أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور















المزيد.....

شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 08:31
المحور: قضايا ثقافية
    


يا هذا، إذا ذُكِرَتِ الترجمةُ عند أهل الصنعة، وتداولها أصحاب البيان، وجرى ذكرها في مجالس الأدب كما يجري الماء في عروق الغصن، فلا جرم أن ينهض إلى الخاطر اسمٌ تلألأ في سماء العربية والإنكليزية معاً، وامتد صوته بين المنابر كما يمتد الصدى في أروقة المعابد، ذلك هو شاكر حسن راضي، الرجل الذي لم يتخذ اللغة حرفةً فحسب، بل اتخذها مقاماً، ولم يجعلها وسيلةً إلى الرزق وحده، بل جعلها سبيلاً إلى الحكمة، ومعبراً بين الأمم، وجسراً بين الأرواح. وما كل من عرف لساناً صار مترجماً، ولا كل من حفظ ألفاظاً ملك مفاتيح المعاني، ولكن المترجم الحق هو الذي إذا سمع اللفظ أبصر ما وراءه، وإذا نقل العبارة حمل معها روحها، وإذا واجه النص لم يقف عند قشره، بل نفذ إلى لبابه، حتى كأنه يخرج المعنى من رحم لغة ليودعه رحم لغة أخرى، سليماً من الكسر، محفوظاً من الوهن، مصوناً من الخيانة. وهكذا كان شاكر حسن راضي، مترجماً من الطراز الأول، بل من ذلك الطراز النادر الذي لا يتكرر إلا على مهل، ولا تجود به الأيام إلا بعد عناء.
ولد سنة 1955، فكأنما ولد في زمن كانت فيه اللغة لا تزال تحتفظ بجلالها القديم، وكان التعليم يومئذٍ صناعة نفوس لا صناعة شهادات. فشبّ مفتوناً بالإنكليزية منذ أيام المدرسة الأولى، على رغم فقر الوسائل وضيق الأدوات. غير أن الفقر في الأدوات كثيراً ما يولّد الغنى في الهمّة، وما ضيقُ المدرسة إلا سعةٌ في خيال التلميذ إذا كان القلب يقظاً. هنالك بدأ العشق الأول، حين وقف الفتى أمام زملائه يشرح درس "سهام والأقزام السبعة"، فكان ذلك المشهد الصغير بشارة عمرٍ طويل سيقضيه واقفاً بين لغتين، يفسر لهذه عن تلك، ويهدي تلك إلى هذه. ثم مضى في طريقه حتى نال بكالوريوس الترجمة من كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، من الدفعة الأولى سنة 1979، فكأنه كان من جيل التأسيس، من أولئك الذين لم يدخلوا باباً مفتوحاً، بل صنعوا الباب بأيديهم. وقبل ذلك كان قد ظفر بدبلوم في الترجمة الفورية من "ذا بوليتكنيك أوف سنترال لندن"، فكأن لندن منحته آلة الصنعة، بينما منحه العراق روحها. ثم أضاف إلى ذلك ماجستير الأدب الإنكليزي من جامعة بغداد في الشعر الحديث، وكانت أطروحته عن المدينة والفرد في شعر لويس مكنيس، وما اختيار هذا الموضوع إلا شاهد على عقل يأنس إلى التوتر بين الإنسان والعالم، بين الذات والزحام، بين الفرد والمدينة، وهي كلها ثنائيات لا ينجو منها مترجم فذ.
يا هذا، إن المترجم الفوري ليس ناقلاً للكلام فحسب، بل هو رجلٌ يسبق الزمن بخطوة، ويصالح بين السرعة والدقة، ويقاوم فوضى اللحظة بنظام العقل. وقد وصف شاكر حسن راضي هذه المهمة بأنها تكاد تكون مستحيلة، إذ تجري في الدماغ خمس عمليات في أجزاء من الثانية: الاستلام، فالاستيعاب، فالترجمة في الخفاء، ثم النطق، ثم حفظ ما يتلوه المتكلم قبل أن ينتهي منه. أفلا ترى أنه أشبه بعازفٍ على آلةٍ لا تُرى، يعزف على أوتار الأعصاب، ويخشى أن ينكسر اللحن إذا اختل حرف، أو ضاع ظل معنى، أو خانه النفس في لحظة اضطراب؟ ومن أجل هذا كان نجاحه في المحافل الدولية أمراً يجاوز الموهبة إلى الرياضة العقلية الصارمة. فقد عمل مترجماً فورياً في المؤتمرات والمنظمات، وشارك في مئات الندوات، متنقلاً بين العراق والإمارات وعُمان والبحرين وقطر، حتى غدا صوته رفيق السياسيين والمثقفين ورجال الاقتصاد، وصار حضوره في القنوات الفضائية مثل "سي أن بي سي" و"دبي" و"دبي الإخبارية" علامة على الثقة، ودليلاً على أن اللغة إذا استقرت في يد أمين بلغت شأواً من الرسوخ لا تبلغه الخطب وحدها. ولم يكن الرجل أسير الترجمة الفورية وحدها، فإن في نفسه أدبياً يضيق به المقام الشفهي، فيطلب للمعنى خلود الكتابة. فترجم أعمالاً روائية وأدبية رفيعة، منها رواية "الجاسوس المستجير من البرد" لـ John le Carré، و"حكايات شعبية من الهند" في جزأين، ثم نقل إلى الإنكليزية "ذاكرة الفصول" للشاعر يقظان الحسيني، وكتاب "معاناة العاشقين" للناقد محمد الجزائري، وكتب في الفن التشكيلي عن أعمال الرسام السوري إسماعيل الرفاعي. وهذه الأعمال، على تباعد أجناسها، تدل على نفسٍ لا تكتفي بحقل واحد، بل ترى الثقافة بستاناً متعدد الأزهار.
وإذا سألت عن فلسفته في الترجمة، وجدته يترفّع عن القول المأثور بأن الترجمة خيانة. بل كان يرى، في سداد العالمين، أنها مهمة مقدسة، وامتحان أخلاقي قبل أن تكون براعة لسان. ذلك أن المترجم، في رأيه، لا يخون اللغة الأم حين يفتحها على اللغات الأخرى، بل ينقذها من الانغلاق، ويحررها من عزلتها، ويهبها فرصة أن تُرى في مرايا الأمم. وما أجمل قوله الضمني: لولا الترجمة لما تعايشت الشعوب، ولا انتقلت التكنولوجيا، ولا سال رأس المال، ولا تلاقحت الثقافات. فكأن المترجم في نظره رسول حضارة، لا مجرد ناسخ مفردات. غير أنه، يا هذا، كان بصيراً بما يعتري الترجمة من آفات السوق، ولا سيما حين تُنقل الرواية العربية إلى الإنكليزية بأيدٍ لا تعرف حرارة النص العربي، ولا تذوقت ملح العبارة في بيئتها. فقد لاحظ أن كثيراً من الأعمال العربية المترجمة فقدت روحها، حتى خاب ظن القارئ الأجنبي، لا لعيبٍ في الأصل، بل لقصورٍ في الناقل. وهنا تتجلى حكمته النقدية، إذ كان يؤمن أن النص العربي لا يفك مغاليقه إلا مترجم عربي، يعرف الظلال الثقافية، ويلمّ بما وراء العبارة من ذاكرة جمعية، وإيقاع حضاري، وحمولة وجدانية. ولقد درّس الترجمة في جامعتي بغداد والمستنصرية، وفي كلية المأمون، ثم في معهد بغداد للغات في الإمارات، وتعاون مع جامعات دبي والشارقة في تدريس الترجمة الفورية، فكأنما كان يغرس شجرته في أكثر من تربة، مؤمناً بأن المعرفة لا وطن لها إلا العقول المؤهلة. وما التعليم عنده إلقاء معلومات، بل صناعة أجيال، وإعدادُ من سيحمل الشعلة بعد أن تخبو اليد الأولى.
يا هذا، إذا تأملت سيرته رأيته مثالاً لما قاله أبو حيان في موضع الحكمة: إن الإنسان لا يبلغ تمامه إلا إذا صارت الصنعة طبعاً، والطبع أدباً، والأدب خلقاً. فقد اجتمع في شاكر حسن راضي علم اللسان، وذوق الأدب، وخبرة المنبر، وسرعة البديهة، وسعة الثقافة. وهذه الخصال إذا اجتمعت في رجلٍ واحد جعلته مدرسة قائمة، لا شخصاً عابراً. ولعل أعجب ما في أمره أنه لم يتعامل مع اللغة بوصفها حدوداً فاصلة، بل بوصفها ضيافة متبادلة. فالعربية عنده لم تكن سجناً للهوية، والإنكليزية لم تكن خيانة للانتماء، بل كانتا جناحين لطائر واحد، إن كُسر أحدهما اختلّ التوازن، وإن اعتدل الاثنان حلق الفكر في سماوات أبعد. ولذلك كان قادراً على أن ينقل روح القصيدة كما ينقل حرارة الخطاب السياسي، وأن يحفظ للنص نبرته كما يحفظ للمتحدث قصده. ويا هذا، إن في سيرة هذا الرجل درساً بليغاً لأهل زماننا: أن التفوق لا يولد من فراغ، بل من شغفٍ مبكر، وتربيةٍ جادة، ومرانٍ طويل، وصبرٍ على مشقة الصنعة. فمن طفلٍ يشرح درساً في صفٍ متواضع، إلى مترجمٍ تتلقفه المنصات الدولية، تمتد حكاية من الوفاء للغة، والإخلاص للمعنى، والإيمان بأن الكلمة إذا أُحسن حملها صارت قوةً من قوى التاريخ. فإذا قيل لك: من هو المترجم الذي جمع بين البيانين، ووقف على الحد الفاصل بين اللغتين كوقوف الحكيم بين رأيين، لا يميل إلا إلى الصواب، فقل: هو شاكر حسن راضي، ناسكُ اللغة، وراهبُ المعنى، وحارسُ الروح حين تعبر من لسان إلى لسان.
وهكذا يبقى أثره لا في الكتب التي ترجمها فحسب، ولا في المؤتمرات التي أنقذها من عسر الفهم، بل في ذلك المثال الأعلى الذي يقدمه للمترجم العربي: أن يكون واسع الثقافة، حاضر الذهن، أمين القلب، شديد الوفاء للنص، وأن يعلم أن الكلمة إذا خرجت من فم المتحدث لم تعد صوتاً عابراً، بل أمانةً في عنق من ينقلها. هذا هو شاكر حسن راضي كما يليق به أن يُذكر: لا اسماً في سجل المترجمين فقط، بل علامةً من علامات الثقافة العربية الحديثة، ورجلاً إذا مرّ ذكره في مجلس الأدب، أطرق أهل المعرفة إجلالاً، وقالوا: هذا ممن خدم المعنى حتى خدمه المعنى.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...


المزيد.....




- سرقة لوحات بقيمة ملايين الدولارات في عملية سطو استغرقت 3 دقا ...
- إنهاء حرب إيران -بغضون أسبوعين أو أكثر بقليل-.. شاهد ما قاله ...
- هل تضع الصين نفسها في موقف وسيط سلام بين أمريكا وإيران؟
- بعيدًا عن هرمز.. طرق بديلة للنفط تحت وطأة المخاطر
- نتائج ضربات إيران على دول الخليج صباح الأربعاء.. ماذا نعلم ل ...
- حرب الشرق الأوسط: غارات على طهران وبيروت واعتراض صاروخ من ال ...
- احتجاج لسائقي الشاحنات قرب باريس رفضًا لارتفاع أسعار الوقود ...
- كيف يواصل طلاب لبنان دراستهم في زمن الحرب؟
- حرب إيران بين وهم النصر وفخ التصعيد وفوضى القرار
- هيئة بريطانية: إصابة ناقلة نفط بمقذوف قبالة -رأس لفان- في قط ...


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور