أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإذا كتب الزمانُ شهد















المزيد.....

برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإذا كتب الزمانُ شهد


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 19:26
المحور: قضايا ثقافية
    


الدكتور ياس خضير البياتي رجلٌ إذا ذُكر الإعلامُ ذُكر، وإذا ذُكر البحثُ استُحضر، وإذا عُدَّت القاماتُ التي شادت للعراق في ميدان المعرفة منابرَ لا تنقض، كان من أوائل من يلوح اسمهم لمعانًا، ومن أرسخهم في الذاكرة رسوخًا. فهو أكاديميٌّ جمع بين صرامة الجامعة، ومرونة الصحافة، وسعة الكاتب الذي لا يضيق بأفقٍ واحد، بل يجعل من كل أفقٍ نافذةً على أفقٍ آخر. ولعمري إن الرجل الذي يجمع بين الدرس الإعلامي، والنظر الاجتماعي، والاشتغال الرقمي، ثم يظل بعد ذلك وفيًّا لنبض المقال الأسبوعي، لَهو من أولئك الذين لا يسكن فيهم العلم سكون الخزائن، بل يجري فيهم جريان الدم في العروق. وليس الفضل في الرجال بما تقلدوا من مناصب فحسب، ولكن بما أبقوا من أثر، وما تركوا من طريقة، وما بثوه في العقول من ملكةٍ تُحسن النظر قبل أن تُحسن القول. والدكتور ياس من هذا الضرب الذي لا يُقاس بالوظيفة، بل بما جاوز الوظيفة إلى الرسالة، وما عبر المنصب إلى البصيرة. فقد شغل مناصب أكاديمية رفيعة، وكان وكيلًا لعمادة كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا أعوامًا مديدة، وهي أعوامٌ لا تُقاس بطولها، بل بما حفلت به من بناءٍ للمناهج، وتثبيتٍ للتقاليد العلمية، وإرساءٍ لروحٍ أكاديمية تجعل من الإعلام علمًا لا مجرد صناعة، ومن الممارسة بحثًا لا مجرد تكرار.
وإذا كان بعض الناس يكتفي من العلم ببابٍ واحد، فإن البياتي قد جعل أبوابه متجاورة، لا يُغلق منها بابٌ على آخر، ولا يحجب منها فنٌّ فنًّا. فهو أستاذ في الإعلام الرقمي، غير أن الرقمي عنده ليس ألفاظًا مستوردة، ولا أدواتٍ تقنيةً صماء، بل هو تحولٌ في الاجتماع، وتبدلٌ في طرائق الوعي، وانتقالٌ في سلطة الكلمة من الورق إلى الشاشة، ومن المطبعة إلى الفضاء الشبكي. ولذلك كان نظره إلى الإعلام نظر الفيلسوف الصحفي، الذي يرى في الوسيلة أثرها في المجتمع، وفي التقنية صداها في النفس، وفي الخبر سيرته من الحدث إلى الإدراك. وقد أحسن من نعته بالصحفي الفيلسوف، فإن الصحفي إذا خلا من الفلسفة صار ناقلًا، والفيلسوف إذا خلا من الصحافة صار معزولًا عن نبض الناس، أما إذا اجتمعا في رجلٍ واحد فقد تمت له آلة التأويل، وحسن له فهم العصر. والدكتور ياس من أولئك الذين لم يقنعوا بوصف الظواهر، بل طلبوا عللها، ولم يرضوا بإحصاء التحولات، بل سألوا عن معناها، وما تنطوي عليه من تبدلٍ في الإنسان العربي، وفي المجتمع العراقي على الخصوص. ولقد كان له في الصحافة باعٌ لا يقصر عن باعه في الجامعة. ترأس تحرير صحفٍ ومجلاتٍ عراقية، فكان في ذلك شاهدًا على أزمنة التحول، وفاعلًا في صناعة خطابها. ورئاسة التحرير ليست جمع مقالاتٍ وتنسيق صفحات، ولكنها سياسةُ معنى، وتدبيرُ خطاب، واختيارٌ لما ينبغي أن يقال، وما يجب أن يُؤخر، وما يحسن أن يُعرض على القارئ في وقتٍ دون وقت. ومن تولى هذا الأمر سنين، ثم خرج منه وفي يده رصيدٌ من الثقة والاحترام، فقد دل ذلك على حسن ميزانٍ في العقل، وعدلٍ في التقدير، وبصرٍ بما يصلح للناس في فكرهم وذوقهم.
ثم إن للرجل في التأليف منزلةً لا تُنكر، فقد صدر له ستةٌ وعشرون كتابًا في الإعلام والاجتماع، والكتب أبناءُ العقول، ولا يكثر نسل العقل إلا إذا كان خصيبًا، ولا يتتابع عطاؤه إلا إذا كان صاحبه موصولًا بالقراءة، مأهولًا بالفكرة، حاضرَ النفس عند كل حادثة. وهذه الكتب ليست عددًا يُذكر للتفاخر، وإنما هي شواهد على سعة اشتغال، وامتداد همة، وصبرٍ على البحث لا يعرف الملل. فمن الكتابة ما يكون صدى لحظة، ومنها ما يكون بناء عمر، والرجل من أهل البناء لا من أهل الصدى. ومن أخص ما يميز مشروعه الفكري عنايته بالتحولات الرقمية. فإنه أدرك، كما يدرك أصحاب النظر البعيد، أن العالم لم يعد كما كان، وأن الكلمة لم تعد تسير في الطرق القديمة، وأن الجمهور نفسه قد تبدل من قارئٍ ينتظر إلى متلقٍّ يشارك، ومن سامعٍ يُملى عليه إلى فاعلٍ يعيد إنتاج المعنى. فبحث في الصحافة الرقمية لا بوصفها منصةً فنية، بل باعتبارها انقلابًا في بنية المجال العام، وتحولًا في صناعة الرأي، وتبدلًا في علاقة السلطة بالمعلومة، وعلاقة الفرد بالجماعة. وما كان هذا النظر ليقف عند حدود العالم العربي، بل تجاوزه إلى التأمل في التجربة الصينية، وهي تجربةٌ لا يلتفت إليها إلا من اتسع أفقه عن المحلي إلى الكوني، وعن العابر إلى البنيوي. فإن الصين في نظر الباحثين ليست دولةً فحسب، بل مختبرٌ للتحولات الكبرى في الاقتصاد والتقنية والإعلام والاجتماع. ومن تأملها بعين الباحث الإعلامي رأى كيف تصنع الأمم الكبرى خطابها، وكيف تحرس سرديتها، وكيف توائم بين التطور التقني والبناء الرمزي للدولة والمجتمع.
وليس من اليسير أن يجمع رجلٌ بين هذا كله ثم يبقى موصولًا بالكتابة الأسبوعية في الصحف العراقية والعربية، ولكنها سجية من سجايا الكبار، أن يجعلوا الفكر في خدمة اليومي، واليومي في خدمة الفكر. فالكاتب الأسبوعي الحق ليس من يملأ الفراغ، بل من يمد الجسور بين الحادثة العابرة والمعنى الباقي، بين الخبر الذي يمضي والسؤال الذي يبقى. ومن هنا كانت مقالاته أشبه بمرايا تعكس وجه اللحظة، ولكنها في الوقت نفسه تكشف ما وراء الوجه من قسمات التاريخ والاجتماع. ثم انظر إلى عضوياته في نقابة الصحفيين العراقيين، واتحاد الصحفيين العرب، والاتحاد الدولي للصحفيين، تجد أنها ليست أوسمةً تُعلق، بل دوائرُ انتماءٍ مهني وفكري، تشهد بأن الرجل لم يكن فردًا معزولًا في برج الجامعة، بل عضوًا فاعلًا في جماعة المهنة، حاضرًا في همومها، مشاركًا في قضاياها، مدافعًا عن تقاليدها. والمهنة إنما تكرم من خدمها، لا من انتسب إليها اسمًا. ومن لطيف ما يلفت في مسيرته انصرافه إلى البحث في التلوث البيئي وعلاقته بالإعلام الرقمي، وهو بابٌ يدل على ذكاءٍ في التقاط موضوعات العصر، فإن البيئة لم تعد شأن الطبيعة وحدها، بل صارت شأن الوعي العام، وصناعة الخطاب، وتشكيل السلوك الاجتماعي. والإعلام الرقمي هنا ليس ناقلًا للمعلومة البيئية فقط، بل صانعٌ لإحساس الناس بالخطر، وموجهٌ لاستجاباتهم، ومؤثرٌ في سياساتهم اليومية. ومن جمع بين البيئة والإعلام فقد جمع بين المادة والرمز، وبين الواقع وتأويله.
ولعل أجمل ما في سيرة هذا الرجل أنه لم يقطع حبله بالعراق وهو في الإمارات، ولم تجعل الغربةُ الجغرافية غربتَه عن الهم العراقي. بل بقي حاضرًا في صحفه، ومقالاته، ومجالات بحثه، وعضوياته، كأنما يحمل العراق في اللغة قبل أن يحمله في الذاكرة. وهذه خصلةُ النبلاء من أبناء الاغتراب، أن يجعلوا البعدَ قربًا آخر، وأن يحولوا المسافة إلى صلة، والمنفى إلى منصة عطاء. وإذا أردنا أن نصفه بعبارةٍ جامعة قلنا " هو رجلٌ من رجال المعنى، إذا دخل الجامعة أحيا البحث، وإذا دخل الصحافة أنطقها بالحكمة، وإذا دخل الفضاء الرقمي ردَّه إلى أصول الاجتماع، وإذا كتب عن البيئة ردَّ الإنسان إلى مسؤوليته. فهو من أولئك الذين لا يقفون عند ظاهر الأشياء، بل يغوصون إلى لبابها، ولا يكتفون بتعداد الظواهر، بل يردونها إلى أصولها، ولا يرضون من الفكر إلا ما كان موصولًا بحياة الناس. وإن في سيرته درسًا بليغًا للأجيال الجديدة من الباحثين والإعلاميين، وهو أن التفوق لا يكون بتعدد الصفات وحده، بل بحسن انتظامها في نسقٍ واحد. فقد يكون المرء أكاديميًّا ولا أثر له، أو صحفيًّا ولا عمق عنده، أو كاتبًا كثير المقال قليل المعنى، أما أن يجتمع له التحقيق الأكاديمي، والخبرة الصحفية، وغزارة التأليف، ومواكبة الرقمي، والانفتاح على التجارب العالمية، ثم يبقى موصولًا بقضايا وطنه، فذلك مما لا يتأتى إلا لمن صفت همته، ورسخ طبعه، وصدق اجتهاده. فالدكتور ياس خضير البياتي، في جملة القول، ليس اسمًا في سجل الأساتذة، ولا رقمًا في عداد المؤلفين، بل هو سيرةُ عقلٍ عربيٍّ عرف كيف يصالح بين التراث والرقمي، وبين الصحافة والجامعة، وبين العراق وامتداده العربي، وبين الواقع وأسئلته المقبلة. ومن كانت هذه صفته، كان جديرًا أن يُكتب عنه لا بوصفه فردًا، بل بوصفه ظاهرةً في الإخلاص للمعرفة، ووفاءً نادرًا لرسالة الإعلام. فإذا قيل بعد هذا " من بقي من أهل البيان في زمن الشاشة؟ " قيل " بقي من جعل الشاشة بابًا آخر للبيان، وبقي من جعل البحث حياةً لا مهنة، وبقي من جعل القلم شاهدًا على أن العراق، وإن تفرقت به الجغرافيا، لا يزال يُنجب رجالًا إذا كتبوا أضاءوا، وإذا بحثوا أبانوا، وإذا علّموا تركوا في العقول أثرًا لا يزول.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...
- جوار علي صادق؛ حين يتكلم الصمت العراقي
- العودة إلى النور: سلامة حميد قاسم وتجديد الشعر والحياة-
- قيادة تُؤسِّس ولا تُدير فقط: الكابتن حسام حسن ورؤية تربوية ل ...
- من الحلم الثوري إلى الانكسار الاجتماعي؛ قراءة في سردية كامل ...


المزيد.....




- إقالة في قلب المعركة.. البنتاغون يكسر المحظور ويطيح بقائد ال ...
- من ضرب المواقع العسكرية إلى قصف الجسور.. الحرب على إيران تدخ ...
- رئيس البرلمان الإيراني للأمريكيين: نحن في انتظاركم
- -إطاحة- رئيس أركان الجيش الأميركي.. كيف ترتبط بحرب إيران؟
- دوجاريك يؤكد ضرورة إيجاد مخرج من حرب إيران
- الجيش الأميركي ينفي إسقاط مقاتلة فوق مضيق هرمز
- بحضور أكثر من 40 دولة.. بريطانيا تبحث مع حلفاء دوليين سبل إع ...
- ترامب يقيل وزيرة العدل بام بوندي ويعين محاميه الشخصي السابق ...
- الحرب على إيران مباشر.. واشنطن تلوح باستهداف مزيد من الجسور ...
- وزير خارجية البحرين: قرار بشأن مضيق هرمز لحماية الملاحة


المزيد.....

- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإذا كتب الزمانُ شهد