أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح















المزيد.....

لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 19:48
المحور: الادب والفن
    


أما بعدُ؛ فإن للكتابةِ أعمارًا كأعمار البشر، فمنها ما يولد ويموت في ساعته، ومنها ما يعمّر في ذاكرة الزمن كما تعمّر الأشجار العتيقة في الأرض. ولقد كانت الكاتبة العراقية لطفية الدليمي من ذلك الضرب النادر من الكاتبات اللواتي لم يكن القلم عندهن أداة قولٍ فحسب، بل كان مقامًا من مقامات الوجود، ومرآةً ينعكس فيها قلق الإنسان، وتنهض فيها أسئلة المرأة، وتستيقظ فيها الذاكرة العراقية بما فيها من حزنٍ ونورٍ معًا. فإنك إذا ذكرت بغداد في النصف الثاني من القرن العشرين، وما جرى فيها من تحولات الفكر والثقافة، فلا بد أن يلوح اسم لطفية الدليمي بين تلك الأسماء التي لم تكتف بأن تكتب الأدب، بل سعت إلى أن تصوغ للكتابة معنى يتجاوز الحكاية إلى الرؤية، ويتجاوز الخبر إلى الحكمة. وكانت في ذلك ابنةً صادقةً لمدينةٍ عرفت كيف تنجب الكتّاب كما تنجب الأنهارُ مائها، وكيف تحفظ أصواتهم في ضجيج الأزمنة المتبدلة. ولدت في بغداد سنة 1943، في زمنٍ كانت فيه البلاد تخطو بين عهدين، وتبحث عن ملامحها في مرايا الحداثة والتقاليد. فنشأت في مدارسها، وتدرّجت في علوم اللغة العربية حتى نالت شهادة البكالوريوس في آدابها، فكان ذلك أول العهد بينها وبين اللغة التي صارت بعد ذلك وطنها الأكبر. وما كان تعلمها العربية إلا بابًا واسعًا دخلت منه إلى عالم السرد والخيال، حتى غدت الكتابة لديها ضربًا من التأمل في مصائر البشر، لا مجرد صناعة لفظٍ أو زخرفة بيان. ثم اشتغلت بالتدريس أعوامًا، فخالطت الأجيال الناشئة، وعرفت كيف يتشكل الوعي في العقول الصغيرة، وكيف يمكن للكلمة أن تصير بذرةً في أرض المستقبل.
غير أن روحها لم تقنع بحدود الصفوف الدراسية، فانتقلت إلى العمل الثقافي، فكانت محررة للقصة في مجلة "الطليعة الأدبية"، ثم مديرة تحرير مجلة "الثقافة الأجنبية" العراقية، وهما منابر كان لهما في زمانهما شأنٌ في نشر الفكر وترجمة الآداب العالمية. وكانت الدليمي، في كل ما كتبت وحررت، حريصةً على أن يكون للأدب العراقي نافذة يطل منها على العالم، وأن يكون للعالم طريقٌ يدخل منه إلى بغداد. ولهذا لم تكتف بالكتابة الإبداعية، بل انصرفت أيضًا إلى الترجمة والصحافة الثقافية، فكانت مقالاتها وأعمدتها الصحفية تفتح للقارئ أبوابًا من الفكر والجمال، وتدعوه إلى التأمل في الإنسان والطبيعة والحضارة. وقد شاءت لها الحياة أن تقيم سنة 1978 في كلية غولدسمث بجامعة لندن، فكان ذلك اللقاء بين ثقافتين، أتاح لها أن توسّع أفقها المعرفي، وأن ترى الأدب العربي من منظورٍ أرحب، وأن تعود إلى لغتها الأولى وقد ازدادت قدرةً على المقارنة والحوار.
غير أن ما يميز تجربة لطفية الدليمي، ويجعلها فريدةً بين كثير من الكتّاب، هو اقتران مشروعها الأدبي بموقفٍ إنساني واضح في الدفاع عن حرية المرأة وكرامتها. فقد كانت ترى أن المرأة في المجتمعات العربية ليست موضوعًا للكتابة فحسب، بل هي أيضًا ذاتٌ فاعلة ينبغي أن تمتلك صوتها ومصيرها. ومن هنا أسست سنة 1992 مع عدد من المثقفات العراقيات "منتدى المرأة الثقافي" في بغداد، ليكون فضاءً للحوار والتفكير في قضايا المرأة والإبداع. ولم يكن ذلك المنتدى مجرد تجمع ثقافي، بل كان محاولةً لإعادة الاعتبار لدور المرأة العراقية في الحياة الفكرية، في زمنٍ كانت البلاد فيه تعيش ضيق الحروب والحصار. ثم واصلت هذا المسعى حين أسست سنة 2004 مركز "شبعاد" لدراسات حرية المرأة، وكأنها أرادت أن تجعل من الفكر نفسه أداةً لتحرير الإنسان. أما في عالم الأدب، فقد تركت لطفية الدليمي أثرًا واسعًا في القصة والرواية والمقالة الفكرية. فمنذ مجموعتها الأولى "ممر إلى أحزان الرجال" سنة 1970، بدا صوتها مختلفًا، يميل إلى التأمل النفسي، ويغوص في أعماق الشخصيات، كأنها تحاول أن تكشف ما يختبئ خلف السلوك الظاهر من جراحٍ وأسئلة.
ثم توالت أعمالها بعد ذلك، فكتبت "البشارة"، و"إذا كنت تحب"، و"موسيقى صوفية"، وغيرها من المجموعات القصصية التي اتسمت بلغةٍ شفافة تمزج بين الحس الشعري والرؤية الفكرية. أما في الرواية فقد أنجزت أعمالًا لافتة مثل "من يرث الفردوس"، و"بذور النار"، و"خسوف برهان الكتبي"، و"ضحكة اليورانيوم"، ثم روايتها الشهيرة "سيدات زحل" التي تُعد من أبرز الروايات العراقية المعاصرة. وفي هذه الأعمال كلها كانت الدليمي تميل إلى استكشاف علاقة الإنسان بالعالم، وإلى طرح الأسئلة الكبرى عن الذاكرة والهوية والمدينة. وكأنها كانت ترى أن الرواية ليست مجرد سردٍ للأحداث، بل هي طريقة لفهم الزمن نفسه. وقد امتد أثر كتاباتها خارج العراق، فترجمت قصصها إلى لغات عدة، منها الإنكليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، بل تُرجمت رواية "عالم النساء الوحيدات" إلى اللغة الصينية، فصار صوتها يتردد في ثقافات مختلفة، شاهداً على أن الأدب الصادق قادر على عبور الحدود.
ثم جاءت السنوات العصيبة التي مر بها العراق في مطلع القرن الحادي والعشرين، فاضطرت إلى مغادرة بغداد سنة 2006، فانتقلت إلى الأردن، ثم إلى باريس، حيث أقامت مدةً لاجئةً قبل أن تعود إلى عمان. غير أن المنفى لم يقطع صلتها بالكتابة، بل ربما زادها تعلقًا بها، فكتبت مقالات أسبوعية في صحيفة "العرب" اللندنية، وواصلت نشر دراساتها وترجماتها في الصحف والمواقع الثقافية. ولقد كان لمنفاها أثرٌ واضح في كتبها المتأخرة، مثل "يوميات المدن" و"مدني وأهوائي"، حيث امتزجت في نصوصها تجربة السفر بذاكرة بغداد، فصار النص عندها أشبه بجسرٍ بين المدن، تعبر عليه الذات الكاتبة وهي تستعيد ما فقدته من أمكنة. وإذا أردت أن تلتمس سر هذه الكاتبة، فستجده في ذلك المزيج العجيب بين المعرفة والخيال. فقد كانت تقرأ في الفلسفة والعلوم والبيئة والحضارات القديمة، ثم تعيد صياغة تلك المعارف في لغة أدبية شفافة. ولهذا جاءت كتبها الفكرية مثل "شريكات المصير الأبدي"، و"إضاءة العتمة"، شاهدةً على عقلٍ موسوعي لا يكتفي بالتخصص الضيق.
وما من شك في أن تجربتها نالت تقديرًا واسعًا، فقد كُتبت عنها رسائل دكتوراه وأطاريح ماجستير في جامعات عراقية وعربية وعالمية، وأصدرت مؤسسات ثقافية ملفات خاصة عن تجربتها، كما حدث في ملحق دار المدى سنة 2015 وملحق مجلة "الجديد" اللندنية سنة 2022. غير أن المجد الحقيقي للكاتب لا يقاس بعدد الجوائز ولا كثرة الدراسات، بل بما يتركه في القلوب من أثر. ولعل لطفية الدليمي تركت في الوجدان الثقافي العراقي صورة الكاتبة التي لم تتخلَّ عن رسالتها في أحلك الظروف، وظلت تؤمن بأن الأدب قادر على أن يحفظ إنسانية الإنسان حين تضيق به الأزمنة.
فيا صاحبي، إذا مرّ بك ذكر هذه الكاتبة، فلا تذكرها بوصفها اسمًا في سجل الأدب فحسب، بل اذكرها بوصفها رحلةً كاملة من الكفاح الثقافي، بدأت في مدارس بغداد، وامتدت إلى مجلاتها وصحفها، ثم عبرت المنافي والمدن، ولم تنطفئ فيها شعلة الكتابة. وإن القلم الذي حملته هذه المرأة لم يكن قلم حكايةٍ عابرة، بل كان أشبه بمصباحٍ صغير في ليلٍ طويل. وربما لم يبدد الظلام كله، لكنه ظل يضيء لمن يأتي بعده طريقًا من الفكر والجمال. رحم الله الكاتبة لطفية الدليمي إن غابت، أو أطال عمرها إن بقيت بيننا، فإن أمثالها من أهل القلم لا يرحلون حقًا؛ لأنهم يتركون في الكتب حياةً أخرى، تعيش بعدهم، وتحدث القراء بصوتٍ لا يخبو.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...


المزيد.....




- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة
- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت
- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح