أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم حمدان















المزيد.....

الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم حمدان


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


تُقدِّم هذه اللوحة للفنان ناظم حمدان بنية بصرية عالية الكثافة، تُغري منذ النظرة الأولى بقراءتها على أكثر من مستوى: مستوى الشكل، ومستوى الرمز، ومستوى اللاوعي البصري الذي يُنتج المعنى عبر التشظي والتراكب. نحن هنا لا نقف أمام مشهد وصفي، بل أمام جهاز دلالي مركّب يشتغل على تحويل عناصر مألوفة، كأوراق اللعب والجسد الإنساني، إلى نظام من العلامات المتنازعة، حيث يتجاور الإيروسي مع العبثي، واللعبة مع المصير، والصدفة مع العنف الرمزي. ومن ثم فإن المقاربة الأحدث لهذه اللوحة لا يمكن أن تكتفي بالمنهج الشكلي التقليدي، بل تستدعي تضافر مناهج النقد البصري المعاصر: السيميائيات، والتحليل النفسي البصري، ونقد الجسد، وما بعد البنيوية، وصولاً إلى المقاربة الظاهراتية التي تدرس كيفية تشكّل الإدراك داخل فضاء الصورة. على المستوى الشكلي، تقوم اللوحة على اقتصاد لوني صارم ومقصود. الأسود هنا ليس مجرد خلفية، بل حقل امتصاص بصري يبتلع الكتل ويمنحها بعداً درامياً عميقاً. في مقابل هذا السواد، ينهض الأبيض المنقّط الذي شُكّلت به الأجساد بوصفه ضوءاً داخلياً، أقرب إلى نسيج من الذرات أو النبضات، بما يجعل الجسد غير مكتمل ماديّاً، بل كأنه في طور التشكل أو التفكك. أما الذهبي المائل إلى الأصفر في أوراق اللعب فيؤدي وظيفة رمزية مزدوجة: فهو لون القيمة والإغراء من جهة، ولون الخداع البرّاق من جهة أخرى. هذه الثلاثية اللونية "أسود، أبيض، ذهبي" تمنح العمل طابعاً احتفالياً جنائزياً في آن، وكأننا أمام مسرح للقدر حيث تتلألأ الأدوات التي تصنع السقوط.
تكوينياً، تعتمد اللوحة على مركزية بطاقة اللعب البيضاء الكبرى التي تتخذ موقع القلب البصري للعمل، لكنها ليست مركزاً ثابتاً بقدر ما هي بؤرة جذب تدور حولها الأجساد والأطراف والبطاقات الأخرى. هنا نستطيع تطبيق المنهج البنيوي في تحليل العلاقات الداخلية، إذ إن المعنى لا ينتج من كل عنصر منفرداً، بل من شبكة الفروق بين العناصر: الكبير والصغير، الأعلى والأسفل، الأسود والذهبي، الجسد والورقة، الحي والجماد. هذه العلاقات تولد نظاماً من التوتر المستمر، حيث يبدو كل شيء معلقاً بين التوازن والانهيار. من منظور السيميائيات البصرية الحديثة، تشكل أوراق اللعب "الآس، الرقم 2، الرقم 3" علامات ثقافية محمّلة بإرث طويل من الدلالات المرتبطة بالحظ، والمقامرة، والقدر، والمخاطرة. غير أن الفنان لا يوظفها بوصفها موضوعاً تزيينياً، بل بوصفها بنية خطابية تشير إلى هشاشة الوجود الإنساني داخل لعبة أكبر منه. الأجساد لا تمسك الأوراق فحسب، بل تبدو مأخوذة داخلها، مسجونة في منطقها، أو ربما متحوّلة إلى امتداد لها. هذه النقلة من "الإنسان لاعباً" إلى "الإنسان ورقةً في اللعبة" هي إحدى أقوى الإزاحات الدلالية في العمل، وتفتح المجال لقراءة ما بعد بنيوية ترى الذات بوصفها نتاجاً لبنى تتجاوزها. اللافت في اللوحة هو تفكك الجسد الإنساني إلى أطراف ملتوية، منحنية، وموزعة على مساحات اللوحة بطريقة تُربك المرجع التشريحي المعتاد. هذا التفكيك يضعنا أمام أثر واضح لمنهج "نقد الجسد" في الفن المعاصر، حيث لم يعد الجسد وحدة متناغمة، بل مساحة للصراع الرمزي. الجسد هنا لا يُمثَّل بوصفه هوية بيولوجية، بل بوصفه خطاباً عن التشظي والاغتراب. اليد الممتدة في الأعلى، الساق المتشابكة في المركز، الطرف السفلي المتدلي إلى اليمين، كلها تحيل إلى ذات فقدت مركزها، أو إلى إنسان حديث تمزقه أنظمة اللعب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
ومن خلال التحليل النفسي البصري، يمكن النظر إلى هذه الأجساد بوصفها تمثيلات للاوعي القلق. إن تشابك الأجساد مع البطاقات يوحي بعلاقة شبقية مع السلطة الرمزية للحظ والاختيار. فاللوحة لا تعرض لعبة بريئة، بل تكشف عن بنية رغبة: الرغبة في السيطرة على المصير، وفي الوقت نفسه الخضوع لقوانينه الغامضة. هنا يلتقي الإيروسي بالموتي، لأن الجسد الممدد في الأعلى يبدو في وضع بين الاستسلام والإنهاك، كما لو أن اللعبة استنفدت طاقته الوجودية. هذا البعد يقرب العمل من القراءات النفسية التي ترى الصورة ساحة لتجسيد القلق الوجودي، حيث يتحول الرمز الثقافي إلى حامل لرغبات دفينة ومخاوف جمعية. أما من زاوية المنهج التفكيكي، فإن اللوحة تهدم الثنائيات المستقرة: الإنسان/الشيء، الفاعل/المفعول به، المركز/الهامش. البطاقة المركزية ليست أكثر سلطة من الأجساد التي تعلوها، والأجساد نفسها ليست أكثر حياة من العلامات السوداء التي تتوزع عليها. هذا التساوي بين الكائن والرمز يمنح العمل بعداً فلسفياً عميقاً، إذ يبدو العالم كله وقد تحوّل إلى شبكة من العلامات المتبادلة، دون أصل ثابت أو حقيقة نهائية. المعنى هنا مؤجل باستمرار، ينزلق من يد إلى ورقة، ومن رقم إلى جسد، ومن ضوء إلى ظل. تقنياً، يلفت النظر استخدام التنقيط الدقيق في بناء الأجساد، وهو أسلوب يمنح السطح حساسية ملمسية عالية. هذه التقنية لا تؤدي وظيفة زخرفية فحسب، بل تنتج اهتزازاً بصرياً يجعل الجسد في حالة ذبذبة مستمرة، وكأنه مكوّن من ذرات قابلة للتبدد. في النقد المادي المعاصر، يُنظر إلى هذه المعالجة بوصفها جزءاً من "بلاغة السطح"، حيث يصبح ملمس اللوحة نفسه حاملاً للمعنى. فالجسد المنقّط ليس جسداً صلباً، بل جسد احتمالي، وجود مؤقت داخل لعبة احتمالات لا تنتهي.
ومن خلال القراءة الظاهراتية، يمكن القول إن تجربة المتلقي أمام هذه اللوحة تقوم على الإدهاش المتدرج. العين لا تستقر في نقطة واحدة، بل تُدفع إلى التنقل بين البطاقة المركزية، والجسد الملقى في الأعلى، ثم الأذرع والأرجل الموزعة على الحواف. هذا الترحال البصري ليس عرضياً، بل جزء من هندسة الإدراك التي بناها الفنان بعناية. اللوحة تُجبر المشاهد على اختبار حالة من "التيه الإدراكي"، حيث تتأخر عملية الفهم لصالح عملية التورط الحسي في الفضاء البصري. وهذا من أهم سمات الفن المعاصر: أن يصبح المعنى تجربة معاشة قبل أن يكون فكرة مؤولة. كما يمكن قراءة اللوحة في ضوء نقد الثقافة البصرية المعاصرة بوصفها استعارة عن الإنسان داخل منظومات السلطة والمصادفة. أوراق اللعب هنا لا ترمز إلى المقامرة فقط، بل إلى الاقتصاد الرمزي الذي تتحكم فيه قوى غير مرئية: من يوزع الأدوار؟ من يمنح الآس؟ من يُترك في الهامش كورقة رقمية صغيرة؟ بهذه القراءة، تتحول اللوحة إلى تعليق بصري على هشاشة المواقع الاجتماعية والسياسية، حيث الأجساد نفسها تبدو رهينة لقواعد لعبة لم تضعها. إن إحدى نقاط قوة العمل تكمن في قدرته على الجمع بين الحس الزخرفي العربي الحديث وبين الرؤية المفاهيمية المعاصرة. الزخارف الدقيقة داخل البطاقات لا تلغي بعدها الرمزي، بل تضاعفه، لأن التزيين نفسه يصبح قناعاً لقلق أعمق. وهذا ينسجم مع أحدث مناهج النقد التي ترى أن الجماليات ليست نقيضاً للمعنى، بل إحدى طرائق اشتغاله الأكثر دهاءً. في المحصلة، نحن أمام لوحة لا تكتفي بتمثيل مشهد، بل تبني عالماً تأويلياً مفتوحاً. إنها تشتغل على الجسد بوصفه ورقةً في لعبة الوجود، وعلى الورقة بوصفها قدراً بصرياً يبتلع الجسد. وبفضل اقتصادها اللوني الصارم، وتفكيكها التشريحي المقصود، وكثافتها الرمزية، تنجح في إنتاج خطاب تشكيلي معاصر يزاوج بين الإمتاع البصري والقلق الفلسفي. وفق أحدث المناهج النقدية، يمكن اعتبار هذه اللوحة مثالاً ناضجاً على الفن الذي لا يعرض موضوعه، بل يزعزع شروط رؤيتنا له، ويدفعنا إلى مساءلة علاقتنا بالمصير، واللعبة، والجسد، والمعنى ذاته.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باهرة عبد اللطيف: نافذة الشعر التي عرّت الحرب وألبست الذاكرة ...
- قراءة في لوحة -صمت تام 3- ليوسف الدويك
- عبد الله إبراهيم؛ إمام السرد وراعي المعنى في أزمنة التبدد
- عباس الغراوي؛ قيّم الذاكرة الرقمية وروح كلية الآداب
- العلامة محمد جاسم المشهداني؛ حارس الذاكرة العربية وسادنُ الت ...
- صادق الطائي- سيرةُ العارفِ في مرايا الإنسان والمجتمع
- برفسور ياس خضير البياتي؛ سيرةُ عقلٍ إذا نطق البيانُ أنصت، وإ ...
- شاكر حسن راضي: ناسكُ اللغة وراهبُ المعنى في زمنِ العبور
- محمد كريم الكواز: سالكُ اللغة في تخوم الغيب ومرآةُ المتخيَّل ...
- سعيد الغانمي؛ في بيان المعنى وعمارة الخيال
- خالد المعالي- سيرةُ شاعرٍ جعل المنفى دارًا، والكتاب وطنًا
- مهند حلوة ودار كنوز المعرفة ؛ حديثُ السادنِ الذي أيقظ خزائنَ ...
- رياض الخولي: تمثيل السلطة وتحولات الإنسان في مرآة الدراما ال ...
- العيد بوصفه لحظة اعتراف: في تحية الجدارة وتجربة حسن العدل ال ...
- لطفية الدليمي، وما كان لها من فضل القلم وحرية الروح
- غانم نجيب عبّاس؛ المؤرّخ الذي يكتب بمداد الوجدان
- عبد الجواد البيضاني: سيرةُ الصبر حين يتحوّل العلمُ إلى أخلاق
- عدنان سلمان… رثاء الدماثة والنبل في شارعٍ كان بيتًا للكتب
- ناجي حنون… الصديق وأشياء أخرى
- بين الخوف والحب: صلاة زوربا خارج الطقس


المزيد.....




- لكل شعب -جحاه-.. أحمق حكيم أم معارض هز عروش الأقوياء؟
- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - الجسد في متاهة الاحتمال: قراءة نقدية معاصرة في تشكيليات ناظم حمدان