أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما المصرية















المزيد.....

رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما المصرية


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 20:48
المحور: الادب والفن
    


هناك ممثلون يمرّون في الذاكرة مثل ومضات عابرة، وهناك من يرسخون فيها بوصفهم بنية شعورية كاملة، كأنهم جزء من جهاز الإدراك الجمعي نفسه. في هذه المنطقة الثانية يقيم رياض الخولي، لا باعتباره مجرد فاعل في الحكاية الفنية المصرية، بل بوصفه علامة دالة على تحولات أعمق في الذائقة، وفي تمثيل السلطة، وفي صورة الإنسان الشعبي حين يصعد إلى الخشبة أو الشاشة حاملا معه كل تناقضاته. إن قراءة مسيرته من منظور النقد الثقافي لا تعني تتبع أدواره فقط، بل تفكيك الأنساق التي جعلت من حضوره ممكنا ومؤثرا إلى هذا الحد. وُلد في فضاء ريفي بمحافظة المنوفية، وهذا التفصيل الذي قد يبدو عابرا يتحول، في القراءة النقدية، إلى مفتاح تأويلي مهم. فالريف هنا ليس مجرد مكان، بل خزان رمزي للقيم والتوترات، وهو ما سيظهر لاحقا في قدرته على تمثيل الشخصية الصعيدية أو الشعبية بصدق يتجاوز الأداء إلى نوع من "المعرفة الجسدية" بالشخصية. حين التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية وتخرج عام 1976، لم يكن يدخل إلى مؤسسة تعليمية فحسب، بل كان يعبر عتبة الانتقال من المخزون الشعبي الخام إلى الصياغة الجمالية الواعية. هذه الثنائية بين الأصل والتشكيل ستلازمه طوال مسيرته، وتمنحه تلك القدرة النادرة على أن يبدو طبيعيا ومصنوعا في آن واحد. في الثمانينيات، حين بدأ حضوره الفعلي يتكثف، كانت مصر تمر بتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، وكان المجال الفني يعيد تشكيل نفسه استجابة لهذه التحولات. هنا يظهر الخولي بوصفه ممثلا قادرا على التقاط "روح اللحظة" دون أن يقع في المباشرة. لم يكن نجما صاخبا، بل كان يتسلل إلى الأدوار المركبة، تلك التي تحتاج إلى ممثل يقرأ ما بين السطور، لا من يكتفي بنطقها. ومع تراكم ما يقرب من مئتي عمل، يصبح السؤال ليس عن الكثرة، بل عن نوعية الحضور داخل هذه الكثرة، وكيف استطاع أن يحافظ على خط جمالي خاص به داخل صناعة تميل إلى التكرار.
تأتي محطة فيلم "طيور الظلام" عام 1995 لتكشف عن هذا الخط بوضوح. في شخصية "علي الزناتي"، لا يقدم الخولي دورا تقليديا، بل يجسد بنية سلطوية كاملة، مزيجا من البراغماتية والانتهازية والدهاء الشعبي. الشخصية هنا ليست فردا فقط، بل تمثيل لمرحلة سياسية واجتماعية تتداخل فيها الدين والسياسة والمصلحة. ومن منظور النقد الثقافي، يمكن قراءة هذا الأداء باعتباره تفكيكا لصورة "الرجل القوي" في المخيال المصري، حيث لا يعود هذا الرجل بطلا صافيا، بل كائنا ملتبسا، قادرا على التلون وفق مقتضيات السلطة. لقد جعل الخولي من هذه الشخصية مرآة تعكس تناقضات المجتمع، لا مجرد عنصر في حبكة سينمائية. وإذا انتقلنا إلى الدراما التلفزيونية، نجد أن أعمالا مثل "حدائق الشيطان" و"ريا وسكينة" و"سلسال الدم" تشكل امتدادا لهذا المسار، ولكن مع تعميق أكبر في تمثيل البنية الاجتماعية. في هذه الأعمال، لا يكون الصعيد مجرد خلفية جغرافية، بل فضاء رمزيا للصراع بين القديم والجديد، بين السلطة التقليدية ومحاولات التمرد عليها. أداء الخولي في هذه السياقات يتجاوز اللهجة والملامح، ليصل إلى استحضار "إيقاع الحياة" في تلك البيئات. إنه لا يمثل الشخصية الصعيدية، بل يعيد إنتاجها بوصفها خطابا ثقافيا كاملا، يحمل داخله مفاهيم الشرف والهيمنة والخوف والرغبة في البقاء. من هنا يمكن فهم سر قدرته على التنقل بين التراجيديا والكوميديا دون أن يفقد مصداقيته. فالكوميديا لديه ليست خفة سطحية، بل انكشاف لآليات السلطة في صورتها اليومية. حين يضحك، فهو يعرّي، وحين يتألم، فهو يكشف عن بنية الألم نفسها. هذه الازدواجية تجعل منه ممثلا قادرا على العمل في مناطق متعددة من الحساسية الفنية، دون أن يتحول إلى نسخة مكررة من نفسه.
تجربته الإدارية، حين تولى إدارة المسرح الكوميدي بين عامي 2001 و2007، تفتح بعدا آخر في قراءته. هنا لا يعود فاعلا داخل النص فقط، بل مشاركا في تشكيل الحقل الثقافي نفسه. إدارة مؤسسة مسرحية تعني التعامل مع شبكة من العلاقات، من الدولة إلى الجمهور، ومن النص إلى الإنتاج. في هذا الموقع، يمكن قراءة الخولي بوصفه مثقفا عمليا، يدرك أن الفن ليس فقط تعبيرا فرديا، بل ممارسة اجتماعية تخضع لشروط القوة والتمويل والذوق العام. كما أن دوره وكيلا لنقابة المهن التمثيلية يضيف إلى هذه الصورة بعدا نقابيا، حيث يصبح جزءا من الدفاع عن شروط العمل الفني وكرامة الممثل. أما على مستوى الحياة الشخصية، فإن زواجه من الفنانة المعتزلة راوية سعيد يضيف طبقة إنسانية إلى هذه السيرة، لكنه أيضا يطرح سؤالا ثقافيا حول العلاقة بين الفن والحياة الخاصة. الاعتزال هنا ليس مجرد قرار فردي، بل موقف من المجال الفني نفسه، بما يحمله من ضغوط وتناقضات. وجود الخولي في هذه العلاقة يضعه في تماس مباشر مع هذه الإشكالات، حتى وإن لم يصرح بها.
في أعماله الأحدث مثل "بابا المجال" و"حق عرب" و"جزيرة غمام"، نلاحظ استمرارا في هذا الخط، ولكن مع وعي أكبر بتحولات الجمهور. لم يعد المتلقي كما كان في التسعينيات، بل أصبح أكثر تشظيا، وأكثر تعرضا لوسائط متعددة. ومع ذلك، ينجح الخولي في الحفاظ على حضوره، لأنه لا يعتمد على شكل واحد من الأداء، بل على قدرة دائمة على إعادة تشكيل نفسه داخل السياق الجديد. إنه ممثل لا يعيش على رصيده القديم، بل يعيد إنتاج هذا الرصيد في كل مرة بصيغة مختلفة. من منظور أوسع، يمكن القول إن رياض الخولي يمثل "الممثل الوسيط" بين أجيال مختلفة من الدراما المصرية. هو ليس من جيل الرواد الذين أسسوا القواعد، ولا من جيل الشباب الذين يكسرونها، بل من أولئك الذين يقفون في المنتصف، يعيدون تفسير القواعد ويهيئونها للانكسار. هذه الوضعية تمنحه مرونة خاصة، لكنها أيضا تضعه في موقع حساس، حيث عليه أن يوازن بين الوفاء للتقاليد والانفتاح على الجديد.
ولعل أهم ما يميز مسيرته هو تلك القدرة على تحويل الدور إلى مساحة تفكير، لا مجرد أداء. حين نشاهد شخصية يقدمها، نشعر أن هناك طبقات من المعنى تتجاوز الحوار الظاهر. هذا ما يجعل أداءه قابلا للقراءة والتحليل، لا للاستهلاك فقط. إنه لا يمنحنا إجابات جاهزة، بل يفتح أسئلة حول السلطة والهوية والعلاقات الاجتماعية. في النهاية، لا يمكن اختزال رياض الخولي في قائمة أعمال أو مناصب، لأن قيمته الحقيقية تكمن في تلك المسافة التي يخلقها بين النص والواقع، بين الشخصية والمجتمع. في هذه المسافة، يتولد المعنى، ويتحول التمثيل إلى فعل ثقافي بامتياز. إنه ممثل يكتب، بجسده وصوته، تاريخا موازيا للمجتمع الذي ينتمي إليه، تاريخا لا يُقرأ في الكتب، بل يُرى ويُحس على الشاشة والخشبة. هكذا، حين نعيد النظر في مسيرته، لا نكتشف فقط فنانا ناجحا، بل نكتشف أيضا كيف يمكن للفن أن يكون أداة لفهم العالم، وكيف يمكن لممثل واحد أن يحمل في أدائه ملامح عصر بأكمله.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...


المزيد.....




- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما المصرية