وأن يميل طبعه إلى الحفر في الجذور، وأن يرى في كل نص حديث ظلًّا لنص قديم. ومن هنا كان انصرافه في حداثة طلبه إلى علم اللغة، إذ علم أن اللسان هو أول مفاتيح العالم، وأن من جهل أبواب اللغة لم يهتد إلى خزائن المعنى. فجاء كتابه "اللغة علماً" شاهدًا على عقلٍ لم يرضَ بظاهر الاستعمال، بل أراد أن ينفذ إلى باطن النظام، وأن يجعل من اللغة موضوع نظر، لا مجرد أداة قول.
ثم انظر، رحمك الله، إلى كتبه في النقد، مثل "المعنى والكلمات" و"أقنعة النص" و"منطق الكشف الشعري"، تجد الرجل لا يقف عند ظاهر اللفظ وقشر العبارة، بل يطلب من النص ما وراء نصه، ومن الكلام ما وراء كلامه. وذلك أن كثيرًا من الناس إذا قرأوا ظنوا أن القراءة تناولُ ألفاظ، وحفظُ عبارات، واستظهارُ مسائل، وليس الأمر كذلك. إنما القراءة الصحيحة أن تجعل النص حيًّا في ضميرك، متحركًا في عقلك، متجددًا مع كل مراجعة، حتى كأنك لا تقرأه إلا أول مرة. وهذا هو الذي وعاه الغانمي، فجعل من التأويل ضربًا من المعايشة، لا صنعةً مدرسية جافة، ولا تمرينًا على المصطلح وحده. ولذلك كان كتابه "الكنز والتأويل" من أنفس ما يدل على مذهبه، لأن الكنز لا يُنال بسطح النظر، ولا يُدرك من أول وهلة، بل يحتاج إلى من يحسن التنقيب، ويصبر على الطبقات، ويعلم أن النفيس لا يكون إلا في العمق. وكذلك النصوص عنده، لا تعطيك سرها من أول قراءة، ولا تفتح لك أبوابها إلا إذا أتيتها من باب الصبر وحسن السؤال. ومن أجل ذلك عُني بالحكاية العربية القديمة، لأنها معدن الرمز، ومستودع الذاكرة، ومسرح اختلاط الواقع بالخيال، والتاريخ بالأسطورة. فإذا جئت إلى شغفه ب"ألف ليلة وليلة" رأيت من أمره عجبًا، لأن الرجل لم ينظر إليها كما ينظر إليها القصاص وأصحاب السمر، بل نظر إليها بعين من يعلم أن الأمم تضع حكمتها الكبرى في حكاياتها. فشهرزاد عنده ليست امرأة تؤجل موتها، بل هي صورة للثقافة وهي تدفع الفناء بالسرد، وتجعل من الحكاية حصنًا للوجود. ومن هنا كان كتابه "خيال لا ينقطع" شاهدًا على فهم عميق لوظيفة السرد في حياة الإنسان، وأن الإنسان إنما يحيا بقدر ما يحسن أن يروي نفسه لنفسه.
ثم بلغ هذا النظر غايته في كتابه "فاعلية الخيال الأدبي"، وهو الكتاب الذي استحق به جائزة الشيخ زايد، لا لأن صاحبه أكثر فيه الإحالات، أو زخرف فيه القول، بل لأنه ردَّ للخيال منزلته التي جهلها كثير من أهل عصرنا. فإن قومًا يظنون الخيال ضد العقل، وليس الأمر كما حسبوا. بل الخيال عند المحققين باب من أبواب المعرفة، وصورة من صور إدراك العالم، وبه انتقلت الأمم من الأسطورة إلى الفلسفة، ومن الرمز إلى المفهوم. وقد أحسن الغانمي إذ بيّن أن الصورة ليست زينةً للعقل، بل قد تكون سبيله الأولى إلى الفهم، كما أن الطفل يعرف الأشياء أول ما يعرفها بالصورة قبل الحدّ والتعريف. ومن دلائل سعة هذا الرجل أنه لم يحبس نفسه في فن واحد، فإن ضيق المذهب من ضيق النفس، وإنما العالم الحق من وسعت آفاقه، وتعددت مشاربه، واتصلت عنده العلوم بعضها ببعض. فقرأ ابن خلدون لا بوصفه مؤرخًا، بل بوصفه صاحب نظر في العمران، وقرأ المعتزلة لا بوصفهم فرقة كلامية، بل بوصفهم صورة من صور انتظام العقل في الثقافة العربية، وقرأ "الفلاحة النبطية" لا بوصفها كتاب زرع، بل بوصفها نصًّا تتجاور فيه الفلسفة والزراعة والأسطورة. وهذه الطريقة هي التي ترفع العالم من رتبة الجامع إلى رتبة المنشئ، لأنه لا يكتفي بأن يحفظ، بل يحسن أن يربط ويستنبط. وأما ترجماته، فإن الترجمة عند قوم نقل ألفاظ، وعند المحققين نقل حضارات. وسعيد الغانمي من هؤلاء. فقد نقل بورخيس فكأنما ردَّ المتاهة إلى أصلها الشرقي، ونقل بول ريكور فكأنما قرَّب الفلسفة من ذائقة العربية، ونقل نورثروب فراي وجاكبسون وكانط، فجعل العربية أوسع مما كانت، وأقدر على استقبال المفاهيم الدقيقة. والمترجم الحق ليس من يبدل لفظًا بلفظ، بل من يكسو المعنى ثوبًا عربيًا لا يبدو فيه أثر الاغتراب، حتى تظن الفكرة مولودة في لغتك لا منقولة إليها.
ومن أعجب ما في مشروعه رجوعه إلى التراث البابلي والرافديني، من "أترا حسيس" إلى "من بابل إلى بغداد". وهذا يدل على أن الرجل لم يكن يرى الثقافة العربية جزيرة منفصلة، بل كان يراها نهرًا تصب فيه روافد شتى، من الأساطير الأولى، ومن حضارات الطين، ومن ألواح المسمار، حتى ينتهي إلى مخطوطات بغداد. فهو بهذا يرد الوعي العربي إلى جذوره العميقة، ويكشف أن كثيرًا مما نظنه جديدًا إنما هو قديم في صورة أخرى، وأن الثقافة إنما تقوم على التحول لا على القطيعة. ومن محاسن قوله ما رُوي عنه من تعظيم عبارة "لا أعرف"، لأن هذه الكلمة عند الجهال نقيصة، وعند العلماء فضيلة. إذ من عرف حد علمه أمكنه أن يجاوزه، ومن جهل موضع نقصه بقي أسير الوهم. ولهذا كان قوله "سأعلن عن بداية مشروعي بعد أول خمسين كتاباً" من أبلغ ما قيل في التواضع العلمي، لأنه جعل كثرة الكتب مقدمة لا خاتمة، وابتداءً لا تمامًا. فإذا أردت أن تجمع أمر سعيد الغانمي في كلمة واحدة قلت: هو رجل جعل الكتاب وطنًا، واللغة سبيلًا، والخيال أداة معرفة، والتاريخ مرآةً للإنسان. لم يكتب ليملأ رفوف المكتبات، بل كتب ليوقظ في قارئه حاسة السؤال، ويجعله يرى أن النصوص ليست حروفًا جامدة، بل كائنات حية، كلما أحسنت الإصغاء إليها كشفت لك من أسرارها ما لم يكن في حسبانك. وهذا، أصلحك الله، هو الفرق بين الكاتب الذي يستهلك ما ورث، والكاتب الذي يحيي ما ورث. فالأول حافظ، والآخر خالق. والأول يمر في الذاكرة مرور الغمام، والآخر يبقى كالنهر، كلما أخذت منه ماءً ازداد جريانًا. وسعيد الغانمي من هذا الضرب الذي لا ينفد، لأن مادته ليست الورق، بل العقل، وليست العبارة، بل البصيرة، وليست المعرفة وحدها، بل المعرفة إذا امتزجت بالعشق.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...


المزيد.....




- لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام؟
- الفنان عزيز خيون: المسرح العراقي -رسالة تنويرية-
- فيديو مسرّب لمدير الـFBI كاش باتيل… يُظهره يرقص على أنغام مو ...
- بعد سنوات من الغياب.. سيلين ديون تعود إلى المسرح من بوابة با ...
- الأدب في زمن الشاشة.. هل انتهت هيبة الورق؟
- سيلين ديون تعلن عودتها إلى المسرح
- دورة ثامنة ل-الإكليل الثقافي- في الرباط حول الجهوية المتقدمة ...
- القضاء التونسي يحكم بسجن الصحفي غسان بن خليفة عامين والنقابة ...
- سيلين ديون تعلن عودتها إلى المسرح من برج إيفل: -أنا مستعدة- ...
- كيف حوّل زكي ناصيف دبكة القرية اللبنانية إلى هوية وطنية؟


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال