أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة خلودها















المزيد.....

باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة خلودها


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:29
المحور: الادب والفن
    


الحرب، أصلحك الله، ليست عند الشعراء خبرًا يُروى، ولا واقعة تُقيد في دفاتر الأيام، ولا صليلًا يمر في سمع المدينة ثم ينقضي، ولكنها إذا وقعت في نفس الشاعر الصادق انقلبت من حادثة في الخارج إلى إقامة في الداخل، وصارت من جلبة السلاح إلى رجفة في الضمير، ومن دخان السماء إلى غشاوة على البصيرة، ومن موت الأجساد إلى يقظة اللغة. ومن هاهنا عظمت منزلة الشاعرة باهرة عبد اللطيف، إذ لم تنظر إلى الحرب نظر المؤرخ الذي يعدد الوقائع، ولا نظر السياسي الذي يزن الخسائر، ولكنها نظرت إليها بعين الشاعرة التي ترى ما وراء المرئي، وتسمع ما وراء الضجيج، وتلتقط من ركام الخراب جوهر المعنى الإنساني الذي لا يبلى. فإذا كان بعض الشعر يصف الحرب من ظاهرها، فإن شعر باهرة يدخل إليها من بابها الأخطر، باب الأثر الذي تتركه في الروح، والندبة التي تخلفها في الذاكرة، والرجفة التي تبقيها في تفاصيل اليومي والعابر. فهي لا تجعل الحرب جيشًا يتقدم، ولا مدفعًا يزمجر، بل تجعلها كائنًا رمزيًا يتنقل في النص كما يتنقل الشبح في البيت المهجور، يظهر مرة في هيئة سكاكين، ومرة في هيئة رائحة شواء، ومرة في هيئة سمفونية رعب، حتى كأن الخراب نفسه قد تعلم لغة المجاز، وصار يطرق أبواب القصيدة في صورة لا تنسى. ولعمري إن أعجب ما في ديوان "حرب تتعرى أمام نافذتي" أنه لا يكتفي بإدانة الحرب، فإن الإدانة باب سهل يدخله كل أحد، ولكنه يعيد خلقها في اللغة خلقًا جديدًا، حتى تصبح القصيدة شاهدًا لا على الحدث وحده، بل على ما أحدثه الحدث في الإنسان. وهنا يظهر فضل الشاعرة، فإنها لم تجعل النص صراخًا مباشرًا يستهلكه السمع، بل صاغته بناءً رمزيًا محكمًا، تتساند فيه الصورة مع الإيقاع، وتتعانق فيه الذاكرة مع الرؤية، فيغدو الشعر ضربًا من الشهادة الجمالية التي تحفظ للمأساة معناها، وتمنعها من السقوط في النسيان.
وأما "النافذة" التي جعلتها عنوانًا لمشهدها الشعري، فليست نافذة من خشب وزجاج، ولا ثقبًا في جدار بيت، ولكنها أداة رؤية، ومرقاة تأويل، وحد بين الداخل والخارج، بين ذات ترتجف في صمتها وعالم يتهاوى في عريه. فالنافذة عندها عين ثانية، ترى بها الذات ما لا يراه الناس من فرط الاعتياد، إذ إن الناس إذا طال بهم العهد بالكارثة ألفوها، وإذا ألفوها بطل في نفوسهم عجبها، أما الشاعرة فإنها ترد إلى المشهد دهشته الأولى، وتعيد إلى الفاجعة حدتها، فكأن الحرب كل يوم تقع لأول مرة. وهذا المجاز، أعني مجاز النافذة، من أبدع ما ينهض عليه الديوان، لأنه جمع بين المشاهدة والمسافة، وبين القرب والاحتراز، فهي ترى الحرب ولا تذوب فيها، وتلامسها ولا تستسلم لابتلاعها، وتبقي بينها وبين الكارثة قدرًا من البعد يكفي لتحويل الألم إلى معرفة، والصدمة إلى شعر. ولو أنها نزلت إلى قلب المشهد بلا هذه المسافة لربما غلبها الوجع على الصنعة، ولكنها أحكمت موضع النظر، فجاء النص موزون الحس، شديد الأثر. ثم انظر، رحمك الله، إلى هذا التكثيف العجيب في عبارتها، فإنها تضغط المشهد الواسع في كلمات قليلة، وتجعل من الصورة القصيرة أفقًا من المعاني لا ينفد. وهذا من أشرف ضروب البلاغة، لأن الكلام إذا طال بغير ضرورة تفرق حسنه، وإذا اختصر مع الوفاء بالمعنى تضاعف وقعه. فهي تأتيك بالجملة اليسيرة فتحمل مدينة منهارة، وتلقي إليك الصورة الخاطفة فتفتح وراءها تاريخًا من الفقد. وهذا هو سر ما سميته أنت "الكبسولات الشعرية"، فإن القصيدة القصيرة عندها ليست نقصًا في الامتداد، بل زيادة في الانفجار الدلالي، كأن اللفظة عندها قذيفة معنى، صغيرة الحجم، عظيمة الأثر.
والعجب أن هذا الاقتصاد اللغوي لا يفضي إلى جفاف، بل إلى فيض، ولا إلى ضيق، بل إلى سعة، لأن اللفظة المختارة إذا وقعت موقعها أغنت عن صفحات من الشرح. وهنا تبدو صلة باهرة بتراث البلاغة العربية في أحسن صوره، حيث خير الكلام ما قل ودل، وما أحاط بالمعنى من أقرب الطرق إلى القلب. فهي لا تستعرض اللغة، ولا تتكلف الغريب، ولا تتوسل إلى الفاجعة بالزينة اللفظية، بل تجعل اللفظ خادمًا للرؤية، والرؤية خادمة للإنسان. وأحسب أن سر فرادة هذا الديوان في أنه نقل الحرب من خاصيتها العراقية إلى أفقها الإنساني الأوسع. فالعراق في النص حاضر بمدنه وخرابه وذاكرته الجريحة، ولكنه لا يبقى محصورًا في حدوده الجغرافية، لأن الألم إذا صيغ بصدق تجاوز موضعه، وصار قابلًا لأن يسكن كل ضمير. من هنا لا يقرأ القارئ العربي هذه القصائد بوصفها خبرًا عن مكان بعيد، بل بوصفها مرآة لخراب إنساني يتكرر في كل أرض نالتها يد العنف. فالحرب، كما تصوغها الشاعرة، ليست عراقًا وحده، بل هي الإنسان حين يفقد بيته، والطفل حين يضيع أمانه، والأم حين تنام على خوف لا ينقضي. ومن دقائق الصنعة في هذا الديوان أن التكرار فيه ليس عجزًا عن الابتكار، بل حيلة ذاكرة، واستراتيجية مقاومة. فصور الفقد والخراب والغياب تعود مرارًا، لا لتكرر نفسها، ولكن لتؤكد أن الكارثة لم تنته، وأن ما يظنه الناس ماضيًا ما زال يعمل في الحاضر عمل السم في الجسد. فالحرب لا تبرح النص لأنها لم تبرح الواقع، والذاكرة لا تكف عن استدعائها لأنها تخشى عليها من الموت الثاني، موت النسيان. وهذا الضرب من التكرار شبيه بما يفعله القلب المجروح، فإنه يعود إلى موضع ألمه مرارًا، لا حبًا في الألم، ولكن عجزًا عن تجاوزه. وكذلك القصيدة عند باهرة، تعود إلى الندبة لا لتبكيها فقط، بل لتجعل منها معرفة جمالية، ولتحول الجرح إلى شكل من أشكال البقاء. فليس أشد مقاومة للخراب من أن يُكتب، وليس أبلغ في تحدي العدم من أن يُصاغ شعرًا.
وفي الديوان ملمح آخر لا يقل بهاء، وهو أن الحرب لا تظهر بوصفها قوة تدمير مادي فحسب، بل بوصفها قوة لإعادة تشكيل الحساسية الجمالية ذاتها. فالمدينة بعد الحرب ليست المدينة قبلها، واللغة بعدها ليست اللغة نفسها، والعين التي رأت الدخان لا تعود ترى الضوء على البراءة الأولى. ومن هنا جاءت صورها مشوبة دائمًا بقلق داخلي، حتى الأشياء اليومية، الرائحة، النافذة، الضوء، المساء، كلها تحمل في النص أثر التهديد الكامن، كأن الحياة نفسها قد صارت ترتجف تحت وطأة الذاكرة. وليس هذا من باب التشاؤم، بل من باب الصدق الفني، لأن الشاعرة لا تخون التجربة بتجميلها، ولا تخدع القارئ بزخرفة الوجع، وإنما تمنحه التجربة كما صهرتها النار في وجدانها. وإذا صدق الشاعر في شهادته صدق القارئ في انفعاله، وهنا يبلغ الشعر غايته العليا، أن يكون معرفة شعورية لا تقل عمقًا عن الفلسفة، ولا تقل أثرًا عن التاريخ. ولقد أحسنت الشاعرة حين جعلت الحرب "تتعرى" أمام نافذتها، لأن العري هنا ليس كشف الجسد، بل كشف الحقيقة. فالحرب في خطاب السياسة كثيرًا ما تُلبس أثواب البطولة والشعارات، أما في خطاب الشعر الصادق فإنها تُجرد من زينتها الكاذبة، وتُرى على حقيقتها: خوفًا، وفقدًا، وخرابًا، وعبثًا، وإنسانًا مسحوقًا تحت عجلات الجنون. وهنا يتجلى البعد الأخلاقي العميق في شعرها، إذ لا تكتفي بوصف المأساة، بل تفضح الآلة الرمزية التي تُجمّلها. فإذا اجتمع هذا كله، من إحكام الرمز، وبلاغة التكثيف، وصدق الشهادة، واتساع الأفق الإنساني، علمت أن باهرة عبد اللطيف لم تكتب عن الحرب قصائد فحسب، بل شيدت للذاكرة بيتًا من الكلمات، لا تصل إليه نيران القصف، ولا تعبث به يد النسيان. وذلك هو فضل الشعر العظيم، أنه يجعل الفاجعة قابلة للحياة في الوعي، لا لتؤذي الإنسان، بل لتحميه من تكرار العمى. وهكذا تكون هذه الشاعرة عينًا لا ترى الخراب وحده، بل ترى ما يخلقه الخراب من معنى، وما يستبقيه الألم من نور خافت في آخر العتمة. فهي لا تمنحنا مشهد الحرب كما يقع في الخارج، بل كما يترسب في النفس، وكما يتخلق في اللغة، وكما يتحول من حدث زائل إلى أثر خالد. وبهذا استحقت أن تكون من الأصوات الشعرية التي جللت الحرب بعارها الحقيقي، لا بتمجيدها، وأن تجعل من القصيدة مقامًا للمقاومة الرمزية، تحفظ فيه للإنسان كرامة صوته، وسط صخب الدمار. فهذا ديوان، إن قرأته بعين النقد وجدته بناءً رمزيًا رفيعًا، وإن قرأته بعين القلب وجدته سجلًا للوجع النبيل، وإن قرأته بعين الذاكرة وجدته شاهدًا على أن العراق، مهما تكاثرت عليه الحروب، ما زال ينجب من يحول الرماد إلى معنى، والمعنى إلى خلود.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية


المزيد.....




- مسئول إيراني: قواتنا المسلحة لن تمنح أمريكا إذن الحصار البحر ...
- (المثقف والسلطة/ القدرة المُحيّدة) جلسة حوارية فكرية في اتحا ...
- الإسكندرية تستقبل أفلامها القصيرة.. مسابقة خيري بشارة تكشف م ...
- -خط أحمر-.. مشاهير وفنانون يعبرون عن دعمهم للكويت
- وفاة أيقونة موسيقى الأفلام الهندية بعد مسيرة حافلة بأكثر من ...
- تقديرات إسرائيلية: الجولة القادمة مع إيران مسألة وقت وفشل في ...
- جامعة غزة المؤقتة: محاولة لإحياء المسيرة الأكاديمية من وسط ا ...
- الرباط.. إطلاق سلسلة دورات تكوينية حول -الطرق الخلاقة لإيصال ...
- ترامب يحتفل بعيد ميلاده الـ80 بنزال للفنون القتالية
- أدب الموانع.. -معلق- يوثق رحلة فلسطيني لاستعادة -الروح- بجوا ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة خلودها