أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد















المزيد.....

عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 00:35
المحور: الادب والفن
    


عبد الله إبراهيم رجلٌ إذا ذُكر السردُ انبسطت له مسالكه، وانكشفت على يديه مغالقه، واستبانت في مرآته وجوهه، فهو للخبر ناسبه، وللحكاية صاحبه، وللنص كاشفُ طبقاته، وللمعنى مُخرجُ كنوزه، وللثقافة دليلُ مساربها، وللذاكرة حافظُ أنسابها. يردُّ الشارد إلى مألفه، ويجمع المتناثر إلى نظامه، ويقيم بين الماضي والحاضر جسرًا من الفهم، حتى كأن الرواية عنده لا تُقرأ بالحروف، بل تُقرأ بما وراء الحروف من أقدار الأمم، وأحوال الجماعات، وسير الأفكار في بطون الأزمنة. هو من أولئك الذين لم يقنعوا من العلم بظاهره، ولم يرضوا من النص بجلده، بل نفذوا إلى لبابه، واستنطقوا صمته، وكشفوا عمّا خبأه في طبقاته من إشارات الثقافة، وأصداء التاريخ، وهمسات الذاكرة، حتى غدا السرد في مشروعه عالمًا كاملًا، له أرضٌ من اللغة، وسماءٌ من التأويل، وبحارٌ من الرموز، وسفنٌ لا يحسن ركوبها إلا من أوتي صبر العلماء، وذوق البلغاء، وبصر الحكماء. وُلد عبد الله إبراهيم سنة 1957 في العراق، والعراقُ يومئذٍ أرضُ الحضارات إذا أنطقت الحجارة نطقت، وبلادُ الرواية الكبرى إذا استُقرئ تاريخها وجدتَ فيها أول الحكاية وآخر التأويل. فكأنما خرج من تربةٍ تعرف أن الإنسان لا يحيا إلا بما يرويه عن نفسه، ولا تبقى الأمم إلا بما تحفظه من أخبارها. ثم مضى في مدارج التحصيل حتى نال درجة الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1991، فكانت شهادته شهادةَ ميلاد ثانية، لا للرجل وحده، بل لمشروع نقديٍّ أخذ في التشكل حتى غدا أحد أبرز المشاريع العربية في الدراسات السردية والثقافية.
ثم تقلب في الجامعات كما تتقلب الأرواح في منازل المعرفة، فكان أستاذًا في الجامعة المستنصرية، ثم حمل زاده إلى ليبيا أستاذًا في جامعة السابع من أبريل، ثم انتقل إلى جامعة قطر، فزاد هناك مشروعه اتساعًا، وامتد أثره في الدرس الثقافي والنقدي. ثم صار خبيرًا ثقافيًا في وزارة الثقافة بالدوحة، وهي منزلة لا يُدعى إليها إلا من رسخ علمه، واطمأن الناس إلى رأيه، ووجدوا عنده من نفاذ البصيرة ما يُصلح به شأن الثقافة ويهدي به سبلها. ثم آثر الإقامة في إسطنبول باحثًا متفرغًا، وكأن هذه المدينة التي تتعانق فيها الجهات، وتلتقي فيها البحار، وتتصافح فيها الأزمنة، كانت أليق الأمكنة برجلٍ جعل من العبور منهجًا، ومن التماس بين الثقافات مقامًا، ومن النظر في مهاجر السرد ومواطنه شغله الشاغل. فهو في إسطنبول كما كان في بغداد والدوحة، مقيمٌ في الكتب أكثر من الأمكنة، وساكنٌ في المعاني أكثر من الدور. وأما منزلته في لجان التحكيم، فهي شاهد عدل على ما استقر له من إمامة في هذا الفن. فكان عضوًا في هيئة تحكيم جائزة البوكر للرواية العربية، وعضوًا في تحكيم جائزة الشيخ زايد، وجائزة الطيب صالح، وجائزة كتارا، وجائزة أدب الطفل، وسواها من الجوائز التي لا تستنجد إلا بذي ذوقٍ مصقول، وعقلٍ موزون، وبصرٍ يميز بين لمعان الزينة ونور الجوهر. وما ذاك إلا لأن الرجل عرف مراتب القول، ووقف على دقائق الصناعة، وصار له في تمييز النصوص يدٌ كيد الصيرفي في تمييز الذهب. وإذا ذُكرت الجوائز التي نالها، فليست هي زينةَ اسم، بل أختامُ استحقاق على صحائف مشروعه. فقد نال جائزة الشيخ زايد في الدراسات النقدية سنة 2013، ثم جائزة الملك فيصل العالمية في الآداب واللغة العربية سنة 2014، وقبلها جائزة شومان للعلماء العرب سنة 1997. وهذه الجوائز إنما تشهد على أن ما بناه لم يكن جهدَ عابر، بل صرحًا له عمد، وأفقًا له امتداد.
غير أن أصدق ما يُعرف به العلماء كتبُهم، فإن المرء يُنسب إلى أثره كما يُنسب الولد إلى أبيه. وهنا يلوح عبد الله إبراهيم صاحبَ مشروعٍ ممتد، لا صاحب كتابٍ مفرد. فأما موسوعة السرد العربي في أجزائها التسعة، فهي من الأعمال التي إذا وقفتَ عندها علمتَ أن وراءها عقلًا لا يمل الجمع، وذهنًا لا يضيق بالتصنيف، ونفسًا تؤمن أن الذاكرة العربية لا تُصان إلا إذا رُتبت، ولا تُفهم إلا إذا رُدت أجزاؤها إلى نسقٍ جامع. هذه الموسوعة ليست صحائف مرصوصة، ولا أخبارًا مجموعة، بل هي خريطة لذاكرة العرب الحكائية، رسم فيها الرجل مسالك السرد، وأثبت أنواعه، وأبان أصوله، وتتبع تحوله من المشافهة إلى التدوين، ومن الخبر إلى الرواية، ومن الحكاية الشعبية إلى المتن الروائي الحديث. فهي في حقيقتها بناءٌ لذاكرة أمة، وصونٌ لأحد أعظم كنوزها: كنز الحكاية. ثم له كتبٌ أخرى هي من أنفس ما أُلف في هذا الباب، مثل الأرشيف السردي وأعراف الكتابة السردية والمحاورات السردية، وكلها تدل على أن السرد عنده ليس شكلًا أدبيًا، بل أرشيفٌ للوعي، وخزانةٌ للرموز، ومختبرٌ تتشكل فيه صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم. وأما كتابه عين الشمس: الأبصار والعمى من هوميروس إلى بورخيس، فهو شاهد على سعة أفقه، إذ جمع فيه بين الأدب والفلسفة، وبين الرؤية الحسية والبصيرة العقلية، فكأنما أراد أن يقرر أن العمى الحقيقي ليس ذهاب البصر، بل غياب القدرة على رؤية المعنى. ومن هنا كان انتقاله من هوميروس إلى بورخيس انتقالًا في طبقات الرمز، لا في أسماء المؤلفين فحسب. وله في السيرة الذاتية أمواج، وهو عنوان يليق برجلٍ ما فتئت حياته الفكرية بين مدٍّ من القراءة وجزرٍ من التأمل، بين موجة من الأسئلة وأخرى من الاكتشاف، حتى غدت سيرته صورةً لمثقف عربيٍّ ظل وفيًا لقلق المعرفة، ولم يركن إلى سكون الجواب.
وإذا تأملت أسلوبه في النقد وجدته يأنف من الضيق، ويأبى الاختزال، فلا يكتفي بشرح البنية، بل يردها إلى سياقها الثقافي، ولا يفسر الحكاية بمعزل عن شرطها التاريخي، بل يجعل الرواية مرآةً للهوية، والمنفى، والذاكرة، والسلطة، وصراع الإنسان مع هشاشته الوجودية. فهو ناقد يرى النص من داخله وخارجه معًا، يرى جمله كما يرى ظلاله، ويقرأ عباراته كما يقرأ صمته. ومن أجل ذلك صار عبد الله إبراهيم مرجعًا في باب الرواية والتاريخ، وكتابة المنفى، وممكنات السرد العربي. فهو يردُّ الرواية إلى سؤالها الكبير: كيف تحفظ الجماعة ذاكرتها؟ وكيف يعيد الإنسان اختراع ذاته بالحكاية؟ وكيف يصبح النص وطنًا بديلًا حين تضيق الأوطان؟ ولغته في ذلك لغةٌ إذا سمعتها أحسستَ بجزالة التراث، وإذا تأملتها وجدتَ صرامة المفهوم، فهي لا تتعالى تعالي الغامض، ولا تبتذل ابتذال الشارح المدرسي، بل تمضي في نسقٍ من البيان الرصين، كأن المعنى فيها يسير في موكب، تتقدمه الفكرة، وتحفه البلاغة، ويظله الوقار. فهو من النقاد الذين لم يستسلموا لسطوة المناهج، بل جعلوا المناهج في خدمة النص، لا النص في خدمة المناهج. يأخذ من البنيوية ما ينفع، ومن التأويل ما يفتح، ومن النقد الثقافي ما يكشف، ثم يرد ذلك كله إلى حس عربيٍّ عميق بالحكاية، وبصيرةٍ تعرف أن النص ابنُ ثقافته كما هو ابنُ كاتبه. وبعدُ، فإن عبد الله إبراهيم واحدٌ من أولئك الذين إذا كتبوا في الرواية كشفوا عن التاريخ، وإذا كتبوا في الحكاية كشفوا عن الإنسان، وإذا كتبوا في السرد كشفوا عن سر بقاء الأمم. فهو للعربية حافظُ ذاكرة، وللنقد باني أفق، وللسرد إمامُ قراءة، وللمعنى راعٍ أمين. فإذا سأل سائل: من الذي حفظ للحكاية العربية أنسابها، وردَّ شتاتها إلى نظام، وأقام بينها وبين الثقافة نسبًا لا ينقطع؟ قيل له: ذاك عبد الله إبراهيم، الرجل الذي لم يقرأ السرد وحده، بل جعلنا نقرأ أنفسنا في مراياه.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس
- سعد شاهين والمثقف العضوي: امتحان المعنى وامتحان المسؤولية
- الناقد والرؤيا: بشير حاجم في مواجهة -التعبوي- قراءة بنيوية ت ...
- بيت الهموم: فضاء السرد وتشكيل الاستجابة في عوالم حسب الله يح ...


المزيد.....




- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد