أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ العلم














المزيد.....

مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ العلم


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 15:59
المحور: الادب والفن
    


ليس كلُّ من تولّى دارًا صار لها، ولا كلُّ من جلس على باب المعرفة عرف كيف يفتح مغاليقها، فإنّ من الناس من يملك المفاتيح ولا يُحسن بها إلا إغلاقًا، ومنهم من إذا مسّ القفلَ بالكلمة انفرج، وإذا لامس الكتابَ بالعقل استنطق ما سكت من معانيه. ومن هذا الضرب رجلٌ عُرف بحسن السعي، ومضاء الهمّة، ورهافة البصيرة، وهو مهند حلوة، سادنُ دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، التي ما برحت تحت يده تنمو كما تنمو الشجرة إذا صادفت ماءً عذبًا وتربةً طيبة. ولقد قيل إنّ العلمَ حياةُ الأرواح، وإنّ الكتابَ وعاءُ العقول، وإنّ الأممَ لا تُقاس بما تملك من الحجر، بل بما تحفظ من الأثر، وما تُشيّد من فكر. فإذا صحّ هذا، فقد أحسن الرجلُ إذ جعل داره موئلًا للعلم، ومرفأً ترسو عنده سفائن الباحثين، حتى غدت الدارُ عَلَمًا من أعلام النشر العربي، تُشار إليها بالبنان، وتُذكر في المجالس بذكرٍ حسن. وقد شهدت لها الأيام بما صنعت، إذ فازت في الدورة الثالثة من جائزة الكتاب العربي بفئة الإنجاز للمؤسسات، وهو فوزٌ لا يناله إلا من طال سعيه، واستقام نهجه، ورسخت قدمه في أرض المعرفة. وما ذلك الفوز عند ذوي البصائر بضربة حظّ، ولا بثمرة يومٍ وليلة، ولكنّه حصادُ أعوامٍ من العمل الصامت، فإنّ خيرَ السعي ما خفيت بداياته وظهرت آثاره. وقد رأيتُ كثيرًا من الناس يرفعون أبنيةً من الورق، فإذا هبّت ريحُ الامتحان تناثرت، أمّا هذه الدار فقد بُنيت على أصلٍ من الصبر، وفرعٍ من الدأب، وسُقيت بماء الاختيار الصارم، حتى أثمرت كتبًا في المحاسبة، والتربية، والجغرافيا، والإدارة، واللسانيات، والمعاجم، وسائر ما تتشعّب إليه حاجات العقل العربي.
ومن عجيب أمر النشر أنّه يشبه الزراعة أشدّ الشبه، لأنّ الزارع يُلقي الحبّة في ظلمة التراب وهو يرجو منها سنابل النور، وكذلك الناشر يدفع بالكتاب إلى عالمٍ مزدحم بالصخب والصور، وهو يرجو أن يجد قارئًا يمدّ إليه يد الفهم. وليس كلُّ ناشرٍ يحسن هذا الرهان، لأنّ بعضهم يبيع الورق، وبعضهم يوقظ الوعي. وقد بدا من صنيع مهند حلوة أنّه من الفريق الثاني، إذ جعل من النشر رسالةً لا صفقة، ومشروعًا للنهضة لا تجارةً عابرة. وإنّي لأعجب من قومٍ يظنون أنّ دور النشر خزائنُ كتبٍ وحسب، وما علموا أنّها خزائنُ أعمار. ففي كل كتابٍ زمنُ مؤلفه، وقلقُ فكره، وسهرُ لياليه، وعرقُ قلبه. فإذا جاء ناشرٌ بصيرٌ جمع هذه الأعمار، ورتّبها، وأحسن تقديمها، فقد شارك في صناعة الزمن الثقافي للأمة. وهذا ما فعلته دار كنوز المعرفة، إذ لم تقف عند حدود نشر الكتب العلمية الرصينة، بل مدّت يدها إلى المؤلفين الشباب، تشجّعهم، وتفسح لهم موضعًا في سوقٍ يضيق غالبًا بالجدد، كأنّها تقول: من ضنّ بالمستقبل ضاع منه الحاضر. وقد كان من تمام عقل الإدارة أن لا تنغلق الدار على جدران عمّان، بل تخرج بكتبها إلى المشرق والمغرب، وتحمل اسمها إلى المعارض العربية والدولية، حتى صار لها حضورٌ في معرض الكويت الدولي للكتاب وغيره من المحافل التي تتلاقى فيها العقول قبل الأجساد. والمعارض، في ظني، ليست أسواق بيعٍ فقط، بل مواسمُ اختبار، يُعرف فيها الناشر من أثره، كما يُعرف الفارس عند صهيل الميدان. فإذا رأيت دارًا يكثر حول جناحها القرّاء، ويقف عند رفوفها الباحثون، فاعلم أنّ وراءها عقلًا يعرف من أين يُؤكل المعنى، وكيف يُصاغ الكتاب ليبقى.
وللجوائز شأنٌ عجيب، فإنها عند الصغار زينةُ أسماء، وعند الكبار أمانةُ مسؤولية. وقد أحسن مهند حلوة حين جعل من الفوز بالجائزة عهدًا جديدًا لا نهايةً لمسار، لأنّ أخطر ما يصيب المؤسسات أن تظنّ التكريم خاتمةً، وهو في الحقيقة امتحانُ بداية. فكلُّ درعٍ يُعلّق على الجدار إنما يسأل صاحبه: ماذا بعد؟ وكلُّ شهادةٍ لا تلد مشروعًا جديدًا ليست إلا ورقةً أخرى في الأرشيف. ومن جميل ما يُذكر في أمر هذه الدار أنّها لم تُغْرِها كثرةُ العناوين عن جودة المتون، فإنّ من الناس من يُكثر العدد ليستر قلّةَ المعنى، ومنهم من يقلّ لكنّه يُحسن. وقد جمعت هذه الدار بين الكثرة والتمييز، وهو جمعٌ عسير، لأنّ السيل إذا اتّسع ضعف جريانه، إلا إذا كان وراءه من يعرف كيف يوجّه الماء إلى مجاريه. ومن هنا كان حسن الإدارة ضربًا من البلاغة العملية، لأن البلاغة ليست في الكلام وحده، بل في وضع الشيء موضعه، والكتابُ إذا وُضع في غير قارئه كان كالحكمة في غير أهلها. ثم إنّ لعمّان فضلًا في هذه الحكاية، فهي مدينةٌ عرفت كيف تصادق الكتاب، وتُبقي للمكتبات نبضًا في زمن الشاشات. وفيها قامت الدار، ومنها انطلقت، كأنّ المكان قد منحها بعض طبعه: هدوءًا في الظاهر، وامتلاءً في العمق. وليس غريبًا أن تُشيد بها وزيرة الثقافة الأردنية، وأن يكرّمها اتحاد الناشرين الأردنيين، لأنّ المؤسسات الثقافية تعرف أبناءها الذين يحملون عنها عبءَ الكلمة في زمنٍ صار فيه الضجيجُ أسهلَ من الفكر.
ولو أردتُ أن أقول في الرجل كلمةً على طريقة أهل البيان لقلت: إنّه ممن عرف أن المعرفة لا تُصان إلا بمن يخدمها من وراء الستار. فالمؤلفُ يسطع اسمه على الغلاف، أمّا الناشرُ الحقّ فيبقى مثل الجذر، لا يُرى، لكنّ الشجرة لا تقوم إلا به. ولولا أمثال هؤلاء لضاعت كتبٌ كثيرة بين يدي الإهمال، وماتت أفكارٌ في مهدها قبل أن تبصر قارئًا. وهكذا تمضي دار كنوز المعرفة في نهجها، لا تستكثر الطريق، ولا تستبطئ الثمرة، عالمةً أنّ الكتابَ شجرةُ زمنٍ طويل، وأنّ من أراد مجدًا سريعًا فليتجر بغير الثقافة، أمّا من أراد أثرًا يبقى بعد انطفاء الأسماء، فليغرس في الورق عقلًا، وفي الحرف ضميرًا، وفي القارئ شهوةَ السؤال. ذلك هو مجدُ مهند حلوة: ليس أنّه أدار دارًا، بل أنّه جعل من الدار عقلًا يمشي بين الناس، يوقظ قارئًا هنا، ويمنح باحثًا هناك، ويقول للمعرفة في زمن العجلة: ما زال لكِ رجالٌ يحرسونك.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم


المزيد.....




- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ العلم