أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك














المزيد.....

قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 21:58
المحور: الادب والفن
    


تنهض لوحة "صمت تام 3" بوصفها بنية بصرية مشحونة بما هو أبعد من ظاهر التمثيل، إذ لا تقدم مشهداً حكائياً مباشراً بقدر ما تبني مجالاً تأملياً تتجاور فيه الكتلة اللونية مع الأثر النفسي، وتتحول فيه الهيئة الإنسانية إلى علامة على الوجود المعلّق بين الحضور والغياب. من منظور النقد الحديث للفن التشكيلي، تنتمي هذه اللوحة إلى حساسية تعبيرية معاصرة تجعل من المادة نفسها لغة، ومن الملمس خطاباً، ومن الصمت موضوعاً جمالياً وفلسفياً في آن واحد. أول ما يلفت النظر هو البناء التركيبي العمودي الذي يتوسطه تجمع بشري شبه طقوسي. الشخصيات لا تظهر كأفراد ذوي ملامح محددة، بل كأجساد مختزلة، رؤوسها أقرب إلى بقع دائرية مضيئة داخل محيط كثيف من الرمادي والأزرق والبني الداكن. هذا الاختزال المتعمد ينسجم مع منطق الحداثة وما بعدها، حيث تتراجع الهوية الفردية لصالح الدلالة الجمعية. إننا لا نرى أشخاصاً بقدر ما نرى "أثر الإنسان"، أو "شبح الجماعة" في لحظة سكون وجودي. هنا يصبح الصمت ليس غياب الكلام، بل امتلاء المشهد بثقل نفسي لا يمكن الإفصاح عنه إلا باللون. من الناحية اللونية، تعتمد اللوحة على اقتصاد بصري محسوب بين العتمة والومضات. المساحة السفلى الغارقة في الأزرق الليلي والأسود البنفسجي تشكل أرضية نفسية كثيفة، توحي بالقلق، بالذاكرة، وربما باللاوعي الجمعي. فوق هذه الطبقة الثقيلة، تتصاعد بقع لونية أكثر دفئاً في أجساد الشخصيات، مثل الأحمر الخافت، الأصفر الترابي، والأبيض المائل إلى الرماد. هذا التدرج لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، بل يخلق توتراً بين الثقل الأرضي والارتقاء الإنساني، بين المادة والجسد، بين ما هو مدفون وما يحاول أن يظهر.
في النقد الحديث، يعد الملمس المادي عنصراً مركزياً في تحليل العمل، وهنا يبدو يوسف الدويك واعياً تماماً لقوة السطح. طبقات الأكريليك الكثيفة، والضربات المتراكمة، والنتوءات الحادة في أجزاء الخلفية، تجعل من اللوحة جسداً قائماً بذاته. السطح لا يحمل الصورة فقط، بل يصبح هو الصورة. هذا الحضور المادي للون يذكر باتجاهات التعبيرية التجريدية التي ترى في فعل الرسم ذاته حدثاً وجودياً. إن تراكم المادة هنا يوحي بأن الصمت ليس فراغاً، بل ترسبات زمنية، كأن كل طبقة لونية هي طبقة من الكلام المكبوت، أو من الذاكرة التي لم تجد منفذاً سوى السطح. أما الفضاء الخلفي فيمتاز بانفتاحه التأويلي. لا توجد بيئة مكانية محددة، لا أفق واضح، ولا معمار، ولا إشارات مرجعية ثابتة. الخلفية أقرب إلى ضباب بصري من الرماديات والبياضات المتكسرة، تتخلله لطخات زرقاء وخضراء متناثرة. هذا التسييل للمكان هو سمة حداثية بامتياز، إذ تتحرر اللوحة من الوصف لصالح الإيحاء. الفضاء هنا نفسي لا جغرافي، داخلي لا خارجي، وهو ما يجعل المشاهد يدخل إلى اللوحة بوصفها حالة شعورية لا منظراً.
العنوان "صمت تام 3" يلعب دوراً حاسماً في توجيه القراءة النقدية. فالصمت في الفن الحديث لم يعد مجرد موضوع سردي، بل أصبح استراتيجية جمالية. الصمت هنا يتجسد في غياب الوجوه الواضحة، في انكماش الحركة، في الوقفة الجماعية الساكنة، وفي سيادة النغمات اللونية المكتومة. حتى العلامات والخربشات اللونية الصغيرة المبعثرة في الأرضية تبدو كأنها بقايا أصوات انطفأت. إن الفنان يحول الصمت إلى بنية مرئية، ويجعل العين تسمع ما لا يقال. ومن زاوية سيميائية، يمكن قراءة الشخصيات بوصفها شواهد على هشاشة الكينونة الإنسانية. فهي متجاورة ولكنها ليست متفاعلة، قريبة مكانياً لكنها منفصلة وجدانياً. هذا الانفصال داخل الجماعة يعكس أحد هواجس الفن المعاصر، وهو اغتراب الإنسان داخل الحشد. الصمت هنا ليس سلاماً، بل ربما عزلة جماعية، أو انتظاراً غامضاً، أو وقوفاً على حافة حدث غير مرئي. لذلك تنجح اللوحة في إنتاج توتر دلالي بين الألفة والخوف، بين الاجتماع والانفصال. في ضوء النقد الحداثي، يمكن القول إن الدويك يشتغل على تفكيك الشكل الإنساني دون إلغائه. فهو لا يذهب إلى التجريد الخالص، لكنه يرفض الواقعية المباشرة. الأجساد ممدودة، شبه ذائبة في المحيط، والحدود بينها وبين الخلفية رخوة. هذه التقنية تمنح الكائنات هشاشة شعرية، كأنها تخرج من الضباب أو تعود إليه. هنا تظهر براعة الفنان في الموازنة بين المقروء بصرياً والمفتوح تأويلياً.
كذلك تحمل اللوحة بعداً زمنياً لافتاً. ثمة إحساس بأن المشهد لا ينتمي إلى لحظة آنية، بل إلى زمن متراكم. ضربات اللون القديمة والمطموسة تحت الطبقات الجديدة توحي بتاريخ مخفي داخل اللوحة نفسها. وهذا ما يجعل العمل قريباً من مفهوم "الأثر" في النقد الفني المعاصر، حيث لا تكون الصورة نهائية، بل حصيلة محو وكتابة وإعادة بناء مستمرة. إن القيمة الجمالية الكبرى في هذا العمل تكمن في قدرته على تحويل الصمت إلى طاقة بصرية كثيفة. فبدلاً من أن يكون السكون ضعفاً، يصبح مركز الثقل التعبيري في اللوحة. وبدلاً من أن يكون الغموض نقصاً في المعنى، يتحول إلى فضاء رحب للتأويل. في المحصلة، تقدم "صمت تام 3" نموذجاً ناضجاً للوحة معاصرة تستثمر التعبيرية المادية، والاختزال الشكلي، والانفتاح الرمزي لإنتاج خطاب بصري عميق عن الإنسان في هشاشته وصمته ووجوده المعلق. إنها لوحة لا تُقرأ بالعين وحدها، بل بالذاكرة والحدس والقلق الوجودي، وتلك هي إحدى أهم سمات الفن التشكيلي الحديث حين يبلغ ذروته: أن يجعل الصمت أكثر بلاغة من الكلام.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...


المزيد.....




- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك