أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع















المزيد.....

صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 19:26
المحور: قضايا ثقافية
    


حين نكتب عن صادق شهيد الطائي، لا نكتب عن رجلٍ مرَّ في الأزمنة مرورَ الأسماء على السجلات، بل نكتب عن معنىً اتخذ من الإنسان موضعًا للتأمل، ومن المجتمع مرآةً يرى فيها خفايا الروح وهي تتجسد في الطائفة، والقبيلة، والهجرة، والسياسة، وارتجاف الهوية بين ظاهرٍ يُرى وباطنٍ يُستشعر. ذلك أن بعض الكُتّاب يروون العالم كما يبدو، وبعضهم يكشفونه كما يتخفّى، وصادق الطائي من هذه السلالة الثانية، سلالة الذين ينقبون في طبقات المعنى كما ينقب الأثري في الأرض، فيجد تحت التراب مدينةً من الرموز، وتحت السلوك اليومي تاريخًا من المعتقدات، وتحت اللغة بقايا الأرواح التي عبرت المكان ثم تركت أثرها في الناس. وإذا كان أهل الظاهر يرون في السيرة تاريخًا للسنوات والشهادات والوظائف، فإن أهل البصيرة يرون فيها رحلةَ تشكّلٍ باطني، تبدأ من بغداد ولا تنتهي عند حدود الجغرافيا. فبغداد التي وُلد فيها الطائي سنة 1965 ليست مدينةً فحسب، بل هي قدرٌ معرفي، مدينةٌ كلُّ حجرٍ فيها يهمس بأن الإنسان أكبر من تعريفه العابر، وأن الهوية ليست بطاقةً بل سرديةٌ طويلة من الألم، والمجد، والانكسار، والبعث. من هنا نفهم كيف ابتدأ الرجل دربه من الهندسة الميكانيكية في جامعة بغداد سنة 1987، كأنما شاء أول أمره أن يفهم العالم من جهة الصنعة والنظام والحركة، ثم عاد بعد أعوامٍ إلى علم الاجتماع، فنال بكالوريوسًا ثانيًا سنة 1998، وكأن الروح التي شبعت من آلة الحديد أرادت أن تصغي إلى آلة المجتمع، إلى محركاته الخفية التي لا تُرى ولكنها تصنع مصائر البشر.
وليس هذا الانتقال من الهندسة إلى الاجتماع تحولًا في التخصص بقدر ما هو انتقالٌ من ظاهر الأشياء إلى باطنها. فالمهندس يسأل: كيف تعمل البنية؟ أما الأنثروبولوجي فيسأل: لماذا وُجدت هذه البنية أصلًا؟ الأول ينظر إلى الشكل، والثاني ينفذ إلى الرموز التي جعلت الشكل ممكنًا. وهنا تتجلى في مسيرة الطائي تلك الحكمة التي تُشبه مذاق الكشف عند ابن عربي: "ما خفي الحق إلا لشدة ظهوره". فالمجتمع، لشدة حضوره اليومي، يظنه الناس بديهيًا، بينما هو في حقيقته أكثر الألغاز اقترابًا من الإنسان، وأشدها احتجابًا به. ثم جاء الماجستير في الأنثروبولوجيا سنة 2005 من كلية الآداب بجامعة بغداد، ليعلن أن هذا المسار لم يكن صدفةً بل قدرًا معرفيًا مقصودًا. فالأنثروبولوجيا عند صادق الطائي ليست درسًا في عادات الأقوام وحسب، بل هي بحثٌ في الإنسان من حيث هو كائنٌ رمزي، ينسج العالم من أساطيره بقدر ما ينسجه من وقائعه. ولهذا بدا اهتمامه بالطوائف والجماعات والهويات الفرعية امتدادًا طبيعيًا لرؤيته؛ إذ لا يرى الجماعة كتكتلٍ بشري فحسب، بل بوصفها نصًا حيًا، مكتوبًا بالخوف والرغبة والذاكرة والنجاة. ولما مضى في رحلته إلى جامعة إيست لندن سنة 2018، فنال دبلوم دراسة مجتمعات المهاجرين، بدا كأنه يُكمل دائرة السؤال العراقي في المنفى: ماذا يبقى من الإنسان حين يترك المكان؟ وهل يهاجر الجسد وحده أم تهاجر معه الرموز والأمكنة والطقوس واللهجات والحنين؟ إن دراسة المهاجرين ليست عنده شأنًا سوسيولوجيًا باردًا، بل هي إنصاتٌ إلى ارتجاف المعنى حين يُقتلع من تربته الأولى. فالمهاجر، في أحد وجوهه، هو إنسانٌ يمشي بجغرافيتين: واحدة تحت قدميه، وأخرى في قلبه.
أما حياته العملية، فهي دليلٌ آخر على هذا التزاوج بين المعرفة والتجربة. فقد عمل باحثًا في مراكز دراسات متعددة، ومنها منظمة حل الأزمات الدولية في مكتب الشرق الأوسط، وهناك اقترب من تشققات الواقع السياسي والاجتماعي، لا بصفته معلقًا من بعيد، بل بصفته قارئًا للإنسان في لحظة التوتر. فالسياسة عند الطائي لا تُقرأ من خطابات السلطة وحدها، بل من البنى الثقافية التي تمنحها معناها، ومن الخوف الجمعي الذي يمدها بشرعيتها، ومن الذاكرة الطائفية التي تعيد إنتاجها في صور جديدة. ثم انتقل إلى إعداد وإنتاج البرامج السياسية التلفزيونية، وهنا تبدو ميزة أخرى في شخصيته: أنه لا يكتفي بأن تكون المعرفة حبيسة الكتب، بل يفتح لها نوافذ على الجمهور. فالإعلام عنده ليس نقلًا للحدث فقط، بل ترجمةٌ للمعنى الكامن فيه. وما أكثر من ينقلون الخبر، وما أقل من يكشفون طبقاته العميقة. لذلك ظل حضوره في الصحافة، ولا سيما مقاله الأسبوعي في جريدة القدس العربي منذ 2015، شاهدًا على عقلٍ لا يرى في المقالة رأيًا عابرًا، بل مختبرًا فكريًا يلتقي فيه السياسي بالأنثروبولوجي، والراهن بالتاريخي، والمرئي بالمستور.
أما مؤلفاته، فهي مفاتيحُ عالمه الأعمق. ففي كتابه "سحر الفضة.. سر الماء" الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة سنة 2011، لا يكتب عن الصابئة المندائيين بوصفهم أقليةً دينية فحسب، بل بوصفهم عالمًا رمزيًا يختزن فلسفةً كاملة في الماء والتطهر والفضة والطقس. هنا يتجلى الحس الأنثروبولوجي الرفيع: أن يرى في الشيء البسيط بابًا إلى الكون. فالماء ليس ماءً فقط، بل ذاكرة الخلق الأولى، والفضة ليست معدنًا بل لغةً من لغات النقاء والعبور. هكذا يُعيد الطائي للرمز هيبته، ويُخرج الطائفة من أسر التصنيف السياسي إلى أفقها الإنساني والروحي. وفي كتابه "الدين، الطائفة، القبيلة" الصادر في لندن سنة 2021، تتجسد خبرته العراقية بأعلى درجات النضج. فهو يحفر في الطبقات العميقة التي صنعت الاجتماع العراقي، ويُظهر كيف أن الدين والطائفة والقبيلة ليست مجرد بقايا من الماضي، بل قوى حية تُعيد تشكيل الحاضر باستمرار. هنا يلتقي الباحث بالمؤرخ، ويلتقي المحلل الاجتماعي بالشاهد على التحولات. وكأن الكتاب يقول لنا إن المجتمعات لا تُفهم من دساتيرها وحدها، بل من طبقاتها الوجدانية التي قد تكون أقدم من الدولة نفسها
. أما كتابه "دونالد ترامب وملفات الشرق الأوسط.. مقاربات الجنون والسياسة"، فهو شاهدٌ على سعة أفقه وقدرته على نقل أدوات الأنثروبولوجيا إلى حقل السياسة الدولية. فالزعيم السياسي، في نظره، ليس مجرد فاعل استراتيجي، بل ظاهرة ثقافية أيضًا، تتجسد فيها مخاوف الجماعة ورغباتها وأوهامها. بهذا المعنى، تصبح السياسة حقلًا لقراءة الرموز لا يقل ثراءً عن قراءة الطقوس والأساطير. إن أجمل ما في تجربة صادق الطائي أنه لم يجعل من الأنثروبولوجيا علمًا جامدًا، بل حولها إلى طريقةٍ في رؤية العالم. فهو يقرأ العراق لا كحدثٍ سياسي، بل ككائنٍ رمزي؛ ويقرأ المنفى لا كحركة انتقال، بل كاختبارٍ للهوية؛ ويقرأ الطائفة لا كحدٍّ مغلق، بل كنصٍّ مفتوح على التاريخ والذاكرة والقلق.
وهنا، على طريقة ابن عربي، يمكن القول إن الطائي لم يكتب عن الإنسان لأنه موضوعٌ للبحث، بل لأنه سرُّ الوجود الاجتماعي. فالإنسان عنده ليس رقمًا في إحصاء، ولا حالةً في تقرير، بل عالمٌ أكبر منطوٍ في جسدٍ صغير. ولعل هذا ما يفسر نبرة العمق في كتاباته، حيث تتجاور الوقائع مع التأويل، وتتعانق المادة مع الرمز، ويغدو النص نفسه شبيهًا برحلة كشفٍ من ظاهر المجتمع إلى باطنه. لقد خرج صادق الطائي من بغداد، لكن بغداد لم تخرج منه. بقيت في كتبه كأنها سؤالٌ دائم: كيف يُعاد بناء المعنى في أرضٍ كسرتها الحروب وأعادتها الذاكرة؟ وكيف ينجو الإنسان من الخراب إلا بأن يفهم خرائطه الخفية؟ لذلك تبدو كتاباته كلها محاولةً لإنقاذ الإنسان من سطوة الاختزال، وإعادته إلى تعقيده الجميل، إلى تناقضاته التي هي سرُّ فرادته. إنه كاتبٌ وباحثٌ أنثروبولوجي، نعم، لكن هذا التعريف لا يفيه حقه. هو شاهدُ تحولات، قارئُ طبقات، ناسجُ صلاتٍ بين المعرفة والوجود. يكتب كما لو أنه يُصغي إلى الأصوات التي لا يسمعها الآخرون، ويرى في التفاصيل اليومية ما يشبه الإشارات الصوفية إلى بنية العالم. وهكذا، إذا كان بعض الباحثين يدرسون المجتمع من خارجه، فإن صادق الطائي يسكنه أولًا، ثم يكتبه. يدخل إلى الطائفة من باب طقسها، وإلى القبيلة من باب ذاكرتها، وإلى السياسة من باب لاوعيها الجمعي. ومن هنا تأتي فرادة صوته: أنه لا يشرح الإنسان بقدر ما يكشفه. يمكن أن نقول على نسق أهل الحكمة: إن صادق الطائي لم يكن باحثًا في الإنسان فقط، بل كان الإنسانُ نفسه موضوعَ دهشته الكبرى. ومن دهشةٍ كهذه تولد الكتب التي تبقى، لأنها لا تؤرخ للوقائع وحدها، بل تؤرخ للمعنى وهو يعبر الأزمنة. فسلامٌ على قلمٍ استمد من بحر الحقائق مداده، وعلى عقلٍ رأى في المجتمع أكثر من صورته، فرأى سره المستتر في علانيته، وكتب عنه كتابةً تجعل القارئ لا يقرأ العالم فحسب، بل يقرأ نفسه فيه.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...


المزيد.....




- بعضها رُصد فوق الخليج.. البنتاغون ينشر فيديوهات جديدة لأجسام ...
- صعود الصين ـ زيارة ترامب وبوتين ترسخان مركزية بكين الدولية
- لماذا اعتذر ترمب عن حضور زفاف نجله؟
- مسؤول إندونيسي للجزيرة نت: تحملنا ارتفاع تكلفة الحج ونخطط لق ...
- فشل مراجعة -عدم الانتشار- يبدد آمال نزع السلاح النووي
- روسيا.. حريق بمستودع نفطي بعد هجوم بمسيرات أوكرانية
- الجيش الإسرائيلي يعلن -حالة تأهب قصوى- تحسبا لعودة حرب إيران ...
- فجر السبت.. رواج فيديو لقاذفة الشبح B2 بتدوينة مسؤول بالبيت ...
- قتلى ومحتجزون بمنجم فحم بالصين بسبب انفجار غاز
- الكويت.. فيديو كشف أوراق مشبعة بمخدرات تنشره الداخلية


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع