إسماعيل نوري الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 00:32
المحور:
قضايا ثقافية
في سيرة بعض الرجال لا تمضي الأعمار على هيئة سنوات، بل تتجلّى كأنها سبحات نورٍ تتعاقب على مسبحة الروح، كل حبّةٍ منها حكاية، وكل حكايةٍ منها بابٌ إلى معنى. وعباس الغراوي واحدٌ من أولئك الذين لا يُقرأون بوصفهم أشخاصًا عابرين في سجلّ الزمن، بل بوصفهم أثرًا حيًّا من آثار المعنى، رجلٌ إذا نظرت إلى ظاهر سيرته رأيت لاعبًا ومترجمًا ومعلّمًا ومهاجرًا ومثقفًا، وإذا نفذت إلى باطنها رأيت "حارس الذاكرة"، ذلك الذي وقف على أبواب الزمن لا ليمنع النسيان فحسب، بل ليحوّل العمر كلّه إلى أمانةٍ من نور. خرج عباس من النجف، والنجف ليست مدينةً فحسب، بل هي في الوجدان منارةٌ تمشي على الأرض، إذا تنفّس ترابها دخلت الحكمة في رئة القلب. هناك، في الخامس الابتدائي، صعد خشبة المسرح أول مرة، وكأن القدر كان يدفعه منذ الطفولة إلى أن يقف في موضع الشاهد لا المتفرّج. لم يكن صعوده إلى المسرح حادثة مدرسية عابرة، بل كان إشارةً مبكرة إلى أن هذا الفتى سيحمل صوت الجماعة، ويصوغ حضورها، ويقف دائمًا في المكان الذي تتجسّد فيه الروح العامة. وكما قال مولانا جلال الدين الرومي: "ما تبحث عنه يبحث عنك"، ولعل المسرح يومئذٍ كان يبحث عن صوته كما كان هو يبحث عن نفسه. ثم جاءت المتوسطة، فإذا بالفتى يفتح بابًا آخر من أبواب القدر، باب الرياضة والانضباط والجماعة، فكان من رواد نادي التضامن، ثم صار أول حارس مرمى لكرة اليد سنة 1975. وليس اختيار الحراسة في الرياضة أمرًا تقنيًا فحسب، بل هو في باطن الرمز اختيارٌ للقدر. فالحارس ليس لاعبًا كسائر اللاعبين، إنه عين الفريق الساهرة، آخر أسواره، وضميره الذي يقف بين الخسارة والنجاة. من هنا تبدأ رمزية عباس الغراوي، لأنه لم يكن حارس مرمى فقط، بل تدرّب منذ شبابه على أن يكون حارسًا للمعنى، حارسًا للرفاق، حارسًا لما ينبغي ألا يسقط. وحين تخرج من الإعدادية سنة 1977، كان قد اكتسب من الرياضة ما لا تمنحه الكتب وحدها: الصبر، وقراءة اللحظة، والثبات أمام المفاجآت. ثم دخل الكلية، وهناك اتسعت الدائرة، فصار كابتن فريق الكلية بكرة اليد حتى تخرجه سنة 1981، ومسؤول اللجنة الرياضية والفنية، وصوت الاحتفالات وعريفها، وصاحب النشاط الثقافي الذي يجمع بين الجسد والعقل، بين الحركة والكلمة. وفي هذا التوازن تتجلى حكمة رومية عميقة، فمولانا كان يرى أن الإنسان "مجرد فكر، وما بقي منه عظام وجلد"، غير أن الفكر الحقّ لا يزدهر إلا إذا وجد جسدًا مهذبًا بالانضباط وروحًا مروّضة بالجمال.
وما أبهى أن يكون الرجل متخرجًا من كلية الآداب، فرع اللغة الفارسية، كأن اللغة نفسها قد اختارته ليكون ابنًا لها. لم تكن الفارسية عنده حروفًا جامعية تُدرّس ثم تُنسى، بل كانت جسرًا إلى عالم المعاني، إلى التراث الذي أنجب حافظ وسعدي ومولانا نفسه. وحين مارس الترجمة خلال الحرب في 1980 و1981، كان يؤدي دورًا أبعد من نقل الكلمات، كان ينقل الأرواح من ضفةٍ إلى أخرى، يداوي سوء الفهم، ويجعل اللغة مصباحًا في ليلٍ كثيف. وما أعظم أن يكون أستاذه في الأدب المقارن شيخ بغداد حسين علي محفوظ، فذلك يفسّر كيف اجتمع في شخصيته وفاء التراث مع مرونة الحداثة. ثم مضت السنون، وجاءت سنة 1997، سنة الرحيل الكبير من العراق إلى الدنمارك. والهجرة في ظاهرها انتقال جغرافي، لكنها في باطنها امتحان للروح. هناك يُعرف الإنسان: هل يحمل وطنه في جواز السفر أم في القلب؟ وعباس حمل العراق لا كوثيقة، بل كنبض. وصل إلى الدنمارك، وحمل جنسيتها، ودخل سوق العمل سنة 2000، لكن دخوله الأكبر كان إلى سوق المعنى الإنساني، حيث يختبر المرء قدرته على البدء من جديد دون أن يفقد أصله. هنا تتجلى عبارة الرومي: "استمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين". فالناي لا يئنّ لأنه ضعيف، بل لأنه يتذكّر غابه الأول. وعباس ظلّ، كناي مولانا، يحنّ إلى النجف وبغداد والعراق، لا بوصفها أمكنةً فقط، بل بوصفها أصل النبرة الأولى في صوته. حتى في المهجر لم يترك لعبته الأولى، بل لعب في الدوري الدنماركي لكرة اليد عشرة مواسم في دوري كبار السن، وكأن الرياضة عنده لم تكن عمرًا بيولوجيًا بل حالةً روحية. الجسد يشيخ، نعم، لكن الروح التي تعلّمت الوفاء للميدان لا تتقاعد. ثم انتقل من اللعب إلى التدريب، فدرّب فئات عمرية عديدة، وهنا تظهر مرتبة أسمى: من يحرس المرمى يحمي هدفًا، ومن يدرب الأجيال يحمي المستقبل. لقد صار حارسًا لذاكرة اللعبة نفسها، يورّثها للأبناء كما يورّث العاشق وردته لمن يأتي بعده.
ولعل التقاعد الذي ناله في العام الماضي لم يكن انسحابًا من الحياة، بل تحوّلًا في نوع الخدمة. فبعض الناس إذا تقاعدوا من الوظيفة تقاعدوا من الأثر، أما عباس فكان تقاعده ولادةً أخرى. عند نزوله إلى العراق ينظم ملتقىً للآداب في بغداد، وكأن الرياضي القديم عاد إلى خشبة المسرح الأولى، لكن هذه المرة بوعي الحكيم الذي خبر المدن والمنفى واللغات. إنه لا يجمع الأدباء في ملتقاه لمجرد اللقاء، بل ليصون خيط الذاكرة الثقافية من الانقطاع. ثم إنه يدير مجموعة لكرة اليد العراقية، ينشر فيه ويصل عدد أعضائه إلى المئات، وهنا تتجلّى صورة "حارس الذاكرة" بأوضح معانيها. فليس الحارس من يمنع الكرة من الدخول فقط، بل من يمنع النسيان من ابتلاع تاريخ الرياضة العراقية، وذكريات اللاعبين، وصور المباريات، وحكايات الجيل الذي صنع أمجاد اللعبة. إنه يربط الشتات بعضه ببعض، يجعل من التقنية الحديثة ديوانًا للحنين، ومن المجموعة الرقمية مجلسًا حيًا يتنفس فيه الماضي داخل الحاضر. وعند السابعة والستين من العمر، لا يبدو عباس الغراوي رجلًا أنهكته السنون، بل رجلًا صقلته السنون حتى صار أكثر شفافية. لقد زار بيت الله حاجًا أكثر من مرة ومعتمرًا، وفي هذه الرحلات الروحية ما يكشف سرّ اتزانه الداخلي. فالحج ليس سفرًا إلى مكان فقط، بل رجوعٌ إلى الأصل، إلى النقطة التي يتساوى فيها الناس كما تتساوى قطرات المطر قبل أن تتوزع على الحقول. ولعل هذا البعد الإيماني هو ما منح سيرته صفاءها، بعيدًا عن ضجيج الانتماءات الحزبية التي أعلن أنه لا ينتمي إلى أيٍّ منها. إنه ينتمي إلى معنى أوسع: إلى الإنسان، إلى الوفاء، إلى الكلمة الطيبة، إلى الرياضة بوصفها أخلاقًا، وإلى الأدب بوصفه ذاكرة الروح.
ومن جميل ما يضيء هذه السيرة أن والده كان خريج كلية الآداب "تاريخ" سنة 1961، كأن الأب سلّم الابن مفتاح الزمن. فالأب درس التاريخ علمًا، والابن عاشه وجدانًا. الأول حفظ وقائع الأمس في الكتب، والثاني حفظها في القلوب والعلاقات والرياضة والمنفى والملتقيات. هكذا يتوارث البيت معنى الحراسة: حراسة الماضي كي يظلّ حيًا في الحاضر. إن عباس الغراوي، في جوهره، ليس سيرة نجاح فردي، بل صورة لجيلٍ عراقيٍّ كامل عرف كيف يخرج من الجراح محتفظًا بالنور. جيلٌ تعلّم من الرياضة معنى الجماعة، ومن الأدب معنى العمق، ومن الهجرة معنى الصبر، ومن الإيمان معنى الطمأنينة. وإذا كان مولانا يقول: "لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك"، فإن حياة عباس تبدو تطبيقًا حيًا لهذه الحكمة. فكل منعطفٍ في حياته، من المسرح إلى المرمى، ومن الترجمة إلى المنفى، ومن الملاعب إلى ملتقيات الأدب، كان جرحًا صغيرًا يفتح بابًا أكبر للنور. لهذا أراه "حارس الذاكرة" بحق، لأنه لم يترك لحظةً جميلة تسقط في بئر النسيان. حرس طفولته بالمسرح، وشبابه بالرياضة، ونضجه بالترجمة، واغترابه بالوفاء، وشيخوخته بالعطاء. إنه من أولئك الذين إذا غابوا جسدًا بقيت أرواحهم تعمل في الناس، كالعطر الذي يظلّ في الثوب بعد رحيل صاحبه. وفي خاتمة هذه السيرة، لا يسعنا إلا أن نقول إن عباس الغراوي يشبه الناي الذي تحدّث عنه مولانا جلال الدين الرومي : اقتُطع من غابه الأول، فازداد حنينًا، وتحول حنينه إلى موسيقى. وكل من عرفه، في النجف أو بغداد أو الدنمارك، سمع من هذا الناي لحنًا واحدًا لا يتبدل: لحن الوفاء للأصل، وحراسة الذاكرة، والإيمان بأن ما يبقى من الإنسان ليس عمره، بل الأثر الذي يتركه في قلوب الناس. وهكذا يمضي عباس، لا كحارس مرمى وحسب، بل كحارسٍ لذاكرة وطن، وذاكرة لعبة، وذاكرة جيل، وذاكرة روحٍ لم تتعب من الحب، ولم تيأس من العطاء، ولم تنسَ أبدًا أن "ما تبحث عنه يبحث عنك".
ليس من اليسير أن يدير المرء موقعًا يضم أربعة عشر ألف عضو، فالأمر في ظاهره شأنٌ تقني، تحكمه أدوات النشر وإيقاع المتابعة، غير أنّه في جوهره فعلٌ ثقافي وأخلاقي، يحتاج إلى عقلٍ منظم، وذائقةٍ رفيعة، وقلبٍ يعرف كيف يصون الذاكرة من التبدد. ومن هنا يتجلّى عباس الغراوي في صورةٍ أخرى من صوره المضيئة، لا بوصفه رياضيًا أو مترجمًا أو ملتقيًا للآداب فحسب، بل بوصفه مديرًا استثنائيًا لموقع كلية الآداب، ذلك الفضاء الذي غدا على يديه أرشيفًا حيًا لروح السنين الماضيات. لقد استطاع أن يحوّل هذا الموقع، بما يضمّه من أربعة عشر ألف عضو، من مجرد منصة تواصل إلى وطنٍ رمزي تتلاقى فيه الوجوه التي فرّقتها الأعوام، وتتصافح فيه الأسماء التي غيّبتها المنافي والوظائف وتقلبات الحياة. فكم من زميل دراسة أعادته منشوراته إلى مقعدٍ جامعي قديم، وكم من أستاذٍ بعثته صورةٌ نادرة إلى قاعةٍ ما زالت تسكن الذاكرة، وكم من مناسبةٍ ثقافيةٍ أو رياضيةٍ أو أدبيةٍ استعادت بفضله ألقها الأول. لقد أحيا في هذا الموقع روح الزمن الجميل، حتى بدا كأن كلية الآداب نفسها قد استعادت شبابها في فضاءٍ رقمي نابض.
تميزت إدارته بقدرةٍ نادرة على الجمع بين النظام والحميمية. فهو لا يدير الأعضاء بوصفهم أرقامًا متراكمة، بل بوصفهم حكاياتٍ بشرية، لكل واحدٍ منهم ظلٌّ من الماضي يستحق أن يُصان. لذلك اتسم حضوره الإداري باليقظة الهادئة، يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تمنح الجماعة روحها، ويمنع الفوضى من أن تفسد جمال الفضاء الثقافي. كان أشبه بأمين مكتبةٍ كبرى، لا يكتفي بحفظ الكتب، بل يعرف مواضع الضوء فيها، ويقود القارئ إلى الصفحة التي تمسّ وجدانه. إنّ قيمة هذا الموقع، تحت إدارة عباس الغراوي، لا تكمن في العدد الكبير لأعضائه فقط، بل في المعنى الذي أعاده إلى كلمة "الانتماء". فالأعضاء لم يجتمعوا حول شاشة، بل حول ذاكرة مشتركة، حول سنوات الدراسة، وأصوات الأساتذة، ودفء الصداقات الأولى، وأحلام الشباب التي كانت تنمو بين أروقة كلية الآداب. لقد جعل من الفضاء الإلكتروني مجلسًا وجدانيًا واسعًا، تُستعاد فيه الصور القديمة لا بوصفها وثائق جامدة، بل بوصفها نبضًا حيًا يعيد للروح شيئًا من فتنتها الأولى. ولعل أروع ما في هذه الإدارة أنها لم تكتفِ باستحضار الماضي، بل جعلته جسرًا إلى الحاضر. فالموقع عنده ليس متحفًا للذكريات فقط، بل ساحةً لتجدد الصلة بين الأجيال، يلتقي فيها خريجو الأمس بطلبة اليوم، ويتعانق فيها الوفاء للسنين الغابرة مع الانفتاح على الزمن الرقمي الجديد. وهكذا نهض عباس الغراوي بدور "حارس الذاكرة" مرةً أخرى، ولكن هذه المرة في ثوبٍ إلكتروني أنيق، يليق برجلٍ عرف كيف يجعل من الإدارة فنًا، ومن التنظيم رسالة، ومن الذكرى حياةً ثانية لا يطالها الغياب.
#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟