أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل الفنية














المزيد.....

العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل الفنية


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 16:52
المحور: الادب والفن
    


في لحظات الأعياد، حين تتكثف الأزمنة في ومضة وجدانية عابرة، وتغدو الذاكرة أكثر قابلية لإعادة تشكيل نفسها وفق إيقاع الفرح الجمعي، لا تكون التهنئة مجرد طقس لغوي عابر، بل فعل تأملي يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وقيمته في العالم. فالعيد، في جوهره العميق، ليس احتفاءً زمنياً بقدر ما هو استعادة رمزية لفكرة الاستحقاق الإنساني، حيث يتقاطع الجهد مع الاعتراف، والموهبة مع الجدارة، والحضور مع المعنى. ومن هذا المنظور، تكتسب تهنئتنا للفنان القدير حسن العدل بعداً يتجاوز المجاملة إلى مقام القراءة الثقافية في قيمة الفن ذاته. إن فن التمثيل، بوصفه أحد أكثر الفنون التصاقاً بتجربة الإنسان اليومية، لا يقوم على مجرد محاكاة الواقع، بل على إعادة إنتاجه ضمن بنية رمزية تتجاوز سطح الأحداث إلى عمق الدلالة. وهنا تحديداً تتجلى أهمية الممثل، ليس كناقل للنص، بل كوسيط وجودي يعيد صياغة التجربة الإنسانية في قالب محسوس. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى تجربة حسن العدل باعتبارها تجسيداً متقدماً لفكرة "الموهبة المستحقة"، تلك التي لا تكتفي بالحضور، بل تؤسس له عبر تراكم واعٍ للخبرة، وانضباط داخلي يحكم العلاقة بين الأداء والمعنى.
لقد بدا حضوره في الدراما المصرية، لا سيما خلال موسم رمضان 2026، وكأنه استعادة لفكرة الممثل الذي لا يكتفي بأداء الدور، بل يعيد تعريفه من الداخل. إذ لم يكن ظهوره مجرد إضافة كمية إلى المشهد، بل إزاحة نوعية في مستوى التلقي، حيث استطاع أن يحول الشخصية من بنية نصية جامدة إلى كيان حي ينبض بالتناقضات والاحتمالات. وهذا التحول، في جوهره، لا يعكس مهارة تقنية فحسب، بل يشير إلى وعي عميق بطبيعة الفن المسرحي كفعل تأويلي مفتوح. وإذا كان المسرح، في أحد تعريفاته الكلاسيكية، هو "فن الحضور"، فإن حسن العدل قد أعاد لهذا الحضور كثافته الأصلية، عبر قدرة استثنائية على إدارة المسافة بين الذات والدور. فهو لا يذوب في الشخصية إلى حد التلاشي، ولا يفرض ذاته عليها بشكل تعسفي، بل يقيم توازناً دقيقاً يجعل من الأداء مساحة تفاعلية بين الاثنين. وهذا التوازن هو ما يمنح أداءه تلك الجاذبية الخاصة، حيث يشعر المتلقي أنه أمام تجربة إنسانية حقيقية، لا مجرد تمثيل لها.
إن تهنئتنا له في العيد، من هذا المنظور، ليست احتفاءً بإنجاز فردي بقدر ما هي اعتراف بقيمة نموذج فني يعيد الاعتبار لفكرة الجدارة في زمن تتكاثر فيه مظاهر الزيف. ففي سياق ثقافي يميل أحياناً إلى الاحتفاء بالسطح على حساب العمق، يبرز حضوره كنوع من المقاومة الجمالية، التي تعيد ترتيب أولويات التلقي، وتدفع الجمهور إلى إعادة النظر في معايير التقييم. وهنا تحديداً تكمن القيمة الرمزية لهذه التهنئة، بوصفها موقفاً ثقافياً قبل أن تكون مجاملة اجتماعية. ولعل ما يميز تجربته أيضاً هو قدرته على الانتقال بين الوسائط دون أن يفقد هويته الفنية. فبين المسرح والتلفزيون، يحتفظ بخيط رفيع يربط الأداء بجذره الأول، حيث تظل الروح المسرحية حاضرة حتى في أكثر المشاهد التلفزيونية بساطة. وهذا الحضور لا يتجلى في الإلقاء أو الحركة فحسب، بل في تلك القدرة على شحن اللحظة الدرامية بكثافة شعورية تجعلها قابلة للتأويل على مستويات متعددة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن حسن العدل يمثل امتداداً لتقليد فني عريق في الدراما المصرية، ذلك الذي يرى في الممثل محور العملية الإبداعية، لا مجرد عنصر ضمن منظومة إنتاجية. غير أن هذا الامتداد لا يأتي في شكل تكرار، بل في صيغة إعادة إنتاج نقدية، تستوعب التحولات المعاصرة دون أن تفقد صلتها بالجذور. وهنا تكمن فرادة تجربته، حيث ينجح في الجمع بين الأصالة والتجديد ضمن معادلة نادراً ما تتحقق.
إن العيد، بما يحمله من دلالات الفرح والتجدد، يبدو مناسبة مثالية للتأمل في هذه التجربة، ليس فقط من حيث إنجازاتها، بل من حيث ما تمثله من إمكانية لاستعادة الثقة في الفن بوصفه مجالاً للجدارة. ففي زمن تتداخل فيه المعايير، وتختلط فيه القيم، يصبح من الضروري التوقف عند نماذج قادرة على إعادة تعريف النجاح بعيداً عن الضجيج الإعلامي. وحسن العدل، في هذا السياق، يقدم مثالاً على أن الموهبة الحقيقية، حين تقترن بالعمل الجاد، قادرة على فرض نفسها حتى في أكثر السياقات تعقيداً. ولا يمكن فصل هذا الحضور عن السياق الأوسع للدراما المصرية، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات بنيوية على مستوى الإنتاج والتلقي. ففي ظل المنافسة المتزايدة، وتغير أنماط المشاهدة، أصبح الممثل مطالباً بأكثر من مجرد أداء جيد، بل بقدرة على التكيف مع شروط جديدة دون التفريط في جوهر الفن. وهنا تحديداً يبرز تميز حسن العدل، حيث استطاع أن يوازن بين متطلبات السوق وضرورات الإبداع، دون أن يقع في فخ التبسيط أو الاستسهال.
إن تهنئتنا له، في هذا العيد، يمكن أن تُقرأ أيضاً بوصفها دعوة ضمنية لإعادة الاعتبار لفن التمثيل كحقل معرفي، لا مجرد نشاط ترفيهي. فالممثل، في نهاية المطاف، ليس فقط من يؤدي الأدوار، بل من يساهم في تشكيل الوعي الجمعي عبر الصور التي يقدمها. ومن هذا المنطلق، فإن كل أداء ناجح هو، في جوهره، فعل ثقافي يترك أثره في طريقة فهمنا لأنفسنا وللعالم. وفي الختام، يمكن القول إن هذه التهنئة لا تنفصل عن رؤية أوسع ترى في الفن مساحة لإعادة اكتشاف الإنسان لذاته. فالعيد، في معناه الأعمق، هو لحظة مصالحة مع العالم، والفن، في أفضل تجلياته، هو أحد أدوات هذه المصالحة. وبينهما يقف الممثل، كجسر يربط التجربة الفردية بالمعنى الجمعي. ومن هنا، فإن الاحتفاء بحسن العدل ليس فقط احتفاءً بفنان، بل احتفاءً بإمكانية أن يكون الفن جديراً باسمه، وأن يكون الإنسان، عبره، أكثر قدرة على الفهم والاحتمال. كل عام وهو بخير، وكل عام والفن، حين يجد من يجسده بهذا الصدق، بخير أيضاً.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...
- مساحات مؤقتة للمعنى في رواية إعدام رسام لسلام إبراهيم
- الطبري والحكاية المتقنة: هندسة السرد في التاريخ العربي عند س ...
- مرايا الصمت والعمى: خصائص الخطاب الأدبي لرواية -قارض الأيام- ...


المزيد.....




- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل الفنية