أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - هدى زوين - الغزالة التي صدّقت الذئب














المزيد.....

الغزالة التي صدّقت الذئب


هدى زوين
كاتبة

(Huda Zwayen)


الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 18:13
المحور: حقوق الانسان
    


في تاريخ الرموز لا تحضر الغزالة إلا بوصفها صورة للوداعة ولا يظهر الذئب إلا محمّلًا بدلالات الافتراس والمكر، وبين هذين النقيضين تتشكل حكايات البشرية الكبرى، حيث لا يكون الصراع بين خير مطلق وشر مطلق، بل بين نوايا صادقة وأطماع متخفية. إن قصة الغزالة التي صدّقت الذئب ليست سردًا رمزيًا عابرًا، بل قراءة عميقة في طبيعة العالم حين يختل ميزان القيم ويُختبر السلام في ساحات لا تعترف إلا بالقوة المقنّعة.
لم تكن الغزالة ساذجة حين اختارت التصديق، بل كانت وفية لفكرة آمنت بها طويلًا: أن اللغة قادرة على تهذيب الغريزة، وأن الوعد قد يسبق الفعل في صناعة التحول. حملت نقاءها كرسالة، وتقدمت نحو الذئب لا بروح التحدي بل بروح المصالحة، معتقدة أن الخطاب الصادق يكفي لردع الافتراس.
أما الذئب فلم يكن بحاجة إلى أن يغير جلده، بل إلى أن يبدّل نبرته فقط. أتقن مفردات السلام وتحدث عن التعايش، وأخفى أنيابه خلف ابتسامة محسوبة. لم يكذب صراحة، لكنه ترك المساحات الرمادية تعمل لصالحه؛ فالصمت أحيانًا أبلغ من الوعد، واللغة حين تُستخدم بمهارة تصبح أداة سيطرة لا وسيلة تفاهم.
وهنا تتجلى العبرة القاسية: السلام حين يُمنح بلا شروط يتحول من قيمة أخلاقية إلى ثغرة. ليست المشكلة في الإيمان بالخير، بل في تجاهل طبيعة من نخاطبهم. فالذئب لا يخون فطرته حين يفترس، لكن الغزالة تخون ذاتها حين تتنازل عن وعيها. إن المأساة الحقيقية لا تقع لحظة الهجوم، بل لحظة الثقة غير المحروسة.
تتكرر هذه القصة خارج حدود الرمز: في السياسة حين تُصدَّق الوعود دون ضمانات، وفي الإعلام حين يُمنح المنبر لمن يجيد الخطاب لا لمن يلتزم الحقيقة، وفي العلاقات الإنسانية حين تُفسَّر المجاملات على أنها التزام أخلاقي. في كل مرة تدفع الغزالة ثمن نقائها، لا لأن النقاء خطأ، بل لأنه وُضع في غير موضعه.
إن الغزالة التي صدّقت الذئب لا تدعونا إلى التخلي عن السلام، بل إلى تحصينه. فالقيم لا تعيش وحدها، بل تحتاج إلى وعي يحميها، وإلى قوة توازنها، وإلى بصيرة تفرّق بين المصافحة والفخ. السلام الحقيقي ليس استسلامًا ناعمًا، بل خيار شجاع يُبنى على معرفة دقيقة بطبيعة العالم. من يحرس نقاءه يبقيه رسالة، ومن يتركه بلا وعي يسلّمه قربانًا لأول ذئب يتقن فن الكلام.



#هدى_زوين (هاشتاغ)       Huda_Zwayen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تلوث قاتل… وصمتٌ أشد فتكاً
- الصحافة تحت النار… والقانون في غيبوبة
- إذا تكلم التراب نطق بأسماء لا تعرف الانكسار...
- خارقون تحت ركام السلطة
- الجيش اللبناني… خطٌّ أحمر لا يُمَس
- العائلة العربية بين الجيل الذهبي والجيل الرقمي...
- صحافة المواطن: حرية التعبير أم فوضى المعلومات؟
- بأيِّ عيدٍ نعود… والوطن يئنّ تحت الغياب؟
- غلاء الأسعار والضرائب...كيف يعيش من يحرس الوطن؟
- مدن تتنفس الرماد
- زهرة النرجس تحت التراب…
- النزاع الأخير… صرخة الجنوب التي تقهر الإنسانية
- الجنوب ينزح… فمن يحمي المواطن؟
- هوية لا تتعب من البقاء
- رحلة في صحراء العقل..
- التعارف في زمن الشاشات: بين وهم القرب وحقيقة الوعي
- من يدري ما تراه النعامة في الرمال؟
- سياسات القطع وإغتيال الذاكرة بصمت..
- الجسد المستباح وضمير المجتمع الغائب
- المرأة في مواجهة منظومة الاستباحة


المزيد.....




- كازاخستان تسجن 19 ناشطا نددوا بقمع مسلمين بالصين وأمنستي ورا ...
- وسط انتقادات حقوقية.. قاض تونسي يأمر بسجن رئيس سابق لهيئة مك ...
- حصيلة دموية بعام 2025.. مقتل 326 عامل إغاثة في صراعات حول ال ...
- فيديو - عام رابع من الحرب في السودان.. والأمم المتحدة تحذّر: ...
- الإمارات في الأغذية العالمي: رهان دولي على الجدارة اللوجستية ...
- المفوض السامي لشئون اللاجئين: التداعيات الإنسانية للحرب في ل ...
- الاستخبارات الإيرانية: عُثر بحوزة هذه الخلايا على أسلحة نار ...
- فضل الله: وقف العدوان وانسحاب العدو والسماح بعودة النازحين و ...
- وزارة الأمن الإيرانية: اعتقال قائد مجموعة إرهابية إنفصالية
- بين زيارة البابا للجزائر وقانون -يدان- في فرنسا: صراع الهوية ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - هدى زوين - الغزالة التي صدّقت الذئب