أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا















المزيد.....

خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 16:00
المحور: الادب والفن
    


من عجيب أمر الرجال، يا صديقي الأثير، أن بعضهم يولد في الأرض مرةً، ثم يولد في اللغة مرّات. وليس كل مولودٍ في التراب يفلح أن يولد في المعنى، كما أنّ كثيرًا من السائرين في البلدان لا يحسنون أن يجعلوا من الرحيل معرفة، ولا من الغربة مقامًا للفكر. فأما خالد المعالي، فهو من أولئك الذين إذا ضاقت بهم الأمكنة اتسعت لهم الكلمات، وإذا أوصدت الأوطان أبوابها فتحوا للروح أبوابًا من ورق، حتى غدا اسمه شاهدًا على أن المنفى قد يكون، في أحوال النادرين، مدرسةً للمعنى لا مقبرةً للذاكرة. المعالي، ولد في المثنى سنة 1956، والمثنى من البلاد التي تُنشئ في ساكنها طباع الصبر، لأن الصحراء لا تعطي سرّها إلا لمن طال تأمله، ولا تمنح صورتها إلا لمن عرف كيف يُبصر في الفراغ امتلاءً، وفي السكون كلامًا. ومن نشأ في تلك الفيافي، علم أن الريح ليست ريحًا فحسب، بل هي رسول الأزمنة، تحمل إلى السامع أنباء البعيد، وتعلّمه أن الأشياء لا تثبت على حال. ولعلّ هذا ما أورث المعالي تلك الطبيعة التي تأبى القرار، فكان الرحيل عنده قدرًا، وكان الانتقال من مكان إلى آخر ضربًا من استكمال الذات، لا مجرد تبديل جغرافيا. خرج من العراق إلى بيروت عام 1978، وبيروت يومئذٍ كانت سوقًا عظيمةً للأفكار، ومجمعًا للأصوات التي تتنازعها السياسة كما تتجاذبها القصيدة. فوجد فيها ما يوقظ الحاسة الأدبية، ويشحذ في النفس ميلها إلى المغامرة. ثم انتقل إلى فرنسا، كأنما أراد أن يختبر في لغةٍ أخرى ما كانت العربية قد أسرّته إليه من أسرار البيان. ثم استقر به المقام في ألمانيا، فكان استقراره أشبه بما يفعله النهر إذا طال جريانه ثم وجد مصبّه، غير أنّ هذا المصب لم يكن نهاية الرحلة، بل كان ابتداء طورٍ آخر من أطوار الإبداع.
ومن أحسن ما يُذكر للرجل، وأبقى ما يخلّد أثره، أنه لم يكتف بأن يكون شاعرًا يسكب تجربته في القصائد، بل جاوز ذلك إلى أن يكون صانعًا للمعرفة، وراعيًا للكلمة، وناشرًا لما يتفرّق في أيدي الناس من جواهر الفكر. ففي شقته الصغيرة بمدينة كولونيا، سنة 1983، أطلق دار "الجمل"، وما أكثر ما تبدأ الأعمال الكبيرة من الأماكن الصغيرة. فإن العبرة ليست بسعة الجدران، ولكن بسعة الرؤية. ولقد صدق من قال إن همم الرجال هي التي تعطي الأمكنة مقاديرها. فما لبثت "الجمل" أن غدت من أشهر دور النشر العربية، كأنها سفينة أُطلقت في بحرٍ مضطرب، فثبتت لأن ربانها يعرف مهابّ الريح. والناشر، في حقيقته، ليس بائع كتب كما يظن الغافلون، بل هو مؤتمنٌ على العقول، حارسٌ للذائقة، وصاحب قرارٍ في ما ينبغي أن يصل إلى القارئ وما ينبغي أن يُترك في ظلمات الإهمال. ومن هنا كانت عظمة المعالي، إذ جمع بين حسّ الشاعر وبصيرة الناشر، فصار يرى النصّ بعينين: عينٍ تتذوق جماله، وأخرى تتفقد أثره في العالم. ثم إنه لم يرضَ بهذا وحده، بل خاض غمار المجلات الثقافية، فأصدر "فراديس" مع عبد القادر الجنابي، ثم "عيون". والمجلة، عند أهل الأدب، أشبه بالمجلس الذي تجتمع فيه العقول المتباعدة، فيتجاور المختلف، ويتحاور المتنافر، وتخرج من ذلك كله شرارة المعرفة. وليس من الهيّن أن يقيم المرء مثل هذه المجالس في زمن الشتات، لأن الجمع بين الأصوات يحتاج إلى عقلٍ يزن، وذوقٍ يختار، وصبرٍ على ما في المثقفين من تباين الطباع.
وأما شعره، فإنه شعر رجلٍ جرّب المكان حتى عرف أن الأمكنة لا تسكن في الجغرافيا وحدها، بل تستقر في اللغة. ففي "عيون فكرت بنا" ترى القصيدة كأنها مرآةٌ تنظر في القارئ بقدر ما ينظر فيها. وفي "خيال من قصب" يتراءى لك الهشّ وقد صار أصلب من الحديد، لأن الخيال إذا لامس التجربة غدا من أشدّ الأشياء حضورًا. ثم في "الهبوط على اليابسة" معنى العودة من غرق الوجود إلى يقين الأرض، وفي "العودة إلى الصحراء" رجوعٌ لا إلى الرمل وحده، بل إلى أصل النفس الأول، حيث القلة صفاء، وحيث الفراغ امتلاء. وليس كل شاعرٍ يحسن أن يحمل غربته إلى القصيدة من غير أن يفسدها بالشكوى. فإن من الشعراء من يجعل المنفى نحيبًا، ومنهم من يجعله حكمة. وكان خالد المعالي من الصنف الثاني، لأن الغربة عنده لم تكن حادثة سياسية فحسب، بل صارت سؤالًا وجوديًا عن معنى السكن، وعن حقيقة الانتماء. فمن أقام طويلًا في العراء، كما يوحي عنوانه "الإقامة في العراء"، علم أن الإنسان قد يفقد البيت ولا يفقد المعنى، وقد يخسر الوطن ولا يخسر القدرة على إعادة بنائه في النص. ومن لطيف أمره أيضًا كتابه "أطياف هولدرلين"، وفي هذا ما يدل على أن الرجل لم يكن سجين اللغة الواحدة، بل كان يرى في الآداب جسورًا لا حدودًا. فالترجمة عنده ليست نقلاً للألفاظ، وإنما هي نقلٌ لروح التجربة من وعاءٍ إلى وعاء، كما ينقل البستاني غرسةً من أرض إلى أرض، حذرًا من أن تنكسر جذورها أو يذبل ورقها. ولذلك كان مترجمًا أدبيًا بالمعنى الرفيع، لا بالصنعة الباردة التي تُبدّل الكلمة بأختها من غير أن تشعر بما بينهما من أنفاس.
ولقد نال من الجوائز ما يشهد بمكانته، كجائزة "رولف ديتر برنكمان" من مدينة كولونيا، والجائزة التشجيعية لمقاطعة نوردراين فستيفالن، ثم جائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب. غير أن الجوائز، وإن عظمت، لا تصنع المبدع، وإنما تكشف للناس بعض ما خفي من فضله. فالرجل إنما صنعته مثابرته، كما يصنع طول التجارب زيادة العقل، وكما أن من أطال النظر بإرادةٍ تامة أدرك الغاية. وأحسب أن أجمل ما في سيرة خالد المعالي أنه مثالٌ للرجل الذي لم يسمح للمنفى أن يكون قطيعة، بل جعله صلةً أوسع. فبين المثنى وبيروت وباريس وكولونيا، لم يكن ينتقل بجسده فقط، بل كان يحمل معه تراث العربية، ويضيف إليه من كل مقامٍ معنى. فمن شمّر في الأمور ركب البحور، ومن اقتصد في همّه اجتمعت له الثمار. وهكذا فعل، إذ جمع بين الشعر والنشر والترجمة، فكان في كل بابٍ صاحب أثر. وإذا كان الجاحظ قد رأى أن البلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه، فإن خالد المعالي قد مارس هذا المعنى في حياته كلها، لا في قصائده فحسب. رتق بين ضفتي الشرق والغرب، وفتق للثقافة العربية منافذ جديدة، حتى صار اسمه علامةً على أن الأدب ليس زينةً للروح وحدها، بل فعلُ مقاومةٍ للنسيان، وصناعةُ وطنٍ من المعنى حين يضيق الوطن الترابي. فهذا رجلٌ علّمنا أن الغربة ليست دائمًا فقدًا، بل قد تكون اكتسابًا، وأن الكتاب إذا صَدَق صاحبه صار بيتًا لا تهدمه المنافي. ومن كانت له همةٌ كهذه، لم يضع وإن تباعدت به البلاد، لأن الأوطان الحقيقية، في نهاية الأمر، ليست ما نسكنه، بل ما يسكننا.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...
- مسمار جحا في زمن الحداثة السائلة: قراءة سوسيولوجية في نص فجر ...
- وسادة ريش النعام؛ الوسادة والتوّسد والمتموسدين قراءة بنيوية ...


المزيد.....




- الديكتاتور العظيم: كيف حوّل تشارلي شابلن جبروت هتلر إلى أضحو ...
- ظافر العابدين يحصد جائزة أفضل مخرج بمهرجان مانشستر السينمائي ...
- فيلم -برشامة- يتصدر إيرادات موسم سينما عيد الفطر بمصر وحفلات ...
- -ثلاثية المستنقع-.. أكثر ثلاثة أفلام انتقدت فيها هوليود حرب ...
- وزير التراث الإيراني للجزيرة نت: استهداف المواقع التاريخية م ...
- مسؤولة في الخدمة العالمية البريطانية: نحن المنصة الوحيدة الت ...
- التراث الإيراني في مرمى النيران.. أرقام صادمة تكشف حجم الدما ...
- نص سيريالى (رَايَة تَأْكُلُ صَاحِبَهَا)الشاعرمحمدأبوالحسن.مص ...
- -السيد لا أحد ضد بوتين-.. فيلم قاد صاحبه إلى خانة -العملاء ا ...
- سوريا.. وفاة الفنان السوري عدنان قنوع


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا