أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى















المزيد.....

ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 09:43
المحور: الادب والفن
    


ناجي حنون، الصديق وأشياء أخرى، كأنه قطعة من الروح. هكذا يأتي على حين غرة، يغمرك بفرط إنسانيته، كما لو أنّه لا يطرق الأبواب بل يدخل من فجوة في القلب، من شقٍّ مهملٍ في الذاكرة، من نافذةٍ تُركت سهواً مواربة للضوء. ليس حضوره حضور الأشخاص، بل حضور الحالات، ليس وجهًا يُرى، بل معنى يُستعاد. يجيء محمّلاً بطمأنينةٍ تشبه ما قبل العاصفة، وبحزنٍ خفيفٍ يشبه ما بعدها، وبابتسامةٍ لا تقول إنها ابتسامة بقدر ما تقول: ما زال في هذا العالم ما يستحق أن يُحَب. ناجي ليس صديقاً بالمعنى التداولي للكلمة، ولا رفيقَ يومياتٍ أو شريكَ قهوةٍ عابرة. هو أقرب إلى شاهدٍ صامتٍ على خرابنا، وإلى مؤرّخٍ شفويٍّ لِما لم يُدوَّن، وإلى ناسكٍ مدنيٍّ يعيش في قلب الفوضى دون أن يتلطّخ بها. في حضرته تخفّف الأشياء من ضجيجها: الكلمات تنزل من علوّها البلاغي، والمواقف تتخلّى عن ادّعائها البطولة، والذكريات تخرج من أقبية الخجل إلى فسحة الاعتراف. كأنّه يُعيد ترتيب العالم لا باليد، بل بالنبرة، لا بالفعل، بل بطريقة الإصغاء.
تعرفه فلا تعرفه. تراه فلا تملك أن تحدّه بملامح. مزيجٌ من التواضع والعناد، من الهشاشة والقوة، من الرغبة في العزلة والقدرة على إقامة جسورٍ مع الآخرين. يقترب منك دون اقتحام، ويبتعد عنك دون جفاء، كأنّه يمارس أخلاق المسافة، تلك التي تضع بين القلوب مقداراً كافياً من الهواء كي لا تختنق. وإذا تكلّم، لا يعلّمك كيف ترى، بل يذكّرك بما كنتَ قد رأيتَه ونسيته. ناجي ابنُ زمنٍ لم يمنحه فرصةً ليكون عادياً. خرج من رحم الفقد، وتربّى على موائد الانتظار، وتعلّم أن يسير في الأزقّة التي تغيّر أسماءها أسرع من تغيّر الوجوه. خبرَ المدن حين كانت تعد بالمعنى، ثم رآها تنكفئ إلى خرائط الخوف. لذلك صار يحمل وطنه كحقيبةٍ مثقوبة: كلّما مشى تساقط منه شيء، وكلّما توقّف التقط ما سقط وأعاد ترتيبه في داخله، لا ليصنع صورةً متماسكة، بل ليؤجّل الانهيار.
في حديثه عن الفن لا يرفعه إلى مصافّ الخلاص، ولا يجرّه إلى حضيض الزينة. الفن عنده تمرينٌ على النجاة، ومقاومةٌ بطيئةٌ للنسيان، ومشقّةٌ أخلاقية قبل أن يكون مهارةً تقنية. اللوحة ليست جداراً ملوّناً، بل نافذةً على ما لا يُرى، واللون ليس مادةً بل مزاجاً، والخطّ ليس رسماً بل أثرَ يدٍ كانت ترتجف أو تطمئن. هكذا يصير العمل الفني وثيقةً عاطفية لعصرٍ معطوب، لا تسجّل الأحداث بل تفضح آثارها في الروح. وحين يمرّ على السياسة، لا يلعنها ولا يمجّدها، بل يعرّيها من زينتها اللفظية ويتركها في عريها الوقائعي. يرى فيها إدارةً للخسارات لا صناعةً للأحلام، وميزاناً يميل دائماً نحو الأقوى، ومسرحاً تُعاد فيه المسرحية ذاتها بوجوهٍ مختلفة وأقنعةٍ متشابهة. ومع ذلك لا يسقط في اليأس الصريح، لأنّه يعرف أن اليأس موقفٌ كسول، وأن السخرية أحياناً أكثر جدّية من الخطب، وأن التهكّم قد يكون آخر أشكال الأمل.
ناجي صديق لأنّه لا يطلب صداقتك، ولا يساومك عليها. يتركها تنمو كما تنمو الأعشاب في شقوق الإسفلت: بلا رعايةٍ معلنة وبلا ضجيج. يعرف متى يصمت، ويعرف متى يقول جملةً واحدةً تكفي لتعديل مسار الحوار. لا يثق كثيراً بالشعارات، ويثق كثيراً بالتفاصيل الصغيرة: بفنجانٍ لم يُغسل، بصورةٍ بهت لونها، بكتابٍ فقد غلافه وبقي محتفظاً بروحه. في هذه الأشياء يرى التاريخ الحقيقي، لا في السجلات ولا في الاحتفالات. هو من أولئك الذين يحملون حزنهم كوسامٍ لا كجرحٍ مفتوح. حزنٌ غير استعراضي، لا يطلب الشفقة ولا يستعرض المأساة، بل يضعها في جيبه الداخلي ويواصل السير. لذلك يبدو هادئاً أكثر مما ينبغي، صامتاً أكثر مما يقتضي المقام، لكن خلف هذا الهدوء طاحونةٌ من الأسئلة، وخلف هذا الصمت أرشيفٌ من الخيبات المؤجّلة. في حضرته تستعيد بغداد وجهاً آخر: لا تلك التي في نشرات الأخبار، بل التي في المقاهي القديمة، في الأرصفة التي تشبه كتباً مفتوحة، في الوجوه التي تعبت من التمثيل وعادت إلى بساطتها الأولى. بغداد عنده ليست مكاناً بل طبقةً من الوعي، ليست جغرافيا بل ذاكرةً تمشي على قدمين. لذلك حين يتكلّم عنها، لا يستخدم لغة المدن، بل لغة الأمهات: خوفٌ دائم، دعاءٌ متقطّع، وحنينٌ لا يجد ما يحنّ إليه إلا نفسه.
ناجي لا يكتب سيرةً ذاتية، لكنه يوزّع شذراتها على الآخرين. كلّ لقاءٍ معه فصلٌ غير مكتمل، وكلّ حديثٍ هامشٌ لكتابٍ لم يُكتب بعد. كأنّه يؤمن أن المعنى لا يُسلَّم دفعةً واحدة، بل يُقايَض بالوقت، وأن الحقيقة لا تُقال، بل تُلمَّح، وأن الصداقة ليست تبادلاً للمعلومات بل تبادلاً للقدرة على الاحتمال. وحين تظن أنك فهمته، يبتسم كما لو أنّه يعتذر عن سوء التفاهم. ليس مراوغاً، لكنه يعرف أن الوضوح الكامل خرافة، وأن الإنسان كائنٌ من طبقات، وأن ما نراه من بعضنا ليس إلا السطح الذي يسمح لنا بالبقاء معاً دون أن نغرق في الأعماق. لذلك يقدّم لك ما يكفي من نفسه كي لا تضيع، ويحتفظ بما يكفي منها كي لا يذوب. ناجي حنون ليس بطلاً ولا قدّيساً ولا حكيم قبيلة. هو واحدٌ من أولئك الذين نجوا بما يكفي ليشهدوا على ما لم ينجُ. يمشي وفي عينيه أثرُ مدنٍ لم تعد موجودة، ويتكلّم وفي صوته رجعُ أصواتٍ انقطعت. ومع ذلك لا يحمل نعش العالم على كتفيه، بل يحمل شمعةً صغيرةً في ممرّ طويل، ويقول لك: لا يكفي هذا الضوء، لكنه كلّ ما لدينا.
في زمنٍ يتقن فنّ الضجيج، يعلّمك ناجي فنّ الإنصات. في زمنٍ يتاجر بالهويات، يذكّرك بأن الإنسان أقدم من الشعارات. في زمنٍ يُختصر فيه كلّ شيءٍ بمنشور، يعيدك إلى الجملة التي تحتاج وقتاً كي تُفهَم، وإلى الفكرة التي لا تُلتقط من المرّة الأولى. لذلك يبدو أحياناً خارج العصر، لا لأنّه متأخّر، بل لأنّه يرفض أن يُختزل. ناجي حنون، الصديق وأشياء أخرى: مرآةٌ لا تعكس صورتك بل تعبك، ونافذةٌ لا تطلّ على الخارج بل على ما في الداخل، وقطعةٌ من الروح تمشي على قدمين، تذكّرك بأن البقاء ليس بطولة، بل حرفةٌ يومية، وأن النجاة ليست حدثاً، بل أسلوب حياة، وأن الصداقة ليست علاقة، بل طريقةٌ في رؤية العالم أقلّ قسوةً وأكثر قابليةً للفهم. وهكذا، حين يغيب ناجي، لا تشعر بغيابه كشخص، بل كطبقةٍ من المعنى تُرفع عن المشهد. وحين يعود، لا يعود بجسدٍ فقط، بل يعود بقدرةٍ إضافية على الاحتمال. كأنّه لا يأتي ليملأ فراغاً، بل ليعلّمك كيف تعيش معه. وفي هذا وحده، ما يكفي ليكون الصديق، وأشياء أخرى، كأنه قطعة من الروح.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...
- هل تصدقون أنني لا أعرف اسم الرئيس؟ عن هوس العراقيين بالسلطة ...
- بين ذاتٍ تتأمل وأخرى تسخر: جدلية الوعي الداخلي في فكر صالح ا ...
- جنة السلطة وجنة اللغة: قراءة شعرية في مفارقات كريم جخيور
- حين تتحول زلة اللسان إلى محكمة: بلقيس شرارة والسياب وغضب الف ...
- جدلية التحوّل ورؤية التاريخ في قصيدة المؤرخ والشاعر خالد الس ...


المزيد.....




- الشيخ صلاح بوخاطر.. -مزمار- الشارقة الذي يشجي القلوب في ليال ...
- لماذا علينا أن نهتم باللغة العربية؟
- نظرة على شكل المنافسة في حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ 98 الم ...
- ضغوط في هوليوود لمنع فيلم -صوت هند رجب- من الوصول إلى منصة ا ...
- رواية -عقرون 94-.. حكايات المهمشين في حضرموت وجنوبي اليمن
- رحلة في عالم -إحسان عبد القدوس-: أديب في بلاط الصحافة أم صحف ...
- هجمات الاعداء الإرهابية تنتهك مبدأ -حظر استهداف المراكز العل ...
- تفاصيل صغيرة تصنع هوية رمضان في لبنان
- محيي الدين سعدية.. صدى المآذن القديمة ونبض البيوت بصيدا وجنو ...
- 16 رمضان.. يوم التخطيط العبقري في بدر وانكسار أحلام نابليون ...


المزيد.....

- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى