هدى زوين
كاتبة
(Huda Zwayen)
الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 17:40
المحور:
حقوق الانسان
عندما نقلب الصفحات ونتصفح المنصّات، نصطدم بسيلٍ من الكلمات المنقولة، والخطابات المستوردة، والتحليلات التي لا تمتّ لواقعنا بصلة. بعض الإعلاميين منشغلون بتفسير مشاعر مجتمعات أخرى، وتلميع قضايا بعيدة، وكأن ما يحدث هنا لا يستحق الضوء. أما التحرش، هذه الجريمة اليومية التي تعيش بيننا، فما زالت تُعامل كموضوع ثانوي، مؤجل، أو مزعج للصورة العامة.
نحن لا نعاني من نقص في المصطلحات، بل من غياب الجرأة. التحرش ما زال قائمًا في هذا العصر لأن كثيرين يفضّلون الالتفاف حوله بدل مواجهته. لأنه يحرج الخطاب العام، ويفضح خلل التربية، ويكشف عورة القيم المعلنة. ولهذا يُدفع إلى الهامش، أو يُختصر بخبر عابر، أو يُترك للهمس بدل النقاش العلني.
التحرش ليس أزمة جسد، بل أزمة ضمير. ليس خطأ امرأة خرجت أو تكلمت أو وُجدت، بل نتيجة ثقافة ترى في الجسد الأنثوي مساحة مفتوحة، وتمنح المعتدي ألف عذر، بينما تُغرق الضحية في الشك والتجريم. وحين يُخفَّف السؤال عن الجاني، ويُثقَل على المجني عليها، نكون أمام منظومة تحمي الجريمة لا الإنسان.
الأخطر أن الإعلام، حين يصمت أو يسطّح القضية، لا يكون محايدًا. الصمت هنا موقف، والتجاهل شراكة غير معلنة. كل منصة تختار الهروب إلى قضايا أسهل، وتترك التحرش خارج النقاش، تساهم في تطبيع الانتهاك، وتمنح النفوس المريضة مساحة آمنة للاستمرار.
لا يولد المتحرش فجأة، بل يُصنع داخل بيئة تُربّي الذكور على الامتياز لا المسؤولية، وتعلّم الإناث الخوف بدل الأمان. بيئة تقدّس السمعة أكثر من الكرامة، وتخشى الفضيحة أكثر من الجريمة، فتُجرّم الشكوى، وتُكمّم الضحية، ثم تتساءل ببرود: لماذا لا تتوقف هذه الظاهرة؟
التحرش مستمر لأننا لم نقرر بعد أن نكون صادقين مع أنفسنا. لأنه ما زال يُعامل كإحراج إعلامي لا كجريمة إنسانية. ولأن كثيرين يفضّلون الكتابة عن كل شيء، إلا ما يفضح هذا الخلل العميق في الضمير.
فليُقال بوضوح: المجتمع الذي لا يضع التحرش في صدارة أولوياته، مجتمع يتواطأ ضد بناته. والإعلام الذي لا يواجه هذه الجريمة، شريك في الصمت، مهما ادّعى الوعي والتقدّم.
إلى أن نمتلك الشجاعة لكسر هذا التواطؤ، سيبقى الجسد مستباحًا، وسيبقى ضمير المجتمع غائبًا… لا لأنه لا يرى، بل لأنه اختار أن يغضّ الطرف.
#هدى_زوين (هاشتاغ)
Huda_Zwayen#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟