هدى زوين
كاتبة
(Huda Zwayen)
الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 22:49
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
في كل مرة يظن العالم أن التاريخ قد تعلّم من مآسيه، تعود الوقائع لتكذّب هذا الظن. فالتاريخ، حين تُكسر القيم وتُدفن العدالة، لا يتردد في إعادة المشهد ذاته بأسماء مختلفة ووجوه جديدة. وكأن البشرية لم تتعب بعد من تكرار الأخطاء ذاتها، ولم تكتفِ بعد من الدم الذي يسيل على تراب الأوطان.
اليوم، كما في الأمس، تُكسر العقيدة وتُهان الإنسانية تحت عناوين كثيرة، لكن جوهرها واحد: مصالح تُقدَّم على الإنسان، وحسابات تُكتب بالدم بدل الحبر. في زمن يفترض أنه زمن حقوق الإنسان والعدالة الدولية، ما زال الإنسان البسيط يدفع الثمن الأكبر. أناس لا يملكون ذهبًا ولا يسعون إلى سلطة، بل يبحثون فقط عن حقهم الطبيعي في العيش بكرامة على أرضهم، فإذا بهم يجدون أنفسهم في مواجهة الموت.
كم من بيت أُغلق بابه على عجل، وكم من أرض تُركت خلف أصحابها وهم يهربون بما بقي من أرواحهم؟ كم من أمّ تنتظر خبرًا يطمئن قلبها فلا يأتي، وكم من طفل كبر فجأة لأن الحرب قررت أن تسلبه طفولته؟ هذه ليست مجرد صور عابرة في نشرات الأخبار، بل حكايات إنسانية حقيقية تُكتب كل يوم على صفحات الألم.
المأساة الكبرى ليست فقط في الدم الذي يسيل، بل في العالم الذي اعتاد رؤية هذا الدم حتى كاد يفقد دهشته الأولى. حين يصبح القتل خبرًا عاديًا، وحين تتحول المعاناة إلى أرقام وإحصاءات، نكون قد وصلنا إلى أخطر مراحل الانحدار الإنساني. فالقضية لم تعد مجرد صراع أو نزاع، بل اختبار حقيقي لضمير العالم.
ومع ذلك، يبقى في الأرض سرّ لا يستطيع الظلم أن يلغيه. فالأرض التي تُروى بالدم تحفظ ذاكرة أصحابها، والتاريخ، مهما طال صمته، لا ينسى. قد تُدفن الحقيقة تحت التراب، وقد يحاول البعض طمسها أو تشويهها، لكنها مثل زهرة النرجس، قادرة على أن تزهر من جديد مهما طال انتظارها.
إن الدم الذي يُسفك ظلمًا لا يتحول إلى رماد في ذاكرة الشعوب، بل إلى جذورٍ عميقة في تربة التاريخ. ومن هذه الجذور تنبت الحكايات، وتولد الأجيال التي ترفض النسيان. لأن الإنسان قد يخسر معركة، وقد يُهجَّر من أرضه، لكنه لا يخسر حقه في أن تبقى قضيته حيّة.
فتبقى زهرة النرجس تحت التراب… صامتة أحيانًا، لكنها حيّة. تنتظر لحظة الضوء لتخبر العالم أن الحقيقة قد تُؤجَّل، لكنها لا تموت.
#هدى_زوين (هاشتاغ)
Huda_Zwayen#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟