أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل المقدّس















المزيد.....

محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل المقدّس


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 09:56
المحور: الادب والفن
    


في حضرة بعض الكتّاب، لا تقرأ كتابًا فحسب، بل تشعر أنك تدخل خانقاه من المعاني، وأنك تخلع نعليك على عتبة النص كما يخلع السالك غبار الطريق قبل أن يدخل مقام الذكر. هكذا يبدو الباحث العراقي محمد كريم الكواز، لا بوصفه أستاذًا في البلاغة وفلسفة اللغة فحسب، بل بوصفه سالكًا في دروب اللفظ، عارفًا بأسرار الحرف، منصتًا إلى الهمس الذي يخرج من الكلمات حين تلامس تخوم الغيب. فبعض الناس يدرسون اللغة كما تُدرس الصناعة، يزنونها بميزان القواعد، ويقيسونها بمسطرة المصطلح، أما الكواز فقد دخلها كما يدخل العاشق بستان محبوبته، يتأمل ورقة المعنى، ويصغي إلى خفقة الصورة، ويستدل من ظاهر العبارة على باطن الرؤيا. وإذا كان مولانا جلال الدين الرومي قد قال إن ما تبحث عنه يبحث عنك، فإن سيرة الكواز تبدو شاهدة على هذه الحكمة الباطنية. لم يكن الرجل يبحث في البلاغة عن زينة القول، بل كانت البلاغة نفسها تبحث فيه عن قارئ يردّها إلى أصلها الأول، إلى تلك اللحظة التي يصبح فيها الكلام بابًا إلى الرؤيا، ويغدو اللفظ مركبًا يعبر به العقل من ضفة الحس إلى ضفة الكشف. ولد في بغداد سنة 1951، وبغداد ليست في هذا المقام مدينة وحسب، بل هي قدر لغوي، وذاكرة رمزية، ومسرح عتيق تتجاور فيه الخلافة والحكاية، والفقه والشعر، والأسطورة والتاريخ. من هذه التربة خرج وعيه الأول، ومن هذا الهواء المشبع بعبق المخطوطات والجدل الكلامي تولدت أسئلته الكبرى. حين نال البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد سنة 1975، ثم الماجستير سنة 1980، ثم الدكتوراه سنة 1990 عن أطروحته في "الأسلوب في الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم"، لم يكن يصعد درجات الشهادة بوصفها سلّمًا وظيفيًا، بل كان يرتقي بها كما يرتقي السالك في مدارج المعرفة، درجة بعد درجة، حتى يتسع له الأفق ويصفو له النظر. إن أطروحته في الإعجاز البلاغي لم تكن بحثًا في المحسنات ولا في زخارف البيان، بل كانت غوصًا في ذلك البحر الذي لا ساحل له، حيث يصبح النص القرآني معراجًا للغة، وحيث تتجلى البلاغة لا كصنعة بشرية بل كفيض من نور يتجاوز طاقة العبارة.
ومن يتأمل أعماله يدرك أن الرجل لم يقف عند حدود البلاغة المدرسية، بل مضى أبعد، إلى تخوم المتخيل المقدس، وإلى الأساطير التي تسكن الذاكرة الجمعية، وإلى السرديات التي تشكل وعي الجماعات بالدين والوجود. في كتبه مثل "التمثيل القرآني للغيب" و"تقديس المتخيل" و"تخوم الغيب في حديث السنة والجماعة"، نرى عقلًا لا يكتفي بشرح النص، بل ينصت إلى الصدى الذي يتركه النص في الروح الثقافية للأمة. هنا يلتقي الكواز مع روح الرومي في أصفى تجلياتها، فالغيب عنده ليس منطقة من المجهول فحسب، بل هو ذلك الفضاء الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يرى ما وراء الحجاب، وأن يدرك أن العالم ليس ما يقع عليه البصر وحده، بل ما يوقظه البصر في القلب. ولعل أجمل ما في مشروعه أنه لم يتعامل مع الأسطورة بوصفها نقيضًا للحقيقة، بل بوصفها أحد ألسنة الحقيقة. فحين كتب "من أساطير الأولين إلى قصص الأنبياء"، و"المتخيل المقدس"، و"عجائب الملكوت للكسائي"، كان كمن يردّ الحكاية إلى أصلها الروحي، حيث تتجاور الرؤيا مع الرمز، ويصبح الخيال جسرًا بين الأرض والسماء. إن الرومي كان يقول: ليس في العالم خيال دون حقيقة، والكواز يبدو كأنه يشرح هذه الحكمة عبر مشروعه كله، إذ يكشف أن المخيال الديني ليس كذبًا على الواقع، بل لغة أخرى للحقيقة، لغة لا تقول الأشياء كما هي، بل كما تتجلى في باطن الوعي.
وفي كتابه "كلام الله: الجانب الشفاهي من الظاهرة القرآنية" تتجلى هذه الرؤية بأوضح صورها. هنا لا يعود القرآن نصًا مكتوبًا فحسب، بل يصبح حدثًا صوتيًا، تجربة سماع، رجفة حضور. كأن الكواز يريد أن يقول لنا إن الوحي لم يبدأ بالحبر، بل بالصوت، لا بالسطر بل بالنداء. وهذا الفهم يقترب من روح الناي عند الرومي، ذاك الصوت الخارج من القصب المقطوع، الحامل لحنين الأصل. فالوحي في هذا التصور ليس نصًا جامدًا، بل نَفَسًا حيًا، وصوتًا يوقظ في النفس ذكرى الميثاق الأول. أما اشتغاله على قصص الأنبياء، في "مملكة الباري" و"النبي ودجال"، فيكشف عن وعي عميق بأن السرد الديني ليس مجرد حكايات تعليمية، بل هو معمار رمزي تتشكل فيه رؤية الجماعة للعالم، وللخير والشر، وللخلاص والمحنة. إنه يحفر في طبقات القصة كما يحفر العارف في طبقات النفس، باحثًا عن البذرة الأولى التي منها تفرعت صور الخوف والرجاء، النبوة والفتنة، النور والظلمة. وهنا يلوح أثر الرومي جليًا: فكل قصة في ظاهرها حدث، وفي باطنها مرآة لرحلة الإنسان بين الغفلة والانكشاف. وليس غريبًا بعد هذا أن يمتد مشروعه إلى قراءة الشعر الحديث، كما في كتابه عن الجواهري "شعرية المفارقة وهاوية الشاعر". فالكواز لا يرى الحدود الفاصلة بين القديم والحديث، بين المقدس والأدبي، بين الميثولوجيا والقصيدة. كل ذلك عنده ينتمي إلى نهر واحد، نهر اللغة وهي تبحث عن صورتها في مرايا متعددة. وهذا ما يجعل مشروعه أشبه برحلة روحية في تضاريس الثقافة العربية، من الأسطورة إلى البلاغة، ومن النص القرآني إلى القصيدة الحديثة، ومن كتب التأسيس إلى المتخيل الشعبي.
وفي مسيرته الأكاديمية، من بغداد إلى ليبيا، حيث عمل أستاذًا مساعدًا ثم مشاركًا ثم أستاذًا في الجامعة الأسمرية، نرى صورة أخرى من صور السلوك المعرفي. فالعلم عنده لم يكن إقامة في مكان، بل سفرًا دائمًا، والرومي يقول: لا تبق في مكان واحد إن كنت تطلب المعنى، فالماء إذا ركد أسنّ. هكذا حمل الكواز مشروعه من ضفاف دجلة إلى فضاءات المغرب العربي، كأن المعرفة عنده قافلة لا تستريح إلا لتتابع المسير. إن ما يميز محمد كريم الكواز ليس وفرة التأليف فحسب، على أهميتها، بل ذلك الخيط الروحي الذي ينتظم أعماله جميعًا. إنه خيط السؤال عن العلاقة بين اللغة والغيب، بين البلاغة والأسطورة، بين النص والخيال. بعض الباحثين يجمعون المادة كما يجمع التاجر سلعته، أما هو فيجمعها كما يجمع الناسك شتات قلبه، ليصوغ منها معنى أكبر من مفرداتها. لذلك تبدو كتبه، مهما تنوعت موضوعاتها، فصولًا من كتاب واحد، كتاب الإنسان وهو يفتش عن صورته في مرايا الوحي واللغة والحكاية. ولو أردنا أن نصوغ تجربته بروح رومية، لقلنا إن الكواز لم يكن يقرأ النصوص ليعرفها، بل كان يقرأها لتعرفه. كل كتاب عنده مرآة، وكل مرآة باب، وكل باب طريق إلى باطن أبعد. من "الفصاحة في العربية" إلى "الحفر في الذات"، ومن "الملك والأسد في النقد الثقافي" إلى "المتخيل المقدس"، تتكرر الرحلة نفسها: خروج من ظاهر العبارة إلى جوهرها، ومن صورة الحكاية إلى سرها، ومن الحرف إلى النور الذي يسكن الحرف.
هكذا يغدو محمد كريم الكواز واحدًا من أولئك الذين لا يكتبون عن الثقافة من خارجها، بل يعيشونها قدرًا وجوديًا. هو لا يتعامل مع النص بوصفه موضوعًا للبحث فقط، بل بوصفه رفيق خلوة، ومرشد طريق، ونايًا يئنّ بحنين الأصل. وإذا كان الرومي قد قال: استمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين، فإن كتب الكواز تبدو كأنها هذا الناي بعينه، تردد في أسماعنا أن كل معرفة صادقة هي في جوهرها عودة إلى المنبع، وأن اللغة ليست أصواتًا وحروفًا فحسب، بل دربٌ إلى المعنى الذي يسكننا قبل أن نسكنه. وفي هذا يكمن سر فرادته: أنه يعيد إلى البحث الأكاديمي روحه، وإلى البلاغة قلبها، وإلى الأسطورة حقيقتها الوجودية. إنه يذكرنا بأن العلم إذا خلا من الدهشة صار أرشيفًا، وأن النص إذا فقد نوره صار جثة لفظية. أما حين يلامسه عقل مثل عقل الكواز، فإنه يستعيد نبضه، ويتحول من صفحة إلى أفق، ومن معنى إلى كشف، ومن قراءة إلى سلوك. لذلك يبقى محمد كريم الكواز، في مشهد الثقافة العربية، أشبه بسالكٍ يحمل مصباحه في دهاليز الذاكرة، لا ليبدد الظلام كله، بل ليكشف أن في الظلام نفسه أبوابًا من نور، وأن في الغيب الذي نخافه أحيانًا سرّ المعرفة التي نبحث عنها دائمًا. هكذا يظل مشروعه دعوة إلى أن نقرأ بعيون القلب، وأن نصغي إلى ما وراء القول، وأن ندرك، كما أدرك الرومي من قبل، أن ما نبحث عنه في النصوص إنما كان منذ البدء مختبئًا في أعماقنا.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...
- حين تصبح بلغاريا عاصمة واشنطن: تفكيك الوعي الشعبي في نص صالح ...
- التقدم لا يحتاج إلى أبطال، يحتاج إلى موظفين يطبقون اللوائح ب ...


المزيد.....




- ألبوم -سر-: مريم صالح تواجه الفقد بالغناء
- إعادة ترجمة كلاسيكيات الأدب.. بين منطق اللغة وحسابات السوق
- قاسم إسطنبولي.. حين يتحول الفن والمسرح الى المقاومة الثقافية ...
- عودة أنيقة لفيلم The Devil Wears Prada 2 .. ميريل ستريب وآن ...
- لماذا يثير كتاب لطه حسين جدلاً منذ مئة عام؟
- الرمز البصري لتيار ما بعد الإادراك العرش
- الفنان عزيز خيون: المسرح العراقي -رسالة تنويرية-
- فيديو مسرّب لمدير الـFBI كاش باتيل… يُظهره يرقص على أنغام مو ...
- بعد سنوات من الغياب.. سيلين ديون تعود إلى المسرح من بوابة با ...
- الأدب في زمن الشاشة.. هل انتهت هيبة الورق؟


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل المقدّس